لا يمكن فصل قضية العفو العام، وخصوصًا قضية الشيخ أحمد الأسير، عن الاشتباك المتصاعد بين الدولة و"حزب الله". فالقضية باتت في صلب المواجهة على هوية الدولة وحدود سلطتها.
وبينما يتدرّج "حزب الله" بنسق متسارع في تحدّيها، وتتخبّط أجهزتها ومؤسساتها بين التحفّظ والحسابات المتداخلة، يسعى حُرّاس الدولة العميقة إلى افتعال اشتباك موازٍ تحت عناوين تعيد استحضار الإسلام السياسي والإرهاب، لاحتواء الضغط الأميركي، وفق معادلة تجعل مكافحة الإرهاب بنسخته السنيّة أولوية، وتمنح نسخته الشيعية مساحة للمناورة.
أولى الإشارات وأمضاها تأثيرًا، تتصل بصمت الرئيس نبيه برّي حيال قرار المجلس الدستوري في قانون العفو، وما يثيره من إشكاليات تتصل بالتشريع والاعتداء على صلاحيات مجلس النواب، وهو الذي ما اعتاد التسامح قط مع ما يمسّ صلاحيات البرلمان.
وصمت بري في هذا التوقيت، يطرح سؤالا سياسيًا مشروعًا حول بصمته في إخراج هذه التسوية، وهو الذي يشكّل أحد أبرز أعمدة الدولة العميقة وحُرّاسها.
مرورًا بمحاولات استدعاء الذاكرة الأمنية انتقائيًا، والإمعان في استثمار دماء العسكريين لتصوير السنّة في موقع الخصومة مع الجيش. وصولا إلى الزجّ باسم الأسير في قضية اختطاف معراج أورال، بما يفتح الباب أمام حملة دعائية تستحضر أشباح الإرهاب وتعيد توظيفها سياسيًا.
وبذا يتحوّل العفو العام إلى ساحة كباش سياسي، عنوانها الأسير، وهدفها الأبعد إبقاء الضغط على السنّة، فيما تتعاظم المواجهة مع "حزب الله".
وهي إذ ذاك، بالنسبة إلى السنّة، تمسي أشبه بـ"ليلة سكاكين طويلة"، تُشحذ فيها أدوات الإقصاء، لتُغرس سكين الإرهاب مجدّدًا في ظهورهم، ويُضغط بشدّة على الرمزية الثقيلة التي بات يحملها الأسير.
في "ليلة السكاكين الطويلة"، صفّى هتلر خصومه السياسيين لتشديد قبضته السلطوية. ثم أقرّت حكومته قانونًا بأثر رجعي منح عمليات القتل غطاءً قانونيًا تحت عنوان "الدفاع عن الدولة".
ليس المقصود مساواة الوقائع أو الأنظمة، بل استحضار المنطق الذي يجعل القانون أداة بطش في يد السلطة بدلا من أن يكون قيدًا عليها. وفي قضية الأسير والمعتقلين السياسيين، تكمن الخطورة في تضافر الأحكام والإجراءات والتأويلات القانونية لإدامة الإقصاء.
لكن المشهد لم يبقَ في اتجاه واحد، بعدما شنّ السنّة هجمة مرتدة، عنوانها المطالعة القانونية للمحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب، وميدانها المؤسسات الدستورية والقضائية، عُمل على التمهيد لها بحملة ضغط سياسي لحثّ بعض النواب المترددين على التحرّك، فيما أبدت قلة منهم استعدادًا لخوض معركة ثانية وثالثة لإنصاف المعتقلين والأسير. إلى جانب الضغط على مدعي عام التمييز، أو على الأقل توفير مساحة له للتحرّر من الضغوط المضادة.
ولزيادة التحصين، زار النواب السنّة رئيس الحكومة نواف سلام، الذي كان اجتمع بالقاضي صعب، وبوفد من أهالي المعتقلين ومحامي الدفاع محمد صبلوح، مؤكدًا دعمه إنصاف المعتقلين، ورفضه الافتئات على فئة من اللبنانيين بأردية قانونية فضفاضة.
أما موقف مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج فبدا، وفق توصيف مصدر سياسي شارك في الاجتماع، أقرب إلى "الأكل الصحي في المستشفيات" حيث ترك لنفسه مساحة محسوبة للمناورة، تحسّبًا لما يمكن أن تحمله الضغوط المقبلة.
في المقابل ماذا يسع الأسير فعله؟
الرجل لم يترك وفريقه وسيلة قانونية متاحة لم يستخدمها، إنما نافلة، حيث ثمة إصرار رهيب على إقفال كل الأبواب أمامه. أحكام صدرت بنفس سياسي انتقامي يفتقر إلى الأدلة الحاسمة، وملفات تتوزع بين المحاكم وطرق الطعن، محاكمات تمييز مقطوعة، وقانون عفو تُعاد خياطة نصوصه في الأقبية السياسية، ليخرج بصيغة تبدو مصممة لإبقائه أسيرًا، ومهيّأة لتوظيف قضيته كورقة ضغط على السنّة. فماذا يبقى حين تُقفل الأبواب تباعًا، وتُستنفد سبل الإنصاف؟
هنا بالضبط يستعاد مشهد "ليلة السكاكين الطويلة" على نحو مقلق. ومع ذلك، يخطئ حُرّاس الدولة العميقة إن اعتقدوا أنّ إقفال الأبواب يضمن إخضاع أصحاب الحقوق. فحين تُسدّ منافذ القانون والسياسة، يصبح الشارع آخر الأوراق. وإذا استمرّ هذا النهج، فلن تكون العواقب في مصلحة أحد. فحين تُقفل كل الأبواب، يصبح الكيّ آخر الدواء.