الدكتور سايد حرقص

نكبة أرض الجنوب وإدارة وعي القطيع بالخرافات

3 دقائق للقراءة

في أدبيات "حزب الله" السياسية والعسكرية، للأرض حكايتان متناقضتان تمامًا: قبل السقوط، هي قلعة عصيّة على الانكسار، وموقع استراتيجي متقدّم، ورمز للصمود الأسطوري. أمّا بعد السقوط، فيتغيّر الخطاب بسرعة وبشكل دراماتيكي، وكأنّ الجغرافيا التي رُفعت لها بالأمس أناشيد التمجيد والبطولة والتقديس، لم تعد سوى بقعة ترابية هامشية لا قيمة لها.

من الخيام، مرورًا ببنت جبيل، وصولًا إلى تلة علي الطاهر، تتكرّر المأساة وتتبدّل المواقع، فيما تبقى المعادلة واحدة: قبل السقوط، حتميّة النصر؛ وبعده، إعادة تعريف لأهمية الأرض التي فُقدت، في محاولة لإعادة تشكيل الوعي وتغليف الهزيمة بالخرافات.

هنا تكمن المأساة الحقيقية، لا في خسارة موقع ميداني فحسب، بل في إدارة الوعي العام إزاء الهزيمة. فبدلًا من المكاشفة بحجم التراجع ومناقشة أسبابه البنيوية بشجاعة ومسؤولية، يجري الانتقال سريعًا من تمجيد المكان إلى تسخيف قيمته والتقليل من شأنه؛ ومن تقديمه بوصفه حصنًا منيعًا ومفتاحًا للنصر، إلى تصويره تفصيلًا عابرًا لا يغيّر شيئًا في مجرى المواجهة.

لكنّ الحقائق الميدانية لا تتبدّل بتبدّل الخطب والدعايات. فما كان موقعًا استراتيجيًا بالأمس لا يصبح بلا قيمة اليوم لمجرّد سقوطه في يد العدو. وما قُدّم للجمهور بوصفه درعًا حصينًا لا يمكن محو دلالاته العسكرية والسياسية ببضع عبارات دعائية تبريرية، غايتها امتصاص صدمة الهزيمة وتخفيف وقعها على الجمهور.

قرى الجنوب ليست أدوات في دعاية تعبوية؛ إنّها أرض الناس وبيوتهم وأرزاقهم وذكرياتهم. إنّها حياة كاملة لا يجوز اختزالها في أدبيات البروباغندا وتقنيات توجيه الوعي الجماعي. خلف كل موقع يُفقد، عائلات تُشرَّد، وتاريخ يُطمس، وبيوت تتحوّل إلى رماد في حرب مدمّرة يدفع أهل الجنوب ثمنها الباهظ.

لا يحتاج الجنوب اليوم إلى أساطير جديدة عن أرض وأنفاق لا تُهزم، بل إلى حقيقة لا تُزيَّف، وقيادة تتحمّل المسؤولية عن قراراتها ونتائجها. إنّه بحاجة إلى دولة حقيقية تحمي أبناءها وتصون سيادتها، لا إلى سلطة تكتفي بالدموع والقرارات الورقية. وهو بحاجة إلى خطة جدّية تعيد إعمار ما تهدّم، وتضمن ألّا يبقى أهالي القرى رهائن حروب متكرّرة تتبدّل تبريراتها وخرافاتها وأوهامها، من «فتح لند» إلى «إيران لند».

فالنكبة الحقيقية لا تقف عند حدود سقوط الأرض، بل تمتدّ إلى سقوط القدرة على قول الحقيقة. والأخطر هو توظيف الأموال والإعلام في تضليل النازحين الذين أُخرجوا من بيوتهم، ودفعهم إلى التصفيق لرواية تفسّر لهم لماذا لم تكن خسارتهم الفادحة سوى «تفصيل لا يُذكر».

الأرض لا تفقد قيمتها عندما تسقط في يد المحتل؛ الذي يسقط هو صدقيّة من وعد بحمايتها وبنائها.