خلال ثمانية أعوام وشهر وخمسة أيام أمضاها في المعتقلات السورية حفظ الدكتور جوزاف هلّيط تفاصيل كل معتقل أقام فيه. عندما نقلوه إلى المزّة كان كأنّه ينتقل إلى معتقل خمسة نجوم مقارنة مع السجن الإنفرادي المظلم الذي أمضى فيه 1600 يوم. هناك التقى معتقلين لبنانيين كثيرين كانوا يعيشون معًا في مهاجع مفتوحة على حياة جديدة منظّمة داخل السجن. كونه طبيبًا أعطاه ميزة على الآخرين حيث صار بطبيعة الحال طبيب السجن الذي يحتاج إليه كل المعتقلين وحتى السجّانين. أكثر التهم الجاهزة كانت الانتماء إلى "القوات اللبنانية" أو الحركات الأصولية الإسلامية. أيام سجن المزة يرويها الدكتور هلّيط في هذه الحلقة الثالثة مع "نداء السنين".
في اللقاء مع أخواتك في السجن سألت عن أمّك.
أكيد. سألت إذا بعدها طيبة. وهنّي ما كانوا مخبرينها ولا عرفت إنّي كنت بالحبس.
ماذا كانوا يقولون لها؟
عندما اعتُقِلت كنت حصلت على قبول في إحدى جامعات أميركا لأكمل اختصاصي هناك. وكل العائلة كانت تعرف ذلك وأنّني كنت أجهّز نفسي للسفر. قالوا لها إنني سافرت فجأة وصاروا يرسلون لها مكاتيب.
لمدة 8 سنين؟
8 سنين وشهر وخمسة أيام. لا تنسَ الشهر والخمسة أيام.
ماذا حصل معك بعد نقلك إلى المزة؟
في المرحلة الأولى بقيت 15 يومًا في فرع التحقيق. وضعونا في غرف في الجماعي. كل غرفة 6×5 أمتار فيها 285 واحد. كانت الإقامة ساعتين نايم ساعتين واقف ساعتين مقرفص. أنت يحكون عنّك أنّك مفقود وأنت غير معروف. الذين كانوا معتقلين كانوا يشتغلون في زحلة وكانوا عرفوا من أهلي أنّني موقوف.
أي شباب؟
شباب سوريون كانوا مساجين وكانوا يشتغلون في زحلة ويعرفون قصتي. استغربوا وجودي. بعدك طيب؟ فكروك متت. قطعنا الـ15 يومًا ورحنا على المزّة. بالمزّة الشباب قاعدين مرتاحين. دخلت إلى مهجع فيه شباب لبنانيون.
عالم آخر في المزّة؟
180 درجة.
ليس كما يحكى عن تاريخ المزّة؟
عند الدخول هناك استقبال. فلقة. تستعيد ذكريات البدايات. جينا من فرع التحقيق أربعة أشخاص: لبنانيان وسوريان. أحدهما مدير عام مؤسسة كان مخالفًا وعليه حكم ستة أشهر. أول واحد نزّلوه. نيّمونا كلّنا على الأرض وبدأوا الخبيط. إرفع رجليك. ترفع. أتى العسكري أو المساعد. حدا يكبسلي على رجلي تنزل. إرجع إرفعها. لبطني. برمت وجهي لعنده. ممنوع تتطلّع فيه. قمت. ما فلقوني. اللبناني كان عمره ستين عامًا تقريبًا.
هل تعرف اسمه؟
توفّي لاحقًا. كان من بعلبك. المدير العام السوري أكل قتل. أنا قوّموني ما بعرف ليش. كوني طبيب؟ ما بعرف. ربّي نجّاني. شو عرّفني. قطعنا. فتنا عالمزّة. بتفوت عالمهجع غير عالم. الشباب كلهم حاطين parfum قاعدين مرتّبين. زيارات مريحة. كلّ شي مرتّب منظّم. ما في مشكل. شو بدّك؟ قلت لهم: فنجان قهوة.
كيف تعرّفوا إليك. ماذا قلت لهم؟
بس تفوت لبناني بتنسى كل الدني، بس تفوت بين المجموعة. كل العالم 6 و6 مكرّر. موجودين بقسمين مقسّمين حالهم الشباب وكل واحد عايش هو وربعه.
