فرنسا... نيران الشوارع تُضيء طريق الإليزيه

3 دقائق للقراءة
من إنجازات اليساريين والجاحدين (أ ف ب)

مع إعلان حظر تجوّل جزئي في أحياء عدّة من العاصمة الفرنسية وفي مدن أخرى، وإغلاق متظاهرين مدخل اللوفر في باريس أمس، تدخل الأزمة مرحلة يتقدّم فيها سؤالا الأمن والهوية على سائر الأسئلة. فالدولة التي تحاول احتواء شغب رعاع الأحياء واليسار الراديكالي تجد نفسها مطالبة باستعادة السيطرة على الشارع، فيما تمنح صور الحرائق والنهب اليمين الحازم مادة انتخابية أشدّ تأثيرًا من الخطب والبرامج.

لقد وجّه مثيرو الشغب ضربة مباشرة إلى القضية الاجتماعية التي خرج المتظاهرون من أجلها. إحراق الممتلكات ونهب المتاجر يضيفان خسائر جديدة إلى أعباء الأسر، ويهدّدان وظائف العاملين، ويستنزفان أموالًا عامة تحتاجها المدارس والخدمات. وحين تتحوّل المطالبة بتحسين الحياة إلى تدمير مصادر الرزق، تصبح الفوضى شريكًا في إنتاج البؤس الذي تتذرّع بمواجهته. وكلّ واجهة محطّمة تؤكّد صحّة الخطاب الصارم الذي يُطالب بضبط الهجرة وترحيل من لا يستحقّ العيش في البلاد، في حين تُدفع مطالب المحتجّين السلميين إلى هامش النقاش.

وتضع اتهامات الحكومة مجموعات اليسار الراديكالي أمام مسؤولية سياسية ثقيلة. وأي رهان على تحويل النقمة الشعبية تجاه الوضع المعيشي الصعب إلى استنزاف منظّم للدولة عبر أعمال الشغب سيرتدّ حكمًا على أصحابه؛ فالمواطن الذي يخشى على متجره وسيارته ومدرسة أولاده يميل إلى البحث عمّن يعيد الأمان.

قبل نحو ستة أشهر من الرئاسيات، يرجّح هذا المشهد انتقال مركز الثقل الانتخابي نحو الأمن وسلطة القانون والهوية الوطنية. ويمنح مرشّحة اليمين الحازم مارين لوبن ومعسكرها فرصة لتوسيع التأييد الشعبي لبرنامجها، عبر تقديم الاضطرابات دليلًا على عجز الحكم وتآكل هيبة المؤسّسات وفشل السياسات التقليدية في معالجة مشكلات البلاد المتفاقمة. والمفارقة أن العنف الذي يُمارسه أقصى اليسار بالتعاون مع مهاجرين حاقدين ومواطنين جاحدين من أصول غير فرنسية يخدم خصمهم الأشدّ، عبر دفع ناخبين متردّدين نحو وعد استعادة النظام.

ويمتدّ هذا الاختبار إلى أوروبا، من مواجهات ميلانو في إيطاليا، المواجهات في بلجيكا، إلى احتجاجات السكن في إسبانيا والبرتغال. تتفاوت أشكال التعبير وحدّة الاضطراب، لكن تراكم الأعباء يضع الحكومات أمام مأزق مشترك. والخطر أن تنجح مجموعات التخريب في مصادرة الغضب الاجتماعي، فتدفع المجتمعات إلى استقطاب حادّ، وتحوّل المطالب المعيشية إلى وقود لتخريب بلاد متحضّرة.