هل كانت متفجرات ضهر البيدر معدّة لعملية أمنية داخلية؟ تضع المعلومات التي نشرتها «نداء الوطن» عن مواد شديدة الانفجار وكرات معدنية وقوالب لحشوات موجّهة هذا الاحتمال أمام التحقيق. فالعناصر المعدّة للتشظّي تزيد خطر الإصابة بالأشخاص، وتحديد وجهة استخدامها يتطلّب ربط الفحص الفني بمصدر الشحنة والأوامر المتعلقة بنقلها. عنوان «المقاومة» لا يجيب عن هذه الوقائع، ولا يمنح أصحابها إعفاءً من المحاسبة.
القضية تبدأ قبل الحاجز. فالمتفجرات احتاجت إلى تجهيز وتخزين ونقل، وإلى أشخاص يتولّون تحريكها وتسليمها. وكل حلقة من هذه الحلقات تقع ضمن نطاق عمل الدولة وأجهزتها. لذلك، فإن ضبط الحمولة يفتح ملف الشبكة التي تقف وراءها، ويضع قدرة المؤسسات على مراقبة حركة السلاح على الطرق أمام اختبار عملي. السيادة تُقاس بمنع تكرار الخطر، والوصول إلى من يصنعه ويموّله ويوجّهه.
ومن هنا، يصبح اختصار الملف بسيارة وموقوفين ومضبوطات تفريغًا لخطورته. المطلوب تتبّع المسار كاملًا، من مصدر المواد إلى الجهة التي كانت تنتظرها، وكشف أي تسهيلات أو حماية استفادت منها. فالشبكة التي تخسر حمولة وتحتفظ بمصادرها وتمويلها وحرية حركتها تستطيع تعويض الخسارة. أما الدولة التي تكتفي بالمصادرة، فتترك شروط تكرار العملية قائمة.
وقد نقلت وكالة فرانس برس عن مصدر قضائي أن أحد الموقوفين نجل مسؤول في حزب الله. هذه المعلومة تضع المساواة أمام القانون في صلب الامتحان: يجب أن تسير الملاحقة وفق الأدلة، وأن تبلغ كل من تثبت صلته، مهما كان موقعه. لا مكان لحصانة عائلية أو حزبية، ولا لسقف سياسي يوقف التحقيق عند ناقلي الشحنة ويحجب أصحاب القرار.
وعلى الدولة أيضًا توضيح ظروف الضبط وما أعقبه، والتحقق من حصول أي تدخل لإطلاق الموقوفين أو استرداد المضبوطات. فسرية التحقيق تحمي جمع الأدلة ومتابعة المشتبه بهم، ولا يجوز استخدامها غطاءً لتسويات جانبية. وصون صدقية الأجهزة يبدأ بإظهار أنها تعمل تحت سلطة القضاء، وأن مصير الملف تحدده الوقائع، لا الاتصالات والوساطات.
وأي محاولة مثبتة لاسترجاع المتفجرات بالضغط يجب أن تصبح بدورها موضوع تحقيق وملاحقة. فالمضبوطات أدلة في عهدة العدالة، وليست ممتلكات يتفاوض تنظيم على استعادتها بنفوذه. والرضوخ لمثل هذا الضغط سيوجّه إلى الأجهزة رسالة خطيرة: يمكنها توقيف الحمولة، فيما يبقى القرار في مصيرها لمن أرسلها. عندئذ تُضعف الدولة معنويات من أدّوا واجبهم، وتشجّع من يحاول تجاوزهم.
أعلن وزير العدل عادل نصار أن التحقيق في المتفجرات المضبوطة وكل ما يتفرع عنه سيُستكمل حتى النهاية. المطلوب ترجمة هذا التعهد إلى التزام حكومي يحمي القضاء والأجهزة، ويمنع استنزاف الملف بالإحالات والتأجيلات. النهاية تعني كشف أصحاب القرار وملاحقة المتورطين وتفكيك الشبكة. أما مرور الوقت من دون إجراءات تتناسب مع الأدلة، فيحوّل التحقيق إلى انتظار مفتوح، ويمنح أصحاب النفوذ فرصة امتصاص الضجة والإبقاء على قدرتهم على العمل.
ولا يجوز تقييد هذا المسار بذريعة الخوف على السلم الأهلي. فالاستقرار يحتاج إلى قانون يطبّق على الجميع وأجهزة محمية من التدخل. وإذا اقترنت الدعوة إلى التهدئة بطلب تعطيل الملاحقة أو استثناء المرتبطين بجهة نافذة، فإنها تصبح حمايةً للإفلات من المحاسبة. واجب السلطة أن ترفض مثل هذا الضغط، وأن تؤمّن للقضاء القدرة على أداء مهمته.
وحتى لو انتهى التحقيق إلى أن الشحنة كانت معدّة للاستخدام ضد إسرائيل، يبقى السؤال السيادي قائمًا. فتجهيز العمليات ونقل موادها خارج سلطة الدولة يناقضان حصرية السلاح والقرار العسكري. لا تستطيع الحكومة إعلان هذه الحصرية سياسة رسمية، ثم التعامل مع حركة السلاح كواقع يتعذر تغييره. نقص المعلومات يفرض معالجة أمنية؛ وتقييد التحرّك رغم توافرها يضع السلطة السياسية أمام واجب تفسير هذا القيد وإزالته.
ضهر البيدر امتحان لما قبل الحاجز وما بعده: كشف حركة المتفجرات، ثم محاسبة من يقف وراءها. فهل يصل التحقيق هذه المرة إلى أصحاب القرار؟ الجواب سيكون في الإجراءات والنتائج. المطلوب أن تتوقف الشبكة، لا أن يتوقف التحقيق.