تتميّز الماري بموقعها الجغرافي الفريد بين نهرين، إذ يحدّها من الشمال نهر الحاصباني، فيما يجري عند حدودها الشرقية مجرى نهر سريد وهو نهر مائي موسمي تظهر مياهه مع حلول شهر أيلول تقريبًا. ويمنحها هذا الموقع خصوصية طبيعية تجمع بين المشهد الأخضر والسهول الزراعية، وتجعلها من البلدات التي ترتبط حياة أبنائها ارتباطًا وثيقًا بالأرض.
ترتفع البلدة نحو 450 مترًا عن سطح البحر، وتبعد نحو 120 كيلومترًا عن العاصمة بيروت، وقرابة 15 كيلومترًا عن مركز القضاء حاصبيا، و40 كيلومترًا عن مركز المحافظة.
الماري، بالنسبة إلى أبنائها، هي الحياة ويختصر أحد أبنائها علاقته بها بالقول: "الماري هي حياتي، خلقت فيها وتربّيت فيها، وأكيد رح نكمّل عمرنا كلّه هون".
وتتجلّى هذه العلاقة في تمسّك الأهالي ببلدتهم، ولا سيما خلال الحرب، حين اختار أبناؤها البقاء في منازلهم وأرضهم، رغم المخاطر والصعوبات. وعلى غرار سائر البلدات الحدودية، عانت من تداعيات الحرب، وربما أكثر من بعض القرى المحيطة بها، إذ اضطرّ أبناء بلدات مجاورة إلى مغادرة منازلهم، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من العائلات، فيما فضّل أبناء الماري الصمود والبقاء في أرضهم.
ثلاث وردات تجمعها المحبة والتعايش
يضمّ نسيج الماري أبناء الطائفة الدرزية، والطائفة المسيحية الأرثوذكسية، والطائفة السنية، الذين يتشاركون الحياة اليومية والانتماء إلى الأرض والبلدة.
ويظهر هذا التنوع أيضًا في دور العبادة، إذ تضمّ الماري كنيسة القديس جاورجيوس الأرثوذكسية، وهي كنيسة قديمة تتميّز بحجارتها التاريخية وطابعها المعماري التراثي. وبحسب روايات أبناء البلدة، لم تكن الكنيسة تضمّ جرسًا، فيما يعتبر بعضهم أنّها من أقدم الكنائس في لبنان والشرق الأوسط، باعتبارها أقرب كنيسة إلى المدينة المقدسة (أورشليم). وقد تجدّد بناؤها سنة 1850، وتمتاز بمذبحها الذي يدلّ على قدمها. وتُعتبر كنيسة عجائبية، إذ يوجد فيها حجران يُدعيان "المرضعة"، حيث تأتي النساء وتقوم بلمس الحجرين، وهما على شكل ثديين، لإدرار الحليب من صدر الأم بعد انقطاعه، بهدف إطعام المولود الجديد. وهو ما يجعلها معلمًا دينيًا وتراثيًا يستحق التوثيق والحفاظ عليه.
وإلى جانب الكنيسة، تضمّ البلدة معبدا خاصا لطائفة الموحّدين الدروز، وثلاثة جوامع في ريحانة بري، الحرشات، والعباسية في مشهد يعكس التنوّع الديني الذي يميّزها.
استقرار سكاني
يبلغ عدد سكان الماري نحو 2500 نسمة، يسكنون في 365 منزلا، فيما تشير التقديرات المتداولة إلى أنّ عدد المقيمين فيها يبقى قريبًا من هذا العدد بين فصلي الصيف والشتاء. في المقابل، يُقدّر عدد المغتربين بنحو 60 إلى 70 شخصًا، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بإجمالي السكان، ويتوزّع هؤلاء بين فنزويلا وألمانيا وأوكرانيا، إضافة إلى عدد من الشبان الذين انتقلوا إلى الخارج.
طبيعة ساحرة وزراعة متنوّعة
لا يقتصر ارتباط أبناء البلدة بالأرض على الجانب الجمالي، فالزراعة حاضرة حتى في حياة الموظفين في القطاع العام والعاملين في القوى الأمنية، الذين يواصلون الاهتمام بأراضيهم الزراعية إلى جانب وظائفهم.
ومن أبرز المعالم الطبيعية في المنطقة شلال الحاصباني، الذي أُنشئ عام 1957 على شكل سدّ بهدف تجميع المياه والاستفادة منها في ريّ الأراضي الزراعية، بما يسهم في زيادة المساحات الخضراء. ويشكّل الشلال معلمًا طبيعيًا يقصده الأهالي للاستمتاع بمناظره.
زيتون عمره آلاف السنين
تعود جذور الماري إلى عهود قديمة، وفق ما تشير إليه الشواهد والآثار التي تظهر بين الحين والآخر. ويقول أبناء البلدة إنّهم، رغم ما يعرفونه عن تاريخها من خلال الروايات المتوارثة، لا يزالون يكتشفون دلائل جديدة على عراقتها كلما حُفرت الأرض أو جرى العمل فيها، أو حتى أثناء التنقّل بين أرجائها.
