زيزي إسطفان

بين حافلة النقل وبوابة المدرسة... من يضمن سلامة أبنائنا؟

كلفة النقل تضع سلامة الطلاب في خطر

8 دقائق للقراءة
مبادرة لتوعية الطلاب وبناء جيل يؤمن بمبادئ السلامة المرورية

لم يعد غلاء المحروقات ولا سيما البنزين يؤثر في ارتفاع كلفة المعيشة فحسب، بل صار له تأثير مباشر على السلامة المرورية خاصة بالنسبة للطلاب. فالأهل اليوم باتوا يبحثون عن الوسيلة الأرخص لإيصال أبنائهم إلى مدارسهم أو حتى جامعاتهم. الفانات الصغيرة، الدراجات النارية، السيارات الخاصة وأحيانًا سيرًا على الأقدام... وفي أحياء وشوارع تعمها فوضى السير، وتغيب عنها إشارات المرور غيابًا شبه تام، وتكاد الأرصفة فيها تكون محتلة من السيارات وكل أنواع المعوقات، يصبح الوصول إلى المدرسة مهارة حيوية يجب على الطلاب اكتسابها باكرًا. خبراء المرور يطرحون حلولا ويقومون بمبادرات، ولكن هل تكفي لتأمين سلامة الطلاب في تنقلهم اليومي من وإلى مدارسهم؟

في بلد تتداخل فيه فوضى السير مع ضعف إجراءات السلامة المرورية والتراخي في تطبيق قانون السير، بات وصول الطلاب إلى مدارسهم بسلام هاجسًا يرافق الأهل ويؤرّق يومهم. باصات المدارس، التي تخضع في العادة لرقابة إدارة المدرسة وقانون النقل المدرسي وتتمتّع بنسبة لا بأس بها من السلامة، باتت كلفتها تفوق قدرة الكثير من الأهالي، ما دفع هؤلاء إلى البحث عن وسائل أقلّ كلفة، ولو على حساب الأمان. وهكذا، تتحوّل رحلة الذهاب إلى المدرسة والعودة منها إلى رحلة محفوفة بالمخاطر ومصدر قلق يومي، يطرح أسئلة جدّية حول الجهات المعنية بتأمين طرق أكثر أمانًا للطلاب من جهة، وتأمين محيط مدرسي آمن يحافظ على سلامتهم من جهة أخرى.

"كلّنا معنيّون بالسلامة المرورية"، يقول العميد جوزيف مسلم، رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي، في حديث لـ"نداء الوطن"، "حتى لو قصّرت القوى الأمنية في مكان ما، ولم تكن موجودة على الأرض بسبب الظروف التي يمرّ بها البلد. حياة كلّ فرد منّا على المحك، سواء أكان من السائقين أم الركّاب أم المشاة، ومن هنا، على الجميع أن يكون واعيًا ومسؤولًا ليحافظ على سلامته وسلامة غيره. المواطنون يطالبون الدولة بأن تبادر إلى تصليح الطرقات وصيانتها وتأمين الإنارة وغيرها، قبل مطالبتهم بتطبيق القانون، وهذا مطلب محقّ جدًّا. ولكن إذا كانت هذه الأمور غائبة لظروف نعرفها كلّنا، فهل يحقّ لنا التهوّر في القيادة والإسراع، أو القيادة تحت تأثير الكحول، أو استخدام الهاتف أثناء القيادة وفقدان التركيز؟ بالطبع، هذه مسؤولية الجميع، ونحن كمواطنين بحاجة إلى وعي كبير وثقافة مرورية تبدأ على مستوى الطلاب، ومن هنا أهمّية المبادرات التي تقوم بها قوى الأمن بالتعاون مع الخبراء في شؤون السلامة المرورية والشركات ذات المسؤولية المجتمعية، مثل مبادرة VIA التي أطلقتها شركة توتال للطاقات لتوعية الطلاب وبناء جيل يؤمن بمبادئ السلامة المرورية ويدرك أهمّيتها ويتفهّم المخاطر، لا بل يسعى إلى تحسين مبادئ السلامة المرورية في محيط مدرسته. هدفنا جميعًا يجب أن يكون بناء جيل من السائقين يعرف كيف يحمي نفسه وغيره من المخاطر".


