عون وسلام شكّكا في جدوى الإحالة إلى المجلس العدلي

الدولة وامتحان المتفجّرات... اسمع تفرح جرّب تحزن

6 دقائق للقراءة

في سابقة تختصر حجم الرضوخ الرسمي أمام سطوة ميليشيا «حزب الله»، اختار مجلس الوزراء في جلسته أمس أن يُبقي ملف متفجّرات ضهر البيدر معلّقًا، بدل إحالته إلى المجلس العدلي، كما تقتضيه خطورة القضية. إنها سقطة سياسية وسيادية فادحة، لا يمحوها أيّ تبرير إجرائي، ولا يخفّف من وطأتها أيّ تأجيل؛ فالحكومة التي اتخذت قرارات بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب ونزع سلاحه، فقدت مصداقيتها وقدّمت شيكًا للميليشيا على بياض في الإمعان بعنترياتها وتحدّي قرارات الحكومة على عينك يا دولة ومن تحت قبة البرلمان. والأشدّ خطورة أن يحصل ذلك بعدما أقرّ الحزب بملكية المتفجّرات وطالب باستردادها، في مشهد كان يُفترض أن يستدعي تحرّكًا حكوميًا وقضائيًا حاسمًا، لا تردّدًا يفتح الباب أمام الشكوك في معايير المحاسبة. بهذا الأداء، لا تكتفي الحكومة بتقويض هيبة الدولة، بل تضع نفسها في موقع من يتراجع عن قراراته تحت ضغط الأمر الواقع، وتبعث إلى المجتمع الدولي برسالة بالغة السوء: التعهّدات السيادية في لبنان قد تُعلَن باسم الدولة، لكن تنفيذها يبقى رهنًا بالتوازنات السياسية. أما انسحاب وزراء «القوات اللبنانية»، فيكشف حجم الاعتراض على مسار انبطاحي يهدّد بتحويل قرارات مجلس الوزراء إلى نصوص بلا قيمة وهيبة.


وزير الصناعة: عون وسلام رفضا الإحالة

وكشف وزير الصناعة جو عيسى الخوري، في حديث إلى «نداء الوطن»، أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة رفضا إحالة ملف متفجّرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي. وأوضح أن هناك تسع قضايا سابقة أُحيلت إلى المجلس العدلي في الايام التالية على وقوعها، في حين مضت ثلاثة أسابيع على قضية متفجّرات ضهر البيدر من دون اتخاذ قرار بإحالتها. وتساءل: «المذنب أعلن عن هويته، فلماذا لا تزالون تبحثون بعد ثلاثة أسابيع؟ لقد عُرفت هوية الحاج ساجد وذو الفقار، لكنهم لن يعثروا عليهما». وطرح عيسى الخوري تساؤلات بشأن المحاذير التي تدفع «حزب الله» إلى معارضة إحالة الملف إلى المجلس العدلي، معتبرًا أن الجواب يكمن في أن صلاحية اختيار المحقّق العدلي تعود إلى وزير العدل عادل نصار.

في المقابل، نقلت مصادر أن رئيسَي الجمهورية والحكومة شكّكا في جدوى الإحالة إلى المجلس العدلي، وتساءلا: «ماذا فعل المجلس العدلي خلال السنوات الماضية؟ فكل الإحالات إليه لم تُفضِ إلى نتيجة»، ما دفع أحد الوزراء إلى المطالبة بإلغاء المجلس العدلي.

وفي ما يتعلّق بموقف وزير العدل عادل نصار خلال الجلسة، أوضحت المصادر أنه لم ينسحب، بل اقترح تأجيل البتّ في الموضوع إلى الأسبوع المقبل، فردّ عليه وزير المال ياسين جابر بالقول: «ما في لزوم».


سلام يؤكد على حصرية السلاح

وقد سبق لفلفة الملف وتمييعه موقف حازم للرئيس سلام ينطبق عليه المثل القائل: «اسمع تفرح، جرّب تحزن»، موقف سرعان ما تلاشى أمام انتصار قوة الأمر الواقع داخل حكومته بمنع إحالة الملف إلى المجلس العدلي. فقد أعاد التأكيد على حصرية السلاح بيد الدولة، وشدّد سلام على أن «المطلوب من حزب الله الالتزام بما سبق وأعلن مرارًا موافقته على مضمونه، لا أكثر ولا أقل». وأضاف سلام: «إن تخزين السلاح أو نقله من خارج الجهات التي لها حصرًا شرعية القيام بذلك، يقتضي المتابعة الأمنية والملاحقة القضائية لإنزال أشدّ العقاب الذي تفرضه القوانين بحق المرتكبين».

وسبقه موقف لرئيس الجمهورية قال فيه: «إن التحديات التي تواجه المنطقة كبيرة جدًا، وآمل ألا يكون مسارها نحو التصعيد أو الانفجار»، داعيًا «إلى أن يتحلّى الفرقاء اللبنانيون بالحكمة والوعي والروية، لإبعاد تأثير هذه التحديات على لبنان».