مجموعات قوات؟ توحيد؟
تقسيم 6 و6 مكرر ومناطق.
الحدود التي كانت موجودة بين المعتقلين في لبنان لم تعد موجودة هناك؟
مش موجودة. وكانت مجموعة أكثر في صيدنايا حيث كانت الغرف أصغر والعدد أقلّ. كنّا 33 إلى 35 واحدًا. المهجع كان يصل العدد فيه سابقًا إلى 200.
كم كانت مساحة المهجع؟ كم طابقا كان السجن وكل مهجع كان يمكن أن يزور المهجع الآخر؟
فوق الأرض كان يوجد طابقان فيهما إفرادي وجماعي.
كان يوجد تحت الأرض؟
في تحت الأرض ولكن ما كنّا نعرف عنهم شي.
مهاجع؟
لا غرف منفردة. Cellules. ما حدا بيعرف عنهم شي.
لم ينزلوكم ولا مرة تحت الأرض؟
أبدًا. المهاجع كانت اسطبلات للخيل فيها معالف ملتوية ومقسّمة كلّها. كل واحد يأخذ مساحة عل حجمه. أوّل ما وصلت كنت أنام في الكوريدور. لم يكن هناك أمكنة. عندما خرج أحد المعتقلين أخذت مكانه.
كل واحد يصير عنده بيته في المهجع؟
نعم. محلّك. خزنتك فوقك. عدّتك. أغراضك.
ماذا تغيّر في المزّة؟ صار بإمكانك أن تقرأ جريدة؟
تقرأ جريدة وتطلب الأكل الذي تريده.
من كان يحضر الجرائد؟
هم. الدولة.
كل يوم؟
نعم.
أنتم تشترونها؟
ندفع ثمنها وهم يحضرونها. كنّا نشتري كل الصحف اللبنانية ومجبرين بالصحف السورية. نشتريهم وتمرّ الصحف على الجميع. آخر شي تصير عندي. كنت أقرأها من أول نقطة لآخر نقطة.
استطعتم سماع إذاعات؟
كان هناك راديو في المزّة. كان مسموحًا. في صيدنايا لم يكن مسموحًا. الشرطة العسكرية كانت مسؤولة عن إدارة السجن. هناك ممنوع هنا مسموح.
كنتم تعدّون الطعام داخل السجن؟
نعم. عندك غاز.
كل واحد عنده غاز؟
نعم.
اشتريتم؟
تشتري الغاز وترسله للتعبئة. بتعيش عادي ما في مشكلة. كان في واحد "شيف" مطبخ كان يطبخ لنا.
ماذا كنتم تطبخون؟
كل شيء.
كان عندكم برّاد؟
لم يكن هناك داع للبرّاد لأن الاستهلاك كان يوميًا. الأكل الذي كانوا يُحضرونه لنا كنّا مجبرين أن نأخذه ولكن كنّا نرميه.
كان أيضا 6 أشهر رز 6 أشهر برغل؟
كان أسوأ. لأن كان جماعي وعجقة. التفاصيل سيّئة وغير مستحبّة. مرة كان هناك كباية بلاستيك في جورة الحمام في اليوم التالي كانوا يضعون لنا الطعام فيها.
كان هناك زيارات للجميع في المزّة؟
نعم. أهلي أتوا لعندي مرّتين في المزة.
كنتم تطلبون من الأهل إحضار أغراض لكم؟
شو بدهم يجيبوا؟ كانوا يأتون كل ثلاثة أشهر أو ستة أشهر مرّة. زاروني مرتين في المزّة ومرّتين في صيدنايا ثم قطعوا الزيارات. كنّا نطلب مصاري. بتحطّ مصاري قدّ ما فيك.
كانوا يحتفظون لكم بالمال؟
ما كان عندك مشكل. كلما أخذت مصاري كلما عشت مرفّهًا أكثر.
تدفعون لهم؟
إجباري. بشكل طبيعي. بعد الظهر كنّا نطلب منهم أن يحضروا لنا بوظة في المزّة. تأكل وتطعم غيرك.
