المحامي رفيق اورى غريزي

١٧ تشرين في سنتها السابعة: لا ثورة بلا دولة سيّدة

4 دقائق للقراءة

 سبع سنوات مرّت على الليلة التي نزل فيها اللبنانيون إلى الساحات من دون استئذان أحد. يومها لم تكن ضريبة «الواتساب» سوى عود الثقاب؛ أمّا الحريق فكان أعمق: دولة مُصادَرة، ومال عام منهوب، وودائع تبخّرت، وسيادة معلّقة على إرادة سلاح خارج الشرعية. غير أنّ الذكرى، إن لم تتحوّل إلى مراجعة، تصير طقساً يُستعاد كل عام ثم يُطوى. ولعلّ أصدق وفاء لتلك الليلة أن نسأل: أين أخطأنا في العناوين؟

تبدأ المراجعة من الشعار الأشهر: «كلّن يعني كلّن». كان صرخة غضب مشروعة، لكنه لم يكن يوماً برنامج حكم. فالمساواة بين من بنى الدولة الموازية ومن وقف في وجهها، وبين من صادر قرار الحرب والسلم ومن دفع دمه دفاعاً عن السيادة، ليست حياداً بل ظلم سياسي. وقد أثبتت التجربة أنّ هذا المنطق الإلغائي، الذي أراد شطب الجميع دفعة واحدة، لم يُسقط أحداً، بل أعاد إنتاج المنظومة نفسها وأفرغ الساحات من جمهور كان يمكن أن يكون رافعة للتغيير. ولا يعني ذلك التغطية على فاسد أو التساهل مع سارق؛ فالفساد جريمة لا يحميها حزب ولا طائفة، والمحاسبة تقع على الأفراد بالأدلّة أمام القضاء، لا على الجماعات بالتعميم في الشارع.

من هنا، لا بدّ من احترام جمهور الأحزاب. هؤلاء مواطنون لهم قناعاتهم وتاريخهم وتضحياتهم، وشيطنتهم لا تصنع ديمقراطية بل تدفعهم إلى التحصّن خلف زعاماتهم. المطلوب دعوتهم إلى ما هو أصعب من القطيعة: أن يتولّوا هم تنقية أحزابهم من الداخل، فيحاسبوا قياداتهم ويفرضوا ديمقراطية داخلية وشفافية مالية وتداولاً في المواقع. فالحزب الذي لا يُحاسَب في بيته لن يقبل المحاسبة في الدولة.

والإصلاح الحقيقي يبدأ بانتظام العمل السياسي. فالديمقراطية ليست صناديق تُفتح كل أربع سنوات لتجديد الولاءات، بل تنافس بين عناوين وطروحات وبرامج. وهي لا تستقيم إلا بثنائية واضحة: حكومة تحكم وتُسأل، ومعارضة تراقب وتحاسب وتستعدّ لتكون البديل. أمّا «حكومات الوحدة الوطنية» التي يجلس فيها الجميع إلى طاولة واحدة ثم يعارضون أنفسهم، فقد قتلت المساءلة وأضاعت المسؤولية بين الشركاء.

هنا يحضر مونتسكيو. ففي «روح الشرائع» أرسى قاعدة لم تشخ: كل من أُعطي سلطة يميل إلى إساءة استعمالها، ولا يوقف السلطةَ إلا سلطةٌ مثلها. لم يكن الفصل بين السلطات عنده ترفاً دستورياً، بل ضمانة الحرية نفسها. وعلى خطاه كتب جيمس ماديسون، أحد آباء الجمهورية الأميركية، أنّ الطموح لا يُكبَح إلا بطموح مقابل، وحذّر توكفيل من استبداد الأكثرية حين تغيب المؤسسات الوسيطة. وقبلهم جميعاً جعل الفكر الجمهوري، من شيشرون إلى مكيافيلي في «المطارحات»، الفضيلة المدنية ركيزة الجمهورية، ورأى أنّ الجمهوريات تموت حين يعلو الخاص على العام. ذلك هو جوهر الفقه الديمقراطي: مؤسسات قوية يراقب بعضها بعضاً، لا أبطال ينقذون ولا شوارع تحكم.

غير أنّ للرقابة حدّاً دقيقاً. المطلوب تفعيل المؤسسات الرقابية، من ديوان المحاسبة إلى التفتيش المركزي وهيئة الشراء العام والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وتحرير القضاء من الاستنساب السياسي. لكنّ المحاسبة التي تنقلب عرقلةً للدولة، وتشلّ كل قرار باسم الطهارة، تخدم في النهاية من يريد دولة عاجزة. المحاسبة أداة لبناء الدولة لا لهدمها.

والأهمّ من كل ما سبق: لا ١٧ تشرين إن لم تكن الدولة سيّدة حرّة مستقلّة، وسلاحها واحد. فلا إصلاح مالياً ولا قضاء مستقلاً ولا انتخابات حرّة في ظلّ سلاح يقرّر فوق الدستور. ولنتذكّر جيداً من شيطن ١٧ تشرين منذ أيامها الأولى: من خوّن المتظاهرين ورماهم بالعمالة للسفارات، ومن أرسل الدراجات النارية لتحطيم الخيم في رياض الصلح وساحة الشهداء. لم يكن ذلك صدفة؛ فمن يحمل سلاحاً خارج الدولة يدرك أنّ قيام الدولة يعني نهاية دوره.

لذلك، فلتكن ١٧ تشرين امتداداً لـ١٤ آذار بشعاراتها الأولى: حرية، سيادة، استقلال. فالانتفاضتان وجهان لحقيقة واحدة: أنّ اللبنانيين يريدون دولة، لا ساحات متنازعة. وليكن قسم جبران تويني الحلّة الجديدة لـ١٧ تشرين: «نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، أن نبقى موحّدين إلى أبد الآبدين، دفاعاً عن لبنان العظيم». قسمٌ يعيد الثورة من الشعار الغاضب إلى المشروع الوطني، ومن «كلّن» إلى «كلّنا».