آلامٌ كانسكاب المطر الغزير، انسكبت من غيوم البشريّة الملبّدة إلى فسحة الصفحات، بين أنوار الحياة وظلام المصائر، وجرت أنهارًا من المآسي في قصص كتاب "رصاصة ساقطة" لهيام التّوم، مزبدةً باستسلام مرير لمسيرة الحياة المتقلّبة. فلا المعالجة الفيزيائيّة، بطلة الرواية أمل القاعي، اختارت توقيت انسكابها، ولا تلك الآلام اختارت أصحابها أو سرعة الوصول إليهم... هكذا هي الحياة: قصّة وقصّة وقصّة... فكلّ واحدٍ منّا قطرة من قطرات ذلك السيل العظيم، نتيجة شؤبوب الآلام.
عندما يكون سيل الألم عظيمًا، لا تستطيع أن تتململ أو تتمرّد أو تختار لحظة السقوط إلى هاوية سقطتَ فيها منذ الولادة ولم تدرِ... فأمل القاعي تحقّقت من حقيقة الدرب التي اندفعت فيها، ولم تشقّ لنفسها دربًا أخرى. فكيف كان ذلك الملاك الصغير البائس في أعماقها مهزومًا دائمًا، ولم يحقّق وجوده إلّا من خلالها، عبر آلام الآخرين؟ فكان يسأل ويفهم ويفكّر ويختار ويقرّر. ولكن سلاسل آلام المصابين شدّته إلى الروح، فيما ظلّ رأسه مرفوعًا بين مصائب الحياة، متحدّيًا عجزه عن التحليق. فكيف تكون محاولات الانعتاق البائسة نشوةً من نشوات الألم؟
بطلة القصّة معالجة فيزيائيّة، يبدأ عملها بعد كلّ مصيبة تلِمّ بمريضها، وتبدأ بالتمزّق من الداخل مع بدء علاج كلّ مصاب. فترتسم ملايين الدهشات وصرخات الاحتجاج على شفاه روحها، كبقايا دمٍ متجمّدٍ لا تزول إلّا بشفاء مريضها. وتهرب من احتجاجات الملاك الصغير، الشاسع الطموح والمقهور في أعماقها، إلى عالم الألم وتفاصيل أعطال الجسد، وتفرّ من مصائبها إلى مآسي الآخرين، داعمةً حكمة فرارها. فتكمّم فم ذاك الملاك الساكن في دواخلها، وتعصب عينيه، لأنّه يوقظ في مخيّلتها وذاكرتها أشباحًا أصبحت حقيقةً على مسرح حياتها.
من تفجّرات الألم، ومن الطموح الإنسانيّ الكسيح، ومن توق المصابين إلى شفاء الروح قبل الجسد، تفرّعت القصص العديدة التي يجمعها الكتاب في قصّة واحدة. فلا يمكن للقارئ تقييم هذه القصص وفهمها إلّا بإلقاء نظرة سريعة على أسبابها، ليرى الجديد في أغوار النفس البشريّة، ويدرك كم تشبه هذه الأسباب مشاكلنا! فقد استطاعت هيام التّوم أن تكشف الجديد القديم، وأن تسلّط الضوء عليه بواسطة بطلة الرواية.
الكتاب ممتع إذا كنت من عشّاق الروايات الدراميّة والقصص ذات السياق المشوّق والمدلول الإنساني العميق في الوقت نفسه. وانسجامًا مع عنوانه، ضمّ الكتاب قصصًا عديدة تناولت عالم الألم. أبطالها ضحايا مصائب الحياة، بشر حقيقيّون يملأوننا بالحزن والهلع في آنٍ واحد، لأنّ هيام، عبرهم، نبشت أعماقنا، وكشفت لنا أنّ كلّ واحدٍ منّا ضحيّة محتملة تنتظر مصيبتها ومصيرها، وقد تستدعيهما إليها بضعفها، ويمكن أن تجذبهما كما يجذب المغناطيس غلاف رصاصة بعد إطلاقها، كالتي أدّت إلى شلل والد بطلة الرواية أمل القاعي.
بين أنسنة الواقع ورفضه يكمن جدل الحياة بأجندته القاتلة، التي تسفك دماء البشريّة وتجعلها تنتظر الموت على قارعة الأيّام. وقد أطلقت هيام التّوم على هذه الأجندة لقب "المصيبة"، قائلةً: "أنا المصيبة توأم الحياة، قد يلعنونني، ويكرهون وجودي، لكنّهم عاجزون عن اختبار الحياة من دوني..." (صفحة 9).
القراءة في الكتب متعة أشبه بحبل السرّة الذي يمدّ الجنين بغذاء الحياة. فمن أين يأتي التمنّي بأن نكون أميّين عندما نقرأ المجتمع بمصائبه وآلامه؟ تقول الكاتبة: "عشت حيوات كثيرة بفضل العلاج، وبفضل الروايات، فكنت أجيد قراءة الحروف والأجساد، وها أنا اليوم أقول، مغبوط من بقي أميًّا لا يفك الحرف، واكتفى بحياة واحدة سطحيّة لا تتعدّى حدود الوجود الماديّ، وتلبية الحاجات الأساسيّة، ذلك الذي يستطيع المرور من دون أن يشغّل آلة الفكر العميق" (صفحة 18). فهيام التّوم عاشت الحبّ، وقرأت الفرح والمصائب والألم والفقد والرحيل، بقصّتها التي فاقت في مضمونها جميع مآسي أشخاص الرواية، وكانت هذه هي العبرة. وهنا تحضرنا آية رقم 18 من الكتاب المقدّس، من الإصحاح الأوّل من سفر الجامعة، على لسان سليمان الحكيم: "أَنَّ فِي كَثْرَةِ الْحِكْمَةِ كَثْرَةُ الْغَمِّ، وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا"
المرأة جبّارة بطبعها، إذ يتعلّق الأمر بعائلتها، فكيف تتحوّل قطنًا مشبعًا بدموع المعذّبين والمكلومين، يمسح آلام البشريّة ويشفي معظم أمراضها؟ تقول الكاتبة: "فعلًا، كان هذا حالي بالتحديد، امرأة متعبة من طبيعتها وماهيّتها، تتمنّى لو أنّها كانت من قطن، لكان العالم حاذر اتّكاءه عليها" (صفحة 129).
أسئلة كثيرة تراود القارئ، بخاصّة إذا كان طبيبًا أو ممرّضًا أو معالجًا فيزيائيًّا، عند قراءته رواية "رصاصة ساقطة". منها: هل اختار المرضى أمل القاعي لعلاجهم، أم أنّها هي التي اختارتهم، أم أنّ قدرهم هو التعارف واندماج أرواحهم؟ وهل هناك فرق بين أن نختار مهنةً أو رسالةً قبل أن نختار مريضًا نعالجه؟ وما مدى صدق العلاقات القائمة في الوجود بين المصابين والطقم الطبيّ؟
في يقيني أنّ هيام التّوم أجابت عن هذه الأسئلة كلّها من دون أن تقول يراعتها شيئًا... إنّ نصوصها الحزينة، كأفق غامض، بعثت من أعماقه صرخات مكبوتة؛ قالت كلّ شيء، ولخّصت مأساة الوجود في كلمة حزينة دامعة: مأساة الإنسان وآلامه.