كان فيليمون وهبي يقول إن "الحكومة مهضومة"، لكنني أعتقد أنّها "رومانسية وعاشقة" أيضًا.
وبالفعل، تعيش سلطتنا حالةً من العشق الرومانسي السياسي، تحلم بما يجب أن تفعله، وتتمنّى ما يُفترض أن تنجزه، وتعشق قراراتها، وتؤجّل التنفيذ بانتظار ظروف ملاءمة، تمامًا كما حلم المغنّي الأميركي جيم كروتشي، في أغنيته "Time in a Bottle"، بأن يحفظ الزمن داخل زجاجة، وأن يُودِعَ أحلامه في صندوق للأحلام.
في أغنيته، يرسم كروتشي صورة رومانسية لإنسان يتمنّى لو استطاع أن يحفظ الزمن داخل زجاجة، ليقضيه مع من يحبّ. ثم ينتقل إلى صورة صندوق الأمنيات، ذلك الصندوق الخيالي الذي نودع فيه أحلامنا، على أمل أن يأتي يوم نستطيع فيه تحقيقها.
وهنا تتجلّى رومانسية السلطة. فما يبدو جميلا ومؤثّرًا في أغنية رومانسية، يتحوّل إلى إشكالية سياسية عندما تصبح زجاجة الحكومة وسيلةً لمحاولة تجميد الزمن، وصندوق أمنياتها مكانًا تحفظ فيه وعودها وقراراتها المؤجلة.
وبالفعل، تحاول السلطة أن تحفظ الزمن في زجاجة، بانتظار أن تتبدّل موازين القوى، وكأنّ الزمن يمكن تجميده إلى أن تصبح الظروف ملائمة. أما صندوق أمنياتها، فتودع فيه السلطة كلّ ما تعد بتحقيقه: سيادة، حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، حدود مضبوطة، دولة تحمي مواطنيها، حَوْكَمة شفّافة وخدمات، وَالْأُمْنِيَة الأكثر رومانسية أن تستفيق من سباتها العميق على معجزة يقرر فيها محور إيران- حزب الله- أمل، طوعًا، التخلّي عن سلاحه، وعن "الشفاطة" التي يستخدمها "لشفط" موارد الدولة وتسخير مؤسساتها لخدمة مصالحه السياسية والمالية.
وبدلا من أن تتحوّل هذه الأهداف إلى خطط، تبقى محفوظة في صندوق الأمنيات، بانتظار أن يقرّر الآخرون تحقيق ما يُفترض بالدولة أن تحققه. وهكذا يكتمل المشهد الرومانسي: الزمن في زجاجة، والسيادة في صندوق الأمنيات، والسلطة في الانتظار.
لكن المشكلة أن السلطة ليست شاعرًا يكتب عن أحلامه، ولا عاشقًا ينتظر لقاء حبيبته. إنها سلطة دستورية أُنشئت لاتخاذ القرارات وتنفيذها، لا للاكتفاء بالأحلام. فالدولة لا تستعيد سيادتها بإعلان التمسّك بها، ولا تحتكر السلاح بتكرار وجوب الالتزام بحصريته، ولا تستعيد قرار الحرب والسلم بإصدار البيانات. أما الانتظار، فليس استراتيجية. والتردّد ليس حكمة. والحذر الذي يشلّ القرار يصبح مع الوقت شكلًا من أشكال التخلّي عن المسؤولية.
والأخطر أن الزمن الذي تعتقد السلطة أنها تحفظه، يستخدمه المحور لتعزيز موقعه، وإعادة بناء قدراته، وفرض وقائع جديدة على الأرض. فالزمن ليس محايدًا، وما لا تنجزه الدولة اليوم قد يصبح أصعب، وربما مستحيلا، غدًا. وها هي متفجّرات ضهر البيدر، التي قد لا تكون سوى رأس جبل الجليد، تكشف مجدّدًا حجم إخفاق السلطة، وتطرح تساؤلات جدّية حول قدرتها ونواياها.
وهنا تكمن المفارقة: فالسلطة تنتظر الظروف المناسبة لفرض سيادتها، فيما يؤدّي تقاعسها إلى إضعاف قدرتها على فرض تلك السيادة، ويجعل تحقيقها أكثر صعوبة مع مرور الوقت. إنها حلقة مفرغة: ننتظر الدولة القوية كي نتخذ القرار، ونتجنّب اتخاذ القرار لأن الدولة ليست قوية. لكن الدولة لا تصبح قوية بالانتظار. إنها تبني قوتها بممارسة سلطتها، وتراكم الإنجازات، واستعادة ثقة مواطنيها.
وربما، قريبًا، تفتح السلطة الزجاجة وصندوق الأمنيات، فتكتشف أن الزمن قد تبخّر، وأن الفرص قد ولّت. وها هي قضية ضهر البيدر تدقّ ناقوس الخطر، وتذكّرنا بأننا، سلطةً وشعبًا، قد نصبح أشبه بالضفدع في الماء الذي ترتفع حرارته تدريجيًا؛ نتكيّف مع الخطر بدلًا من مواجهته، بفعل تردّد السلطة وتقاعسها، إلى أن نبلغ جميعًا نقطة اللاعودة.
ومع ذلك، يبقى الأمل. ليس في السلطة، بل في أن ندرك نحن، الشعب، قبل فوات الأوان، أنّ الزمن لا يُحفظ في الزجاجات، وأنّ السيادة لا تُصان في صناديق الأحلام.
لقد حان الوقت لنكسر الزجاجة، ونحطّم صندوق أمنيات السلطة، وننتقل من تمنياتها إلى قوة شعبية فاعلة.
فلبنان لا يحتاج إلى سلطة تنفيذية تتقن وصف الدولة التي نحلم بها، بل إلى قوة وطنية مؤمنة بلبنان، تمتلك الإرادة والشجاعة والكفاءة لبناء الدولة الفدرالية التي نحتاج.
عندها فقط، لا يعود لبنان دولة تعيش على "ربما، ويوما ما، وغدًا، وإن شاء الله"، بل يصبح دولة تعرف أن السيادة لا تُحلم، بل تُمارَس، وأن السلطة لا تنتظر نضوج الزمن، بل تستخدم الزمن لصناعة المستقبل.
نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار
الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