من وإلى المدرسة 

وفق مصادر قوى الأمن، يشكّل المشاة نحو 40% من الوفيات الناجمة عن حوادث السير، وتُسجَّل نحو 38% من الوفيات و45% من الإصابات بين الأشخاص دون سنّ الثلاثين. وبحسب منظمة الصحة العالمية، تُعدّ حوادث المرور السبب الرئيسي للوفاة بين الشباب والأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و29 سنة. وتقع أكثر من نصف الوفيات الناجمة عن حوادث السير بين مستخدمي الطرق الأكثر عرضة للخطر، وهم المشاة وراكبو الدراجات النارية والهوائية. هذه الأرقام تطرح سؤالًا ملحًّا: هل صغارنا ويافعونا وشبابنا الذين يتنقّلون يوميًا إلى مدارسهم وجامعاتهم محميّون من هذه الحوادث، أم هم الأكثر عرضة لها؟

كامل ابراهيم، رئيس الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية (LIRSA)، يشرح مشاكل السلامة المرورية ومكامن الخطر بالنسبة إلى الطلاب، ويؤكّد أنّها تكمن في نقطتين: الأولى هي المخاطر التي تتمثّل في التنقّل من البيت إلى المدرسة والعكس، والثانية تقع في محيط المدرسة نفسها. على الطرقات، تتعدّد أسباب المخاطر، من حال الطرق إلى فوضى السير وعدم الالتزام بالقانون وحدود السرعة ومصادر الإلهاء، وتُضاف إليها اليوم مخاطر النقل القليل الكلفة. فالباصات الصغيرة تنطوي على خطر أكبر من باصات المدارس، وذلك لأنّها لا تخضع لرقابة صارمة، ومع غياب المعاينة الميكانيكية وارتفاع كلفة الصيانة، قد يعمد أصحابها إلى التراخي في تغيير إطاراتها مثلًا أو صيانة فراملها، كما قد يعمدون إلى زيادة عدد الطلاب فيها لتأمين مردود مالي أكبر يعوّض ارتفاع كلفة البنزين. ومن البديهي القول إنّ المخاطر تتضاعف مرّات عدّة إذا كان التنقّل يتمّ على متن دراجة نارية قد تحمل أكثر من طفل واحد من دون حماية تُذكر.

في محيط المدارس في المدن، ولا سيّما في الأحياء الشعبية، حيث يكون وصول الطلاب إلى المدرسة مشيًا أو يتمّ إنزالهم من السيارات أو الباصات على مسافة قريبة، تكمن المخاطر في غياب مقوّمات السلامة المرورية غيابًا شبه كامل، وغياب الوعي لدى سائقي السيارات والباصات والدراجات النارية والطلاب أنفسهم. هنا تغيب ممرّات المشاة التي تربط بين الأرصفة لتؤمّن عبورًا آمنًا للطلاب. وهنا تحتلّ المعوّقات الأرصفة، مجبرةً التلاميذ على السير إلى جانب الطريق والتسلّل بين السيارات. وهنا أيضًا، لا مطبّات على الطريق المؤدّي إلى المدرسة تُجبر السائقين على التمهّل، ولا تحديد للسرعة، ولا إشارات ضوئية أو لافتات مرورية واضحة تنظّم المرور للطلاب والسائقين. وفي بعض المناطق، لا شرطة بلدية عند التقاطعات تؤمّن السير وتنظّمه. وما يزيد الطين بلّةً فوضى الدراجات النارية التي تتنقّل أحيانًا عكس السير وتتسلّل بين السيارات وعلى الأرصفة، مسبّبةً إرباكًا كبيرًا للمشاة والسائقين. ويتضاعف الخطر متى كان الطريق المحاذي للمدرسة أو الجامعة طريقًا سريعًا، فحينها يصبح عبوره من جهة إلى أخرى محفوفًا بالخطر. على مرّ السنين، تكرّرت الحوادث القاتلة على أكثر من طريق سريع قرب الجامعات أو المدارس، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ما حصل على أوتوستراد التحويطة قرب كلية التربية، أو على أوتوستراد حامات على طريق جامعة البلمند، أو أوتوستراد زحلة قرب الجامعة اللبنانية.

