تتجاوز قضية المراهق اللبناني ماتياس حبيب حدود المأساة العائلية، لتطرح أسئلة أخلاقية وقانونية حول مسؤولية التكنولوجيا وحدودها، وأدبيات التعامل مع الإنسان، ولا سيما الأطفال والمراهقين.
في نيسان 2026، توفي ماتياس حبيب، 15 عامًا، في قضية دفعت عائلته إلى رفع دعوى قضائية ضد OpenAI ورئيسها التنفيذي صامويل ألتمان، متهمة محادثات ChatGPT بالمساهمة في وفاته.
وبحسب الدعوى، استخدم ماتياس التطبيق نحو 3 سنوات لأغراض دراسية واهتمامات شخصية، قبل أن تتغير طبيعة محادثاته وتتجه نحو الفلسفة والعدمية، وصولًا إلى مرحلة بات فيها يستشير التطبيق في مسألة إنهاء حياته في 30 آذار، في حين "لم يتم إخطار أيّ من الوالدين. ولم يُقيَّد أي حساب. ولم يتم التواصل مع أي شخص على الإطلاق"، كما تتهمها بمساعدته على جدولة منشور عبر "إنستغرام" ليُنشر في موعد يكون فيه عاجزًا عن نشره بنفسه.
سابقة أمام القضاء الأميركي
في حديثه عن الدعوى المقدّمة أمام المحكمة العليا في ولاية كاليفورنيا، مقاطعة سان فرانسيسكو، أوضح والد ماتياس شربل حبيب، لـ"نداء الوطن" أن هذه هي الدعوى الأولى من نوعها ضد OpenAI وسام ألتمان من العالم العربي، لكنها ليست الأولى ضمن مجموعة الدعاوى التي ينتمي إليها.
وقال إن قضيته ضمن مجموعة تضم نحو 40 دعوى، وهدف كل أصحاب الدعاوى ليس الحصول على الأموال، بل وقف الأذى الذي قد يتعرض له الأطفال والمراهقون نتيجة استخدام هذه التطبيقات.
مخاطر مستمرة
وأضاف أن المطالبة الأساسية تتمثل في وقف المحادثات بين روبوتات الدردشة والمراهقين إلى حين حصول الشركات على شهادة سلامة من جهة متخصصة ومعتمدة في الولايات المتحدة الأميركية.
واعتبر أن الشركات تواصل تطوير ChatGPT وتحديثه بصورة مباشرة، فيما لا تزال المخاطر قائمة، ولا سيما بالنسبة إلى المراهقين. وأشار إلى أن نسخة ChatGPT Teens المخصصة لهذه الفئة العمرية ليست، بحسب ما نقله عن منظمة Common Sense Media، آمنة بما يكفي، لافتًا إلى أن المنظمة المعنية بتقديم مراجعات وتقييمات قائمة على العمر للتطبيقات، تدعو إلى إبعاده "فورًا" عن المراهقين.
"قنبلة موقوتة"
وفي توصيفه للمشكلة، اعتبر والد ماتياس أن وضع هذه التقنيات في متناول الأطفال من دون ضمانات كافية يشبه "قنبلة موقوتة"، لأن المخاطر قد ترتبط بطبيعة المحادثة التي يدخل فيها المراهق مع التطبيق، وبالموضوعات التي قد تتطور إليها.
وأوضح أن ماتياس لم يكن يعاني مشاكل نفسية. لكنه شدد على أن وجود مشكلات نفسية لدى طفل أو مراهق، إن وُجدت، لا يبرر تركه أمام نظام لا يتعامل مع حالته بالطريقة المناسبة، معتبرًا أن هناك فوضى في هذا المجال تستدعي وضع ضوابط.
"لو كان ChatGPT إنسانًا لواجه الإعدام"
وأوضح والد ماتياس أنه لو كان ChatGPT شخصًا طبيعيًا، لكانت العائلة تقدمت باتهام بالقتل المتعمد، معتبرًا أن التطبيق لم يكتفِ بتشجيع ابنه، بل شرح أمورًا وساعده على الوصول إلى أفكار انتهت بوفاته.
