لا يبدو الجنوب اللبناني مقبلا على مرحلة انتقالية عادية مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل، بل على اختبار أمني وسياسي بالغ التعقيد. فالقوة الدولية تستعد لمغادرة مواقعها، فيما تواصل إسرائيل تثبيت حضورها العسكري في نقاط داخل الأراضي اللبنانية، وتجد الدولة نفسها أمام استحقاق تسلّم مسؤولية منطقة لم تُحسم بعد معادلتها الأمنية.
في هذا المشهد، لا يكمن السؤال في حصيلة تجربة اليونيفيل، بما لها وما عليها، بقدر ما يتعلق بما سيحدث بعد رحيلها. فكيف ستُدار الحدود في غياب القوة الدولية، فيما لا يزال الاحتلال الإسرائيلي قائمًا في نقاط عدة، وملف سلاح "حزب الله" ودوره العسكري بعيدًا من تسوية نهائية؟
على مدى عقود، شكّلت اليونيفيل جزءًا من آلية مراقبة الوضع على طول الخط الأزرق، وأتاحت قنوات اتصال ساهمت في احتواء بعض أشكال الاحتكاك بين الأطراف. لكنها لم تتمكن من منع الحروب أو إزالة أسباب النزاع. ومع انتهاء مهمتها، تبرز الحاجة إلى تحديد آلية بديلة تضمن استمرار مراقبة الوضع الميداني وتحدّ من مخاطر التصعيد.
غير أن التحدي لا يقتصر على إيجاد بديل للقوة الدولية. فإسرائيل لا تتصرف على أساس أن المواجهة انتهت، بل تسعى إلى الاحتفاظ بهامش عسكري وأمني داخل الجنوب، مستندة إلى حجة منع "حزب الله" من إعادة بناء قدراته قرب الحدود. ويثير استمرار وجودها في نقاط لبنانية، إلى جانب عملياتها الميدانية، مخاوف من تحوّل هذا الانتشار إلى واقع طويل الأمد، تُستخدم من خلاله الوقائع العسكرية لفرض شروط سياسية وأمنية على لبنان.
في المقابل، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام مسؤولية استعادة سيادتها وتعزيز حضورها في الجنوب، فيما يواجه الجيش اللبناني مهمة دقيقة تتجاوز الانتشار الميداني. فنجاحه في تولّي المسؤولية الأمنية يرتبط بوضوح الترتيبات السياسية، والتزام إسرائيل بالانسحاب، فضلا عن معالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة.
ومن هنا، فإن تسليم الجيش مسؤولية أكبر لا يكفي وحده لضمان الاستقرار. المطلوب اتفاق واضح يحدّد التزامات الأطراف، ويضع آلية لمراقبة تنفيذها، ويضمن انسحاب القوات الإسرائيلية، ويمنع استخدام الأراضي اللبنانية منصةً لعمليات عسكرية. كما يحتاج الجيش إلى دعم سياسي ودولي يتيح له أداء مهمته ضمن صلاحيات الدولة، من دون تحميله أعباء مواجهة لا تتناسب مع قدراته أو مع طبيعة دوره.
وتكتسب المفاوضات المتعلقة بمستقبل الجنوب أهمية استثنائية في هذا السياق. فالمسألة لا تتعلق بترتيب تقني لمرحلة ما بعد اليونيفيل، بل بتحديد شكل النظام الأمني الذي سيحكم المنطقة. هل ستُعتمد آلية دولية بديلة؟ وهل ستقبل إسرائيل بالانسحاب من النقاط التي تحتلها؟ وكيف ستُعالج مسألة سلاح "حزب الله" ضمن مسار يعيد قرار الحرب والسلم إلى المؤسسات الدستورية اللبنانية؟
لا تزال هذه الأسئلة مفتوحة، فيما تتقدم الوقائع الميدانية على الأرض. فالجنوب يقف عند تقاطع مصالح ومشاريع متعارضة: دولة تسعى إلى استعادة قرارها، وإسرائيل تتمسك باعتباراتها الأمنية، و"حزب الله" يحافظ على دوره العسكري. وأي ترتيبات تتجاهل أحد هذه الملفات ستبقى عرضة للاهتزاز، مهما بدا الانتشار الميداني منظمًا.
رحيل اليونيفيل لن ينهي الأزمة، بل سيكشف مدى قدرة الأطراف على إدارة الصراع من دون المظلة الدولية التي رافقت الجنوب لعقود. أما الاختبار الفعلي للبنان، فسيكون في تحويل هذا التحوّل إلى فرصة لاستعادة السيادة، لا إلى فراغ تستثمره إسرائيل لفرض وقائع جديدة، فيما يبقى الجنوب رهينة معادلة أمنية لم تُحسم بعد.