العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

من الحويك إلى شمعون: المشاركة تحفظ لبنان والفدرالية تحمي وحدته

4 دقائق للقراءة

عندما نعود إلى النقاش الذي رافق ولادة الدولة اللبنانية وصياغة دستورها في عشرينيات القرن الماضي، نكتشف أن كثيرًا من الأسئلة التي نطرحها اليوم ليست جديدة. فقد واجه لبنان، منذ تأسيسه، سؤالا أساسيًا: كيف يمكن لمجتمعات متعدّدة دينيًا وطائفيًا أن تعيش في دولة واحدة، من دون أن تتحوّل الدولة إلى أداة لسيطرة جماعة على أخرى؟

وقبل قراءة موقف البطريرك الياس الحويك من التمثيل والطائفية، لا بدّ من وضع فكره في سياقه التاريخي. فكما يوضح الأب داني درغم، لا يمكن فصل فكر الحويك عن التجربة المارونية الطويلة، حيث شكّلت الحرية، والبحث عن مساحة تحميها، جزءًا أساسيًا من الوعي الماروني. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، رأى الحويك في قيام لبنان الكبير فرصة لبناء وطن قادر على صون هذه الحرية.


الحويك: التمثيل والمشاركة لا حكم الأكثرية

سنركّز في مراجعتنا لمواقف الحويك على استبيان لجنة النظام الأساسي سنة 1926، ولا سيما على إجابات البطريرك ومجموعة من المطارنة عن السؤالين السادس والثاني عشر.

وكما يقول الأب درغم، تكتسب هذه المواقف أهمية خاصة لأنها تعكس تصوّرًا سياسيًا يقوم على ضرورة تحقيق التوازن بين الطوائف داخل الدولة، وتجنّب إخضاع أي جماعة لهيمنة جماعة أخرى، حتى في مرحلة كان فيها المسيحيون الأكثرية في لبنان.

ففي إجابته عن السؤال السادس المتعلّق بطبيعة التمثيل النيابي، أيّد الحويك مبدأ التمثيل الطائفي، منطلقًا من تصوّر للبنان بوصفه "مجتمعًا يتكوّن من طوائف متعددة، لا تختلف في معتقداتها الدينية فحسب، بل أيضًا في تقاليدها وعاداتها ورؤاها الاجتماعية".

أما في إجابته عن السؤال الثاني عشر المتعلّق بوظائف الدولة، فميّز البطريرك بين مبدأ الكفاءة من جهة، والواقع السياسي والاجتماعي للبنان من جهة أخرى. فالأصل، في نظره، أن تُسند "الوظائف العامة إلى أصحاب الأهلية والكفاءة، غير أن التوازنات الاجتماعية والسياسية القائمة تجعل من الصعب تجاهل البعد الطائفي".

ومن هنا تبرز أهمية موقف الحويك: فهو لم يتعامل مع التعدّد الطائفي بوصفه بعدًا يمكن تجاهله، بل بوصفه واقعًا اجتماعيًا وسياسيًا يحتاج إلى تنظيم دستوري يحفظ المشاركة ويمنع الهيمنة.


من المشاركة في السلطة إلى توزيع السلطة

لكن التجربة اللبنانية طرحت، مع مرور الزمن، سؤالا يتجاوز التمثيل النيابي وتوزيع الوظائف العامة. فانتقل السؤال تدريجيًا إلى كيفية حماية هذه الشراكة ضمن حدود لبنان الكبير. وهنا يمكن قراءة الانتقال من الحويك إلى كميل شمعون باعتباره تطوّرًا في معالجة الإشكالية نفسها: من التركيز على "المشاركة في السلطة" إلى البحث في "توزيع السلطة" بين المركز والمكوّنات الأربعة.

وفي هذا السياق، برزت الفدرالية بوصفها أحد الأجوبة المطروحة للتوفيق بين مطلبين متلازمين: الحفاظ على وحدة لبنان من جهة، ومنح مكوّناته قدرة أوسع على إدارة شؤونها من جهة أخرى.

وقد عبّر الرئيس كميل شمعون عن هذا التصوّر بوضوح في موقف مؤرّخ في 24 تشرين الثاني 1978، فقال: "في حديثي إلى الصحافة عن مستقبل لبنان، أعلنتُ بصوت عالٍ ما يفكّر فيه اللبنانيون بصمت... نحن نرفض العودة إلى نظام عام 1943. ولا يمكن أن يضمن وحدة البلاد سوى نظام فدرالي يأخذ في الاعتبار التعدّدية التي يتميّز بها المجتمع اللبناني. والبديل عن ذلك لن يكون سوى التقسيم… إن النظام الفيدرالي ليس ضد وحدة لبنان، بل هو العلاج الضروري للحفاظ على هذه الوحدة المهدَّدة بأسباب عديدة من الخلافات الطائفية والسياسية والثقافية والاجتماعية".


هل تكفي المشاركة أم نحتاج إلى إعادة توزيع السلطة؟

بهذا المعنى، وبعد قرن تقريبًا على قيام لبنان الكبير، وفيما نحي مئوية الدستور اللبناني، يبقى السؤال الذي رافق نشوء الدولة قائمًا: كيف يمكن الحفاظ على وحدة لبنان، وفي الوقت نفسه ضمان شراكة حقيقية بين مكوّناته ومنع هيمنة أي جماعة على أخرى؟ وبعد مئة عام من التجربة، يصبح من المشروع أن نطرح سؤالا أكثر جرأة: إلى متى نستمرّ في محاولة إصلاح النظام المركزي نفسه وإعادة إنتاجه، فيما أظهرت التجربة المتكرّرة حدود قدرته على إدارة التعدّدية اللبنانية وحماية الشراكة بين مكوّنات الوطن؟ لعلّ مئوية الدستور يجب ألّا تكون مجرّد مناسبة للاحتفال، بل فرصة للانتقال إلى نظام اتحادي كخيار يحمي وحدة لبنان الكبير.


نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار

الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