المخاطر إذًا كثيرة في محيط المدرسة، ومعظمها تقع مسؤوليته على عاتق البلديات أولًا وإدارة المدرسة ثانيًا. فالبلدية دورها تأمين الأرصفة وممرّات المشاة ووضع إشارات سير في محيط المدارس، وربط المدارس بالأرصفة والأحياء لتأمين مسارات واضحة خالية من المخاطر والمعوّقات للطلاب. وتبيّن أنّه حين يكون مسار الرصيف واضحًا وجديًا وخاليًا من المعوّقات، وحين تكون ممرّات المشاة واسعة وآمنة، يمكن تشجيع الطلاب وحثّهم على القدوم إلى المدرسة سيرًا على الأقدام، ولا سيّما في ظلّ غلاء وسائل النقل.

من جهتها المدارس مطالبة بتطبيق قانون النقل المدرسي وهو القانون رقم551 الصادر عام 1996 والمرسوم التطبيقي رقم 4018 لعام 2010، كما أنها مطالبة بالضغط على البلديات لتأمين سلاسة وسلامة السير في محيطها، مع تأدية دورها الخاص في تنظيم عملية دخول وخروج السيارات والحافلات منها وإليها، وتأمين تنقل آمن للطلاب أثناء دخولهم وخروجهم منها.


توعية الطلاب 

ويبقى الأهمّ توعية طلاب المدارس بأهمية السلامة المرورية، بحيث يصبح بإمكانهم رصد مصادر الخطر وتقييم درجة المخاطر على الطرقات وتحديد نقاطها والضغط على المسؤولين لتصحيحها، إضافة إلى حثّهم على اعتماد التصرّف الصحيح الذي يقيهم من المخاطر، مثل عدم قطع الطريق بشكل عشوائي، وضرورة استخدام حزام الأمان، وعدم إخراج الرأس من الشبّاك أو التسلّل بين السيارات، وغيرها من التصرّفات التي نراها يوميًا على طرقاتنا.

من هنا أهمية مبادرات التوعية، وفي لبنان، أُطلقت هذه المبادرة عام 2022، وطالت حتى اليوم 36,200 تلميذ وتلميذة، وكان الهدف منها تشجيع الشباب وتدريبهم ليصبحوا سفراء للتنقّل الآمن، ما يساهم في تعزيز سلامة تنقّلاتهم مع أترابهم من المدرسة وإليها. وقد أسهمت هذه المبادرة حتى اليوم في ترسيخ سلوكيات أكثر أمانًا في التنقّل لدى الطلاب في مختلف المناطق اللبنانية.

وما يجعل التوعية أكثر ارتباطًا بالطلاب وتأثيرًا فيهم أنّهم يدركون أنّ صوتهم مسموع، وأنّ توصياتهم تؤخذ بالاعتبار، وأنّهم يتنافسون محليًا وعالميًا لتقديم أفضل أداء مرتبط بالسلامة المرورية. ويمرّ المسار التعليمي لطلاب المدارس المشاركة في المبادرة بثلاث مراحل تصلح لأن تكون قدوة لكلّ مبادرة توعوية. فالخطوة الأولى هي مرحلة الملاحظة، حيث يحدّد التلاميذ المخاطر الفعلية التي يرونها في محيط مدرستهم ويوثّقونها. والمرحلة الثانية هي مرحلة التوصيات، حيث يقوم التلامذة المشاركون بتطوير حلول قابلة للتنفيذ لتعزيز سلامة تنقّلاتهم اليومية من المدرسة وإليها. وأخيرًا، مرحلة تنفيذ حملات توعوية لرفع مستوى الوعي داخل مدارسهم من جهة، ومجتمعاتهم المحلية من جهة أخرى. 


رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي العميد جوزيف مسلم