في المزّة صرت في حالة انتظار. قاعد ناطر؟
ناطر. خمس سنين. سبع سنين ونص. عشر سنين. هم استغلّوا الوضع ولا أعرف إذا أنا استغلّيت الوضع كوني طبيب. طبيب السجن وزّع دواء وآخذ دواء.
عملتم صيدلية داخل السجن؟
كنّا نحن نشتري الأدوية. نقول لهم نريد هذا الدواء. ما كان عندي معلومات عن أسماء الأدوية السورية. رجعت تعلمت أي أدوية عندهم وماذا يمكننا أن نطلب منها.
مات معكم ناس في السجن؟
في صيدنايا نعم. في المزّة لم يمت أحد.
إذا مرض سجين كانوا يأخذونه إلى المستشفى؟
في المزّة أسرع من صيدنايا.
كانت تحصل حركة بين السجناء؟ سجناء يذهبون ويأتي غيرهم؟ أتى لعندكم مساجين من سجن تدمر مثلا؟
في صيدنايا.
لم يأتِ إلى المزة؟
كلا. في المزة كنا لبنانيين. 3 مهاجع للبنانيين. بالـ98 تفضّى 2 بقي واحد. نقلونا بعد المزة إلى صيدنايا. بالـ98 صار إطلاق سراح 121 واحدًا. جمعونا من صيدنايا وتدمر وسجن عدرا المدني. اجتمعنا كلّنا في صيدنايا. قعدنا بحدود السنتين وصلنا لرقم 56. آخر فترة طلعنا من صيدنايا 43 واحد ولكن رجعنا وصلنا إلى لبنان 56. كيف وليش ومين؟
من أين أتى الآخرون؟
من بقية الفروع. عدد المحافظات 14 وكل محافظة فيها فرع و17 نوع أمن. كل أنواع الأمن. السياسي. العسكري. الجوي... وكل قسم له سجن في الفروع غير السجن المركزي والفرعي وغير السجون. تجمّعنا وصلنا على لبنان 56. 54 أول دفعة وتاني يوم 2.
في المزّة صار عندكم أمل أكثر بأن يطلقوا سراحكم؟
عندما أطلقوا الدفعة الأولى من المزة عام 1998 قالوا لنا أنتم ستكونون الدفعة الثانية.
كيف فرزوا المعتقلين بين الدفعة الأولى والدفعة الثانية؟
السؤال الأول بدّك تعرف كيف اعتقلوا العالم لتعرف كيف فرزوهم. عشوائية. ما نقرأه اليوم عن طريقة التوقيف مخيف والمحاسبة والمحاكمة. مش هيّنة طريقة تفكيرهم وعنجهيتم والأنظمة والعقوبات. شو بدّهم؟ السجن إصلاح وتغيير. كانوا يعتقلون العالم ليش؟ ماذا فعلوا؟ أعدمتَهم؟ لماذا؟ شو صار؟
أعدموا أحدا معكم في المزّة؟
عندما كنت لا. قبلي أعدموا. داني منصوراتي كان بين الشباب سحبوه وما عاد رجع.
داني لبناني وخطف من لبنان؟
معه جنسية سورية. أخذوه من لبنان وانتماؤه "قوات".
أكثر تهمة كانت الانتماء إلى "القوات"؟
كل مسيحي "قوات" وكل مسلم "توحيد". وكان هناك الكثير من الشيعة أيضًا.
كان معكم معتقلين من عملية 13 تشرين؟
لا. ما كان معنا أحد. كان معنا من أنصار الجيش في المزّة.
في المزّة كنتم تختلطون بين المهاجع؟
لا. لا.
كنتم تخرجون إلى التمشاية؟
نعم كان هناك تمشاية في الساحة وكل يوم نصف ساعة. كان يوجد شباك ننظر منه إلى الخارج. تأكل عندما تريد. الوضع مختلف وتنظم حياتك على هذا الأساس.
لقراءة الجزء الأول من الحوار
لقراءة الجزء الثاني من الحوار
يتبع الثلثاء 13 تشرين الأول 2026
من صيدنايا إلى وزارة الدفاع: وطّي راسك
أبو هيثم الاشتراكي كان معنا وأخذوه على جنب
سألني المحقّق ماذا ستفعل؟ قلت له: سأقاوم