ومن أبرز الشواهد على هذا التاريخ أشجار الزيتون القديمة، ولا سيما زيتون الوقف التابع لطائفة الروم الأرثوذكس، حيث توجد شجرة يُقدّر عمرها بأكثر من 2500 سنة، وفقًا لما يتناقله أبناء البلدة. ويعكس ذلك عمق ارتباط المنطقة بالزراعة والحياة منذ آلاف السنين.
أما تسمية "الماري"، فتتعدّد الروايات المتداولة حول أصلها، إذ كانت تُعرف بـ"المريمية" نسبةً إلى العذراء مريم، ثم أُبدل اسمها وصارت تُعرف بالماري. وورد أيضًا اسم "الميري"، فيما تشير رواية أخرى إلى ملكة تُدعى "ماري". ولا يزال أصل التسمية موضع روايات مختلفة يتناقلها الأهالي من جيل إلى آخر.
التعليم أولوية
يولي أبناء الماري اهتمامًا كبيرًا بالعلم والتعليم، ويشير رئيس البلدية سلمان أبو العلا إلى ارتفاع نسبة المتعلمين في البلدة، بما يعكس تمسّك الأهالي بالتحصيل العلمي وإيمانهم بأهميته في بناء مستقبل أبنائهم. وتضمّ البلدة مدرسة رسمية متوسطة، إلى جانب مدرسة خاصة، ما يوفّر خيارات تعليمية لأبناء الماري.
وعلى المستوى الاجتماعي، تحافظ البلدة على تقاليدها وعاداتها، وتشكّل الأعياد والمناسبات الدينية محطات أساسية في حياة أبنائها، ولا سيما عيدا الميلاد والفصح، اللذان يشهدان أجواء احتفالية تجمع الأهالي وتعزّز الروابط بينهم. كما اعتادت الماري تنظيم مهرجانات وحفلات ومناسبات ترفيهية، إلا أنّ الظروف الراهنة والإمكانات المحدودة تحول دون إقامة هذه الأنشطة بالزخم الذي كانت تشهده في السابق.
رغم المكانة الأساسية التي تحتلها الزراعة في حياة أبناء الماري، يواجه هذا القطاع تحديات متزايدة، في مقدّمها المخاطر الأمنية التي تعرقل وصول المزارعين إلى أراضيهم وتحدّ من قدرتهم على مواصلة العمل.
وفي حديثه إلى "نداء الوطن"، يشير رئيس البلدية إلى أنّ أربعة أو خمسة مزارعين أُصيبوا بالرصاص أثناء عملهم في أراضيهم، ما زاد المخاوف من مواصلة النشاط الزراعي، وأعاق الوصول إلى عدد من الأراضي المزروعة.
ولا تقتصر معاناة المزارعين على المخاطر الأمنية، بل تمتدّ إلى الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تدنّي أسعار الخضار والفواكه عند تسويق المحاصيل، إذ يجد المزارعون أنفسهم أمام صعوبة في تغطية تكاليف الإنتاج وتحقيق مردود يتناسب مع الجهد المبذول.
وفي ظلّ غياب الدعم المالي الكافي، تواجه بلدية الماري أزمة مالية تحدّ من قدرتها على تلبية احتياجات البلدة وتنفيذ المشاريع والخدمات المطلوبة. ويؤكد أبو العلا أنّ المجلس البلدي يحاول تسيير شؤون البلدة بالإمكانات المتوافرة، وبـ"اللحم الحي"، لتفادي التقصير قدر الإمكان، رغم النقص في الموارد والجهد الكبير الذي يتطلّبه العمل اليومي.
ويشرح أبو العلا أنّ البلدية تضطرّ أحيانًا إلى تولّي الأعمال ميدانيًا بأيدي أعضائها، بالتعاون مع المختار، لتوفير النفقات الإضافية التي لا يستطيع صندوق البلدية تحمّلها.
ويضرب مثالا على ذلك العطل الذي طرأ أخيراً على شبكة الصرف الصحي، حيث بادر أعضاء البلدية إلى العمل على إصلاحه بأنفسهم، نظرًا إلى عدم توافر الأموال اللازمة لتكليف عمّال أو متعهّدين بهذه المهمة.
ويشير إلى أنّ الكلفة السنوية لرواتب موظفَي البلدية تبلغ نحو 14 إلى 15 ألف دولار، في حين لا تتجاوز الأموال التي تتلقّاها البلدية من الدولة، وفق تقديراته، ما يعادل نحو 10 آلاف دولار سنويًا. ويترك ذلك عجزًا يتراوح بين 4 و5 آلاف دولار، قبل احتساب سائر النفقات التشغيلية والخدماتية.
وفي ظلّ غياب الدعم المالي الكافي، يشير أبو العلا إلى أنّ مجلس الجنوب يشكّل أبرز الجهات التي تساند البلدة، موجّهًا الشكر إلى السيد هاشم حيدر والأستاذ يوسف دبيان، اللذين يحرصان على الوقوف إلى جانب الماري ومساعدتها في ظلّ الظروف الصعبة التي تمرّ بها ختم أبو العلا.