جعجع: لالقاء القبض على مسؤولين في «الحزب»

ما حصل داخل مجلس الوزراء دفع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إلى الطلب من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إحالة قضية المتفجّرات إلى المجلس العدلي لأنها تهدّد الأمن القومي والسلم الأهلي و هيبة الدولة، ولأنها جريمة يُعاقب عليها القانون. وأضاف لبرنامج «صار الوقت» عبر الـMTV: «حزب الله يدرك تمامًا ما تعنيه إحالة قضية متفجّرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، ولذلك يرفضها لأنها تعني الإقرار بقرارات الحكومة التي اعتبرت أعماله خارجة عن القانون». وأعلن أنه حتى هذه اللحظة، هناك جهاز أمني لبناني يرسل تقاريره الأمنية بالتوازي إلى الحكومة اللبنانية و«حزب الله».

ولفت جعجع إلى 8 سوابق خلال الـ15 سنة الماضية عن قضايا أُحيلت فورًا إلى المجلس العدلي، وهذه الإحالة تتعلّق بتوصيف الجرم وليس بنتيجة التحقيقات. واستند جعجع في سياق حديثه إلى المادة 271 من قانون العقوبات التي تنص على أن الاعتداء على أمن الدولة يتحقّق سواء كان الفعل المؤلّف للجريمة تامًا أو ناقصًا أو في طور المحاولة.

وعلى خلفية قضية متفجّرات ضهر البيدر، دعا رئيس القوات إلى إلقاء القبض على مسؤولين في «حزب الله»، وقال: «هناك مشهد سياسي في البلد يمنعني من قول الأمور كما هي، و«ضاق خلقي من كذا شغلة»، ولكن أمتنع عن الكلام خدمة للقضية التي أؤمن بها».

وعن قائد الجيش رودولف هيكل، أعلن جعجع أنه في مقلب آخر عن توجّهاتنا بالسياسة، ولكن إذا وصلته الأوامر والقرارات اللازمة، فطبعًا أثق به بأنّه سيتحرّك، فالجيش «فيه... بس لازم يكون بدّو».

في العودة إلى جلسة مجلس الوزراء، فقد قرّر التحقيق في ملف المتفجّرات دون أي قيد أو سقف إلا سقف القانون، ومتابعة البحث في طلب وزارة العدل إحالة القضية إلى المجلس العدلي، في ضوء تقدّم مراحل التحقيق. كما قرّر المجلس أيضًا تمديد العقد مع شركة «لافاجيت» لكنس وتنظيف الطرقات، وتمّت الموافقة على التعاقد مع أساتذة في الجامعة اللبنانية يتمّ اختيارهم من بين الأسماء المرفوعة سابقًا والذين تتوافر فيهم المعايير التي أقرّها مجلس الوزراء، وعيّن المجلس أعضاء مجلس إدارة مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك.


مفاوضات تامبا... راوح مكانك

وفي موازاة التراجع الحكومي في ملف متفجّرات ضهر البيدر، انتهت المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في مدينة تامبا الأميركية، أمس الأول، من دون تحقيق أي اختراق أو تحديد موعد لجولة جديدة، فيما شهد يوم أمس لقاءات ثنائية على المستوى اللبناني - الأميركي. وإذ رفض لبنان مقترحًا إسرائيليًا للمشاركة في آلية مراقبة نزع سلاح «حزب الله»، ما شكّل نقطة الخلاف الرئيسية في المحادثات، لم يتوصّل الجانبان إلى اتفاق بشأن تشكيل الجهة المكلّفة بمراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان والدول التي ستشارك فيها.


أكثر من شاحنة

كشفت معلومات ديبلوماسية استندت إلى تقرير وصل إلى إحدى السفارات الأجنبية في بيروت، أن شاحنة المتفجّرات التي ضُبطت في ضهر البيدر لم تكن الوحيدة، وأحصى التقرير أن سبع شاحنات مرّت على تلك الطريق من البقاع إلى بيروت، وأن الشخصين اللذين كانا في الشاحنة لم يكونا الوحيدين اللذين تولّيا هذه المهمة، وأن هناك أشخاصًا آخرين تتركّز التحقيقات على معرفة هوياتهم. وتضيف معلومات التقرير أن حزب الله شكّل خلايا منفصلة بعضها عن بعض، وأن كل خلية مؤلّفة من شخصين أو ثلاثة أشخاص، وكل خلية لا تعرف الخلية الأخرى، وهذا ما يعقّد التحقيقات. ويختم التقرير أن الوصول إلى المسؤولين، سواء في البقاع أو في الضاحية الجنوبية، من شأنه أن يفكّك أحد ألغاز الملف.