في موقع مهرجان "نوفا" جنوبي إسرائيل، شغّلت أمّ مقطوعة التكنو الأخيرة التي رقص عليها ابنها قبل مقتله في هجوم 7 أكتوبر 2023. وعلى الجانب الآخر من الحدود، دوّت انفجارات جديدة في غزة. هكذا تداخل تكريم الضحايا مع القصف في الذكرى الثالثة لهجوم 7 تشرين الأول: إسرائيليون يستعيدون لحظة انهيار أمنهم، وفلسطينيون يبحثون بين الأنقاض عن بقايا حياتهم. وبين المشهدين، أصدرت "حماس" بيانًا يحتفي بـ "يوم مجيد" و"محطة تاريخية" و"ملحمة بطولية"، كأن السنوات الثلاث مرّت خارج حساباتها، وكأن مصير الشعب الذي تتحدّث باسمه تفصيل في رواية انتصار زائف مكتوبة سلفًا.
في إسرائيل، تدخل الذكرى مباشرة في معركة انتخابات 27 تشرين الأوّل. عائلات تطالب بالمحاسبة، ومحتجّون يذكّرون بأن السابع من الشهر سيحضر في صناديق السابع والعشرين منه. وصف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الهجوم بأنه إخفاق هائل للدولة، فيما رأى زعيم حزب "الديموقراطيين" يائير غولان أن استمرار حكم "حماس" دليل على خطورة بقاء الحكومة الحالية. أمّا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فاستعاد وعد "إكمال المهمّة"، مستندًا إلى الحرب المفتوحة لتسويق استمراره، بينما يقاوم المطالبة بتحقيق مستقلّ في الكارثة التي وقعت خلال حكمه. تحوّلت الذكرى إلى ساحة صراع على المسؤولية والسلطة.
وفي ما يتعلّق ببيان "حماس"، تستحقّ عبارة "يوم مجيد" السؤال الأبسط والأقسى: أين المجد؟ في قتل مدنيين داخل منازلهم وفي مهرجان موسيقي؟ في اقتياد الرهائن؟ أم في الحصيلة التي انتهى إليها سكّان غزة؟ أسفر الهجوم على إسرائيل عن مقتل 1221 شخصًا، معظمهم مدنيون، وأعقبته حرب إسرائيلية قتلت أكثر من 74 ألفًا و200 فلسطيني، بحسب وزارة الصحة في القطاع.
أمّا وصف الهجوم بأنه "محطة تاريخية"، فمحاولة لانتزاع شهادة استحقاق أخلاقية وسياسية من ضخامة الحدث، كأنّ هول الحريق يكفي لتبرير إشعاله. فالكوارث أيضًا تصنع محطات تاريخية، لكنّها لا تتحوّل بذلك إلى إنجازات. والمعيار الذي يخصّ الفلسطينيين لا يتعلّق بحجم الصدمة التي أحدثها الهجوم، إنما بمقدار ما اقتربوا من الحرّية والسيادة والأمان. وبعد ثلاث سنوات، تسيطر إسرائيل على المساحة الأكبر من القطاع، ويعيش مئات آلاف النازحين في الخيام والأماكن الموَقّتة. أمام هذه الحصيلة، تصبح المراجعة الجذرية واجبًا، وتغدو المكابرة إمعانًا في التنصّل من المسؤولية. وأيّ قيادة تزعم تمثيل مصالح شعبها مطالبة بأن تجيب: ماذا حقّقت له؟ وبأيّ ثمن؟
وتبلغ التفاهة ذروتها في تعبير "الملحمة البطولية"، حيث تمنح الحركة نفسها وسام البطولة على قرار دفع المجتمع ثمنه من دمائه وبيوته، ثم تطالبه بالتصفيق فوق الركام. تصبح الأم التي تبحث عن جثمان ابنها، والطفل الجائع، والعائلة المشرّدة، مجرّد تفصيل صغير بالنسبة إلى بيان دنيء يتغذّى على مأساتهم ويسمّيها مجدًا. وحتى تفاخر "حماس" بتحطيم صورة "الجيش الذي لا يُقهر" يبقى أسير لحظة الاختراق، في حين تفضح كارثة اليوم التالي الهوّة بين القدرة على شنّ الهجوم والقدرة على حماية الناس.
وفي الضفة الغربية والقدس، تتواصل دوّامة الهدم والمداهمات؛ تفجير منزل في بدّو وإزالة نصب تذكارية في نابلس وجنين يوسّعان مشهد العنف الذي يرافق الذكرى. أمّا غزة، فتستقبل قتلى جددًا، رغم وقف النار، فيما تؤكد "حماس" حرصها على إنجاحه وتطالب الوسطاء بإلزام إسرائيل بتعهّداتها.
في النهاية، يحتاج أهالي غزة إلى تثبيت الهدنة، ونزع السلاح، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، والإعمار، ومستقبل يمكن العيش فيه، في وقت تُبقي فيه الحركة قرارها فوق المساءلة. وبين حاجة الناس ومكابرة "حماس"، تُستخدم كلمات المجد والتاريخ والبطولة لحماية قيادة ديماغوجية من حصيلة خياراتها الانتحارية.