وأضاف أنه لو كان شخصًا طبيعيًا، لكان، على حد تعبيره، في حكم الإعدام. لكنه أشار إلى أن النظام القانوني الأميركي يتعامل مع هذه التطبيقات باعتبارها منتجات تُقدَّم للمستخدمين وأن الدعوى تنطلق من وجود عيب في المنتج، ما دفع العائلة إلى تقديم شكوى تتعلق بالقتل غير المتعمد.
من قراءة "الفلسفة" إلى أفكار الانتحار
وفي روايته لتفاصيل ما سبق وفاة ابنه، شدد والد ماتياس على أن الأخير لم يكن مدمنًا على الهاتف أو الذكاء الاصطناعي ومعدل استخدامه بلغ نحو محادثتين يوميًا.
وكان ماتياس، يمارس هوايات عدة، منها العزف على الغيتار والرسم والمشي في الطبيعة، كما كان يقرأ كتاب ماركوس أوريليوس وكان والده على علم بذلك.
وأوضح أن ابنه كان يستفسر من ChatGPT عن الكتاب والأفكار الواردة فيه، لكن المحادثات كانت تتطور تدريجيًا بفعل طبيعة التطبيق الذي يوسّع نطاق النقاش عبر طرح أسئلة واقتراح أفكار وعبارات فلسفية، لينتقل الحديث إلى مواضيع جديدة انطلاقًا من أسئلة اقترحها التطبيق نفسه وصولًا إلى أفكار اقتنع بها ماتياس وأثّرت في نظرته إلى الحياة. وقال إن ابنه وصل إلى مرحلة شعر فيها بأنه سيعاني طوال حياته لأنه مختلف عن الأشخاص المحيطين به، قبل أن يسأل التطبيق: "هل أقتل نفسي؟"، ليأتيه رد يعتبر أن ذلك "نوع من أنواع الحرية"، واصفًا الانتحار بالفعل "الهادئ والكريم".
حرمان الأطفال من التكنولوجيا؟
وفي رسالة وجّهها إلى الأهالي الذين يسمحون لأطفالهم باستخدام الذكاء الاصطناعي، قال والد ماتياس: لا ننكر دور التكنولوجيا في تطوير البشرية، موضحا أنه يرفض إتاحة أدوات غير مثبتة السلامة على الأطفال من دون رقابة وضمانات كافية.
وفي هذا الإطار، أعلن تأسيس "مؤسسة ماتياس حبيب" للعمل على توعية التلاميذ والأساتذة والأهل في المدارس، لتعريفهم بالمخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي، وتشجيع الأطفال على العودة إلى أنشطة وهوايات متنوعة، بعيدًا من الهواتف والشاشات.
وأشار إلى أن العمل لا يقتصر على التوعية، إنما يشمل أيضًا إجراء دراسات بهدف فهم واقع التلاميذ ومشكلاتهم. وهذه الدراسات أظهرت أن التلاميذ يعيشون مستويات مرتفعة من الحزن، وأن هناك علاقة كبيرة، وفق ما توصلوا إليه، بين الذكاء الاصطناعي وحالة الحزن التي يعيشها بعضهم (إضافة الى عوامل أخرى).
تقرير الهاتف
وفي ما يتعلق بالتحقيق، أشار والد ماتياس إلى أن فرع المعلومات قام بعمل جيد، موضحًا أن العائلة انتظرت 3 أشهر قبل الحصول على نسخة من تقرير مضمون الهاتف، قبل أن ترسلها بدورها إلى الولايات المتحدة الأميركية، في إطار متابعة القضية.
ويأتي ذلك فيما تنتظر العائلة الحصول على المحادثات الكاملة من الشركة، بما يسمح بإضافتها إلى ملف الدعوى ومتابعة المسار القضائي استنادًا إلى المعلومات المتوافرة.