طارق أبو زينب

من غزة إلى لبنان: "7 أكتوبر" يهز معادلات محور إيران

4 دقائق للقراءة
حوّل "حزب الله" لبنان إلى ساحة إقليمية

بعد ثلاث سنوات على السابع من تشرين الأول 2023، لم تعد غزة مجرد مسرح لمواجهة فلسطينية- إسرائيلية، بل تحولت إلى لحظة أعادت ترتيب معادلات الردع والنفوذ والسيادة إقليميًا. انتقل الصراع من حدود القطاع إلى لبنان والبحر الأحمر والخليج وإيران، وتداخل الأمن مع الطاقة والملاحة والاقتصاد. لذلك، فإن قراءة نتائج هذه السنوات لا تبدأ بعدد العمليات أو الجبهات، بل بالسؤال الأعمق: ماذا حدث لبنية النظام الإقليمي عندما فشل التفوّق العسكري في إنتاج تسوية، وفشلت شبكات النفوذ في فرض معادلة سياسية بديلة؟

غزة تختصر الوجه الأكثر قسوة للصراع. فقد تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قتلوا منذ السابع من أكتوبر 2023 الـ74 ألفًا، فيما تجاوز عدد الجرحى 175 ألفًا، وسط آلاف الإصابات المسببة لإعاقات دائمة. وتعرض القطاع الصحي لدمار واسع، فيما كانت 19 مستشفى فقط من أصل 36 تعمل جزئياً في أيلول 2026، من دون أن يعمل أي منها بكامل طاقته. لكن المأساة تحولت إلى عقدة سياسية، لأن مستقبل غزة وإدارتها وأمنها وإعادة إعمارها ارتبط بسؤال "اليوم التالي": من يدير غزة؟ من يضمن أمنها؟ ومن يمول إعادة إعمارها؟ وهنا تكمن المفارقة: القوة تستطيع تغيير الوقائع الميدانية، لكنها تعجز وحدها عن ملء الفراغ السياسي الذي يليها.

هذا الفراغ هو الذي وسّع الصراع إقليميًا. فقد اعتمدت إيران "وحدة الساحات" كآلية لتوزيع الضغط عبر حلفائها، بحيث تصبح إسرائيل أمام جبهات متعددة بدلا من مواجهة مركزية واحدة. لكن هذه الاستراتيجية حملت تناقضها الداخلي: انتشار النفوذ يعني أيضًا انتشار نقاط الانكشاف. ومع اتساع الاستهداف، لم تعد الوكالة ضمانة كافية لإبعاد المركز عن المواجهة، بل أصبحت الساحات نفسها جسرًا يصل الضغط إلى طهران. بذلك تحولت شبكة النفوذ من مصدر ردع غير مباشر إلى أحد أسباب انتقال الصراع إلى مستوى مباشر.

وعندما أصبحت إيران في قلب المواجهة، تغيرت طبيعة المخاطر. فالملف لم يعد محصورًا بالنووي والصواريخ، بل اتصل بالممرات البحرية والطاقة والاقتصاد العالمي. هنا يكتسب مضيق هرمز أهمية تتجاوز الجغرافيا: فهو ورقة قادرة على نقل كلفة الصراع من الدول المتحاربة إلى الأسواق العالمية. ومع باب المندب، أصبحت الملاحة جزءًا من معادلة الردع، وأصبح الاقتصاد نفسه ساحة مواجهة. وأصبح التأمين والشحن والطاقة مؤشرات لأثر الصراع خارج ساحاته. لذلك لم تعد أي تسوية إقليمية شأنًا أمنيًا فقط، لأن استقرار المنطقة مرتبط بالتجارة والطاقة.

غير أن أخطر انعكاسات "وحدة الساحات" ظهرت حين اصطدمت بمنطق الدولة. لبنان يقدم النموذج الأوضح. ففتح "حزب الله" جبهة تحت عنوان دعم غزة جعل البلاد جزءًا من صراع يتجاوز حدودها، فيما دفعت الدولة والمجتمع ثمن قرار استخدام القوة من دون أن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار. هنا تصبح القضية أكبر من السلاح: إنها مسألة سيادة وقدرة على تعريف المصلحة الوطنية. فحين يتعدد أصحاب القرار الأمني، يصبح من الصعب على الدولة أن تفاوض أو تردع أو تضمن تسوية، لأنها لا تتحكم بالكامل في أدواتها.

ومن هذه الزاوية تتضح حصيلة السنوات الثلاث. إسرائيل أثبتت قدرة تدميرية كبيرة لكنها لم تنتج حلا سياسيًا. إيران أثبتت قدرة على بناء نفوذ متعدد الجبهات، لكنها جعلت هذا النفوذ نفسه قابلا للاستهداف. و"حزب الله" أثبت قدرته على فتح جبهة، لكنه كشف كلفة تحويل لبنان إلى ساحة إقليمية. أما القضية الفلسطينية، فرغم الكارثة الإنسانية، بقيت في المعادلة الدولية، ويؤكد ذلك أن القوة وحدها لا تلغي النزاع.

لذلك، لا تكمن المسألة في إعلان منتصر وخاسر، بل في تحديد قواعد الشرق الأوسط المقبل. استمرار السلاح خارج الدولة، وإدارة النفوذ عبر الميليشيات، وغياب حلّ سياسي قابل للحياة للفلسطينيين، وإبقاء الأمن الإسرائيلي قائمًا على التفوّق العسكري، كلها عوامل تعيد إنتاج الصراع بأشكال مختلفة. أما بناء دولة فلسطينية، وضمان أمن غزة، واستعادة احتكار الدول قرار القوة، وحماية الممرات الدولية، فهي شروط لنظام إقليمي أكثر استقرارًا.

الحرب التي بدأت في غزة لم تغيّر حدودًا جغرافية فحسب، إذ كشفت هشاشة المعادلة الإقليمية. ومن غزة إلى لبنان، ومن طهران إلى هرمز، بات واضحًا أن السلاح يستطيع فتح الجبهات، لكنه لا يستطيع وحده بناء نظام سياسي قابل للحياة. والخلاصة أن ما لم تنتقل المنطقة من إدارة الساحات إلى إدارة الدول، ستبقى كل هدنة مجرد فترة فاصلة تعيد خلالها الميليشيات المسلحة ترتيب نفوذها واستعادة قدرتها على تهديد استقرار المنطقة .