جوزيف حبيب

رصاصة الغياب

4 دقائق للقراءة
المعادلة باتت أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى المحافظين (رويترز)

كان تشارلي كيرك سيحتفل يوم الأربعاء الفائت بعيد ميلاده الثالث والثلاثين، لولا رصاصة "الفاشية الجديدة" التي حرمته الاحتفال به مع زوجته إريكا وطفليه ورفاقه. وللمرّة الثانية منذ اغتياله، مرّ عيد ميلاده في غيابه. واليوم، مع اقتراب الانتخابات النصفية، يلمس الجمهوريون حجم الفراغ الذي خلّفه، ويتمنّون لو أنّه لا يزال بينهم، ليساعدهم على حشد الشباب الساخط على الأحوال المعيشية الخانقة. فماذا لو لم يُقتل تشارلي؟ بأيّ حجج كان سيتسلّح لمحاولة إنقاذ "حزب الفيل" من خسارة سيطرته على الكونغرس؟ وهل كان في وسعه أن يصنع فارقًا؟

لم يعرف كيرك، في حياته القصيرة، الاستسلام، ولم يُفسح في قاموسه مكانًا لعبارات من قبيل "ليس في اليد حيلة". تسلّح الناشط المسيحي بطاولة قابلة للطيّ، تعلوها لافتة تتحدّى الطلّاب والشباب إثبات خطأ صاحبها، ولم ينسَ، طبعًا، الميكروفون والكاميرا. تلك كانت عُدّته في معركة كسب عقول الأجيال الصاعدة، انطلاقًا من فكرة ذات هندسة فريدة. كان يستقبل أصحاب الرأي الآخر على منصّته، ويصغي إلى مقارباتهم بتمعّن، ثم يُقارعهم بالمنطق السليم والحجج الدامغة، ساعيًا إلى استمالتهم إلى معسكره الفكري. أتقن كيرك تحويل الخلافات إلى مساحة للحوار والتلاقي، ثم إلى رافعة للتعبئة السياسية؛ وهذا ما جعله "صانع ملوك" بلا منازع. اسألوا الرئيس الحالي دونالد ترامب عن الدور الذي أدّاه تشارلي في انتخابات 2024.

تختزل أولويات الناخبين الشباب الذين "ربحهم" كيرك سابقًا معضلةً جوهرية ستُحدّد مسار معركة 3 تشرين الثاني: لماذا أصوّت للجمهوريين مجدّدًا بعدما تراجعت قدرتي الشرائية؟ كرّس كيرك حياته للإجابة عن أسئلة كهذه، لكنّ أمثاله يجدون اليوم صعوبة في صياغة أجوبة تبدّد المخاوف الاقتصادية وتقلّص حظوظ "حزب الحمار". امتهن كيرك فنّ "قنص" الشباب التائه، ونجح، حين كان الديموقراطيون في البيت الأبيض، في استثمار موجة غضب عارمة وتحويلها إلى أصوات في صناديق الاقتراع. إلّا أنّ المعادلة باتت أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى المحافظين، إذ لم يعد الدفاع عن سياسات ترامب الاقتصادية ورقة رابحة.

كانت هذه التغييرات الجذرية في الحسابات الانتخابية ستدفع كيرك، على الأرجح، إلى اعتماد استراتيجية مختلفة، قوامها الدفاع عن "أجندة ماغا" في مواجهة خصوم مؤدلجين يُشكّلون خطرًا على "الروح الأميركية" ونهج "الآباء المؤسّسين"، بدلًا من الدفاع عن "أداء الرئيس". في هذا السيناريو، كان تشارلي سيُحذّر الشباب الذين يرون أن "الحلم الأميركي" بات أبعد منالًا، من أن "الخيار البديل" أسوأ بكثير، ويعدهم بتحسّن الأوضاع مع انحسار تداعيات الحروب والرسوم الجمركية. كذلك، كان سيربط، بصورة منهجية ومدروسة، بين المهاجرين غير الشرعيين وشحّ الوظائف وتآكل الأجور وارتفاع معدّلات الجريمة، وسيشرح بشغف كيف نجحت إدارة ترامب في وقف تدفّق المهاجرين وإغلاق الحدود الجنوبية، مستعينًا بلغة الأرقام لتعزيز حججه.

لو لم تخترق "رصاصة الحقد" رقبة كيرك، لكان الرجل يُقاتل على جبهات الحُرُم الجامعية، موقدًا جذوة العزيمة في صفوف الحركة المحافظة، وعاملًا على رأب صدوعها، وسط تعالي الأصوات المروّجة لنظريات المؤامرة المقيتة. وما كانت مهمّته في الحفاظ على سيطرة الجمهوريين على مجلسَي الكونغرس لتكون سهلة في هذه المرحلة، لكنّ مقدّم "البودكاست" الشهير كان سيبذل، بلا أدنى شكّ، أقصى جهده خدمةً لقضيّته. وأيًّا تكن النتائج، كان سيباشر فورًا الاستعداد لاستحقاق 2028، فلا هدنة في "الحروب الثقافية".

رحل تشارلي عن عالمنا، ليغدو "أيقونة" لليمين المسيحي، ورمزًا يمدّ "جنود الحرّية" بالزخم والذخيرة. غير أنّه لم يعد بيننا ليجيب عن تساؤلات الباحثين عن الحقيقة. ولعلّ وصيّة شهيد الكلمة الحرّة لرفاقه تختصرها دعوة واحدة: "أقيموا طاولات النقاش في الساحات، وأثبتوا صواب موقفكم بالحجّة والبرهان؛ فمن يُقدّم الإجابات الشافية يُحرّر النفوس الحائرة ويستقطبها إلى جانبه".