الحوثيون يتوعّدون بالتدمير... والرياض أمام امتحان الردّ

5 دقائق للقراءة
وزير الطاقة السعودي يتحدّث خلال "مؤتمر البترول العالمي" في الرياض أمس (رويترز)

تواجه السعودية اختبارًا ثقيلًا لقدرتها على حماية عمقها المدني والاقتصادي، بعدما رفع الحوثيون مستوى اعتداءاتهم إلى استهداف متكرّر للمطارات ومنشآت الطاقة. ويختصر وصف وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، خلال "مؤتمر البترول العالمي" في الرياض، الظروف الراهنة بأنها "اختبار حقيقي" حجم التحدّي أمام الرياض: حماية السكان، واستعادة انتظام المرافق الحيوية، ومنع الجماعة المدعومة من طهران من تحويل تعطيل الحياة اليومية إلى وسيلة لفرض شروطها. ومع إعلان المملكة استعدادها للردّ، تتّجه المواجهة نحو مرحلة تُقاس نتائجها بمدى تقليص قدرة الحوثيين على تكرار اعتداءاتهم.

تكشف تداعيات الهجمات على مطار الملك خالد في الرياض جانبًا أساسيًا من الحسابات الحوثية. فسقوط 18 قتيلًا في حرمه منذ السابع من الشهر الحالي وحتى الأمس، وتمديد تعليق عملياته، وإلغاء رحلات جوّية، يضاعف الضغوط الأمنية والاقتصادية على المملكة. ويتزامن ذلك مع بداية موسم نشط للعمرة والمؤتمرات والفعاليات، ما يمنح تعطيل حركة الطيران أثرًا يتجاوز موقع الاستهداف. كذلك، يضع ضرب منشآت "أرامكو" أمن الإمدادات في دائرة الخطر، ويمنح الحوثيين أداة للتأثير في الأسواق واستدراج اهتمام دولي عبر تهديد مصالح واسعة.

أمام هذا الواقع، يُرجّح أن تجمع الخطوات السعودية المقبلة بين تكثيف الضغط العسكري ومعالجة الثغرات التي كشفتها الهجمات وتوطيد التنسيق الدفاعي مع الحلفاء. وتكتسب دعوة مستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش إلى تعزيز منظومة الأمن الخليجي الجماعي أهمية عملية، بعدما أظهر التصعيد حجم الترابط بين أمن دول المنطقة. أما إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عزمه إحالة اتفاقية "حلف مكة الدفاعي" إلى البرلمان، فيُضيف مسارًا سياسيًا ودفاعيًا يستحقّ المتابعة. وتبقى المشاركة الأميركية المباشرة احتمالًا قيد الدرس، وفق تصريحات الرئيس دونالد ترامب، بعيدًا من اعتبارها قرارًا محسومًا.

في المقابل، يكشف خطاب القيادي الحوثي محمد البخيتي طبيعة "الضغط الإرهابي" الذي تُمارسه جماعة "أنصار الله". فهو هدّد، خلال مقابلة مع وكالة "فرانس برس"، واشنطن بردّ "سريع وموجع"، وتوعّد بتدمير البنى التحتية السعودية، ثم قدّم هذه العمليات باعتبارها دفاعًا عن اليمن. وتنهار صدقية هذا التبرير أمام صور المسافرين وضحايا المطارات، وأمام تحويل أرزاق المدنيين وسلامتهم إلى أدوات مساومة. كذلك، فإنّ تحذير العاملين من الاقتراب من المطارات والمنشآت النفطية السعودية يكشف الإصرار الحوثي على توسيع الهجمات، خصوصًا أن البخيتي رأى أن الأمور تتّجه في اتجاه "التصعيد الشامل".

ويؤدّي استحضار البخيتي المواجهة السابقة مع الأميركيين بوصفها "انتصارًا" وظيفة تعبويّة، خصوصًا مع احتمال انخراط واشنطن مجدّدًا. فبقاء الجماعة وقدرتها على إطلاق الصواريخ يصلحان لبناء روايتها الداخلية، بينما يظلّ السؤال عن حصيلة خياراتها الكارثية على اليمنيين حاضرًا: ضريبة دم باهظة، ونزوح متجدّد، وانهيار الخدمات، واستنزاف الموارد.

ميدانيًا، أعلنت القوّات الحكومية تنفيذ 1879 عملية استهداف ضمن "فجر اليمن"، طالت مراكز القيادة والتحصينات ومخازن السلاح وخطوط الإمداد. وقدّرت نتائجها الأولية بتحييد نحو 950 عنصرًا وتدمير أو إعطاب 380 وسيلة عسكرية. وتؤشّر طبيعة الأهداف إلى محاولة تفكيك منظومة القتال الحوثية. غير أن تطويق الحوثيين لتعز يكشف تعقيد المشهد؛ إذ استطاعت الجماعة، رغم الضربات، التقدّم والسيطرة ناريًا على مخارج المدينة، وفق "فرانس برس"، ما يجعل فتح طرق الإمداد اختبارًا عاجلًا لفاعلية الهجوم الحكومي.

وتفضح تعز، على نحو أشدّ قسوة، التناقض بين ادّعاء حماية اليمن وممارسات الحوثيين بحقّ سكانه. فالمدينة التي بقيت تحت سيطرة الحكومة تواجه نقصًا حادًا في السلع وارتفاعًا في الأسعار، فيما صدرت تحذيرات من نفاد الأدوية والمستلزمات والوقود. ويعني ذلك أن الجماعة تستخدم خنق مدينة يمنية بالتوازي مع ضرب مطارات سعودية، سعيًا إلى تحسين موقعها العسكري والتفاوضي على حساب المدنيين في الجانبين.

وتكتمل صورة المشهد مع عرض خبيث لطهران بتسهيل الحوار بين الرياض والحوثيين، من دون إدانة الاعتداءات على السعودية، بالتزامن مع اتهام لندن "الحرس الثوري" بتوجيه حادث قاعدة فيرفورد بشكل شبه مؤكّد. ومع بقاء تفاصيل القضية محدودة، ونفي إيران، يحمل استدعاء السفير الإيراني وبيان الدول الـ 29، الذي أدان "بأشدّ العبارات استخدام إيران الهجمات العنيفة"، دلالة سياسية واضحة على اتساع المواجهة مع أنشطة تنسبها هذه الدول إلى طهران. وتلتقي الساحتان عند معضلة استخدام الوكلاء والشبكات للضغط خارج الحدود. ومن هنا، يرتبط نجاح الردّ السعودي بحماية الداخل، وإسناد القوّات اليمنية لفكّ حصار تعز، وزيادة الكلفة السياسية والمالية على رعاة التصعيد؛ وهي معركة تتطلّب نتائج ملموسة تتجاوز تبادل الضربات والتهديدات.