لا تشبه انتخابات الكنيست الإسرائيلي المزمع إجراؤها في 27 من الشهر الحالي أيًّا من سابقاتها. هي المنازلة الديموقراطية الأولى في الدولة العبرية بعد هجمات 7 أكتوبر التي غيّرت وجه المنطقة ولا تزال. في أعقاب هجمات "طوفان الأقصى"، أطلق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو العنان لآلته العسكرية المتفوّقة في المنطقة، بيد أن ذلك لم يحل دون تحميله وزر الإخفاق الأمني قبل ثلاث سنوات.
يخوض "بيبي" معركة مصيرية للبقاء على قيد الحياة السياسية، وهو الضيف شبه الدائم لدى المحاكم الإسرائيلية، حيث يمثل أمام القضاء بتهم فساد وتلقّي رشى. يخشى رئيس الحكومة اليمينية المتطرّفة، في حال إخفاقه في انتخابات الكنيست وخروجه من "جنة" الحكم، أن يكون تقاعده السياسي في غياهب السجون. لا يرنو "بيبي" إلى الاحتفاظ بكرسي رئاسة الحكومة فقط، بل يصبو إلى رسم خريطة لمشروعه السياسي تخوّله إعادة إنتاج ائتلاف متين يُبقيه "قرير العين" على رأس السلطة.
في المقابل، تجهد جبهات المعارضة لمضاعفة استفادتها من تراجع شعبية الحكومة من خلال مواصلة إطلاقها سهام الانتقادات لسياساتها، خصوصًا العسكرية منها. بيد أن "بيت القصيد"، بالنسبة إلى المعارضة، لا يكمن في إمطار حكومة نتنياهو بوابل الانتقادات فقط، بل في إيجاد تكتّل بديل ينجح في جمع قوى متباينة غالبًا، على برنامج مشترك، رغم خلافات هذه القوى على ملفات جوهرية عدّة، تبدأ بالأمن والدين ولا تنتهي باختلاف النظرة إلى مستقبل ما تبقّى من أراضٍ فلسطينية. تدرك المعارضة خير إدراك أن تقهقر الثقة بالحكومة الحالية لا يعني تحوّل ذلك فورًا إلى أصوات موحّدة تصبّ في خانة خصوم الحكومة، كما لا يشي الأمر باقتراب الاتفاق على رئيس حكومة بديل.
يبرز على رأس لائحة منافسي نتنياهو رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت. يجهد الرجل ليكون بديلًا موثوقًا لـ "بيبي"، وهو الخارج من رحم المؤسّسة الأمنية. يتكئ آيزنكوت على خبرة عسكرية طويلة في ظرف إقليمي تخوض فيه الدولة العبرية حروبًا ضارية على جبهات عدّة. يحاول رئيس الأركان السابق تظهير صورة السياسي الذي يجمع في آن بين انتقاد أداء الحكومة وإعطاء تطمينات أمنية للإسرائيليين، الذين هم في أمسّ الحاجة إليها بعد هجمات 7 أكتوبر.
يتموضع على ضفة معارِضة أخرى رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت الساعي إلى استعادة أصوات اليمين المعارض. يجهد بينيت لجذب ناخبين يتموضعون في اليمين، لكنّهم ناقمون على نتنياهو، ولا تبلغ بهم نقمتهم حدّ الانتقال إلى ضفة اليسار.
مرشّح بارز ثالث يتزعّم المعارضة هو يائير لابيد. ترأس أيضًا الحكومة الإسرائيلية، لكن لفترة وجيزة لم تتعدَّ الأشهر الثلاثة. يتمتّع لابيد بحضور سياسي وازن، بيد أن العقدة بالنسبة إليه تتمثّل في كيفية جمع قوى اليمين المعارض واليسار والوسط في قيادة واحدة.
يبقى أن نيل أحد المرشّحين غالبية من أصوات الناخبين لا يعني بالضرورة تمكّنه من تشكيل حكومة. يمكن لأحدهم أن ينال عددًا أقلّ من الأصوات، لكن ينجح في تشكيل تحالف عريض يوفّر له 61 نائبًا في الكنيست، وهو رقم يخوّله تشكيل حكومة. إلّا أن المراقبين لا يتوقّعون أن يكون مخاض تشكيل الحكومة العتيدة يسيرًا ومساره مفروشًا بالورود، بل مزنّرًا بألغام سياسية وعسكرية ستطيل ربّما أمد التشكيل، وتربطه بوتيرة الحروب التي تشنّها الدولة العبرية في أكثر من ميدان.