الياس دمّر

لماذا لا يريد أصحاب القرار أن تشاهدوا فيلم "DIGGER"؟

4 دقائق للقراءة

ثمّة أمر لافت في الطريقة التي استُقبل بها "DIGGER" حتى قبل أن يأخذ فرصته الحقيقية أمام الجمهور. فالفيلم الذي يجمع مخرجًا بحجم Alejandro G. Iñárritu بنجم مثل Tom Cruise، ويغامر بميزانية ضخمة وفكرة لا تشبه ما اعتاده جمهور شباك التذاكر، وجد نفسه منذ أيامه الأولى محاصرًا بسيل من العناوين السلبية والتوقعات المتشائمة والتشكيك في جدواه التجارية. وفي أسبوعه الافتتاحي، جاءت الأرقام لتبدو كأنها تمنح هذه الحملة انتصارها السهل، مع افتتاح أميركي حقق 8 ملايين دولار فقط، وهو من الأدنى في مسيرة كروز. لكن المعضلة هنا ليست في عيب يشوب الفيلم، بل في أنه ليس مصممًا أصلا لكي يكون فيلمًا سهلا. وهذه تحديدًا فضيلته الكبرى.


تحرُّر من النجومية

في "DIGGER" لا يعود إيناريتو إلى السينما الآمنة، ولا يكرر نجاحات "Birdman" أو "The Revenant" بصيغة تجارية مضمونة. بل يفعل شيئًا أكثر إثارة للمخاطرة، حين يأخذ نجمًا عالميًا مثل توم كروز، أحد آخر رموز السينما الجماهيرية التقليدية، ويضعه في جلد شخصية بشعة، مغرورة، مضحكة ومُرعبة في آن. الملياردير النفطي "Digger Rockwell"، الرجل الذي يعتقد أنه قادر على إنقاذ العالم من كارثة ساهم هو نفسه في صنعها.

يقدّم كروز هنا واحدًا من أكثر أدواره تحررًا من النجومية. لا يكتفي بتغيير مظهره الجسدي، بل يهدم، بسخرية ذكية، صورته التي صنعها خلال عقود. ذلك الرجل الذي اعتدنا أن نراه يركض لإنقاذ العالم، يصبح هنا رجلا يحتاج إلى إنقاذ العالم من نفسه. وهنا تتضح عبقرية اختيار كروز.


سخرية من السلطة

لكن هل يكفي أن نضحك على أصحاب السلطة كي نهزمهم؟

الفيلم لا يسخر من رجل النفط وحده، بل من أسطورة البطل الأميركي نفسها، أي الرجل الثري، الأبيض، القوي. هو الذي يعتقد أن امتلاك المال والنفوذ والقدرة على إصدار الأوامر يمنحه الحق في تعريف الحقيقة، ثم يتوقع من العالم أن يشكره عندما يحاول إصلاح الكارثة التي تسبب بها. لكن إيناريتو لا يكتفي بالسخرية السياسية المباشرة.

أكثر ما يثير الإعجاب في "DIGGER" هو الطريقة التي يتحوّل بها الفيلم تدريجيًا إلى تأمل في الفن نفسه. وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل تستطيع السينما أو السخرية أن تغيّر عالمًا ينهار أمام أعيننا؟ من هنا تأتي البنية الملتوية للفيلم، التي تنقل الحكاية من الكارثة البيئية إلى طبقات أخرى من التمثيل والواقع والمسرح. وهذا الخيار قد يربك المشاهد الذي ينتظر فيلمًا كارثيًا تقليديًا، لكنه بالنسبة إلينا أحد أكثر قرارات إيناريتو جرأة وإبداعًا. هو يجعل الشكل جزءًا من المضمون، ويضعنا أمام سؤال: أين تنتهي المسرحية وأين يبدأ العالم الحقيقي؟

بصريًا، الفيلم تحفة تستحق المشاهدة على الشاشة الكبيرة. تعاون إيناريتو مجددًا مع المصوّر السينمائي الكبير Emmanuel Lubezki، وصوّر الفيلم كاملا بتقنية "VistaVision"، الأمر الذي يمنح مشاهده اتساعًا وعمقًا يتناسبان مع طموحه الكارثي والفلسفي. كما أن حضور أسماء مخضرمة مثل Riz Ahmed وJohn Goodman وSandra Hüller وMichael Stuhlbarg وJesse Plemons منح الفيلم كثافة تمثيلية استثنائية، بدل أن يكون مجرد مغامرة جديدة لتوم كروز.


سينما مقلقة

قد لا يكون "DIGGER" فيلمًا سهل الهضم، وقد لا يرضي من يريد من إيناريتو حكاية مستقيمة ومألوفة. لكنه، في المقابل، فيلم جريء، طموح، غريب، ساخر ومختلف. فيلم يرفض أن يختزل نفسه في خانة واحدة، تمامًا كما رفض مخرجه طوال مسيرته أن يكون صانع أفلام يمكن توقع خطوته التالية. وإذا كانت أرقام شباك التذاكر قد أعلنت أن "DIGGER" خسر المعركة، فإن التاريخ السينمائي قد يكون أكثر إنصافًا معه. فالأفلام التي تولد لكي ترضي السوق تموت غالبًا بانتهاء موسمها. أما الأفلام التي تجرؤ على المخاطرة، وعلى إزعاج الجمهور وإرباكه ودفعه إلى التفكير، فقد تحتاج إلى سنوات حتى تجد جمهورها الحقيقي.

ليس "DIGGER" فيلمًا يحفر بحثًا عن الذهب. إنه يحفر تحت طبقات السينما الأميركية نفسها، ويكشف ما يوجد تحتها: السلطة، المال، الغرور، الخوف، والكذبة الكبرى التي تقول إننا نستطيع تدمير العالم، ثم نرتدي عباءة المنقذ. وهذا، في رأينا، هو السبب الحقيقي الذي يجعل تجربة إيناريتو وتوم كروز تستحق الدفاع عنها، لا دفنها. تجربة تستحق المشاهدة أكثر من مرة، حاليًا في صالات السينما.