تدفع الميليشيا الحوثية المنطقة نحو جولة أوسع من الاستنزاف، مستهدفةً السعودية بالصواريخ والمسيّرات، ومُغرقةً اليمن في الدم والحصار. واعتراض صاروخ باليستي ومسيّرة في منطقة الرياض أمس يضع التصعيد أمام معادلته الأوضح: ذراع إيرانية تستمرّ في اللعب بالنار، ومملكة تعزّز دفاعاتها وتحشد شراكاتها لحماية مدنها ومرافقها الحيوية. وبعد سقوط 20 قتيلًا في الهجمات على المطارات السعودية منذ مطلع الشهر، تتجاوز المواجهة اختبار كفاءة الدفاعات الجوّية إلى اختبار القدرة على ردع مشروع يتّخذ من تعريض المدنيين للخطر وسيلة لفرض النفوذ.
في هذا السياق، يكتسب قرار لندن نشر مقاتلات "تايفون" أهمية عسكرية وسياسية متلازمة. فبريطانيا تنتقل إلى مشاركة مباشرة في حماية الأجواء السعودية، وتضع ثقلها إلى جانب الرياض للتصدّي لهجمات تهدّد أحد أهم مراكز الطاقة في العالم. وتُبقي الطبيعة الدفاعية للمهمّة حدود الانخراط البريطاني واضحة، فيما يمنح إرفاق المقاتلات بطائرة نقل ومستشارين عسكريين الدعمَ بُعدًا عمليًا أوسع. وهكذا، يدفع الحوثيون، بتصعيدهم، نحو تعزيز الحضور العسكري الدولي الذي يسعون إلى تحدّيه، ويمنحون الرياض أرضية إضافية لتوسيع شبكة الحماية حولها.
وتتقاطع الخطوة البريطانية مع إحالة تركيا اتفاقية مكة للدفاع المشترك، المبرمة مع السعودية وباكستان، إلى البرلمان للمصادقة عليها، وفق وكالة "رويترز". هنا تتقدّم محاولة بناء ردع جماعي يجمع الثقل السعودي والقدرات الباكستانية والصناعة الدفاعية التركية. وتظلّ طبيعة المساهمة التركية مرتبطة بالمصادقة وآليات الاتفاق والقرارات المطلوبة لأي انتشار خارجي، في وقت تشير فيه المعطيات المتاحة إلى أولوية المعدّات والأسلحة والتعاون الاستخباراتي. تكمن الرسالة السياسية في اتّساع دائرة الالتزام بأمن السعودية، وفي تحويل الاعتداءات الحوثية إلى حافز لتقارب عسكري قد تتجاوز آثاره الأزمة الراهنة.
ويقابل هذا الحراك مشهد يمني تختصره المفارقة القاسية بين وفرة الصواريخ وندرة مقوّمات الحياة. ففي شبوة، ارتفعت حصيلة الهجوم الحوثي على معسكر التدريب إلى 73 قتيلًا، مع 14 مفقودًا وأكثر من 200 جريح، بحسب السلطات المحلّية. أصابت ثلاثة صواريخ باليستية قوّات أمنية أثناء التدريب الاثنين، وتركت أجسادًا متناثرة وجرحى وسط الدماء. وراء الأرقام عائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها، وبلد تُستنزف طاقاته البشرية كلّما قرّرت حركة "أنصار الله" توسيع سيطرتها بالنار.
وفي تعز، يُستكمل القتل بإطباق الحصار على شروط البقاء. إغلاق طريق الإمداد إلى عدن يرفع أسعار الغذاء، ويعرقل المساعدات، ويضيّق سبل الوصول إلى المياه والضروريات. وقد طالب مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك بفتح ممرّ للإغاثة وتأمين خروج المدنيين، مجدّدًا الدعوة إلى إطلاق سراح الموظفين المحتجزين تعسفيًّا. وتكشف هذه المطالب كيف تتحوّل المدينة وسكّانها والعاملون على إغاثتها إلى رهائن لسلطة السلاح.
وتتّسع المأساة مع تجاوز عدد النازحين ربع مليون شخص منذ آب، وفق مفوضية اللاجئين. وفي المستشفيات، يتهدّد انقطاع الوقود والأوكسجين والأدوية مرضى يحتاجون إلى استمرار العلاج للبقاء أحياء. أمّا الارتفاع الحادّ في حالات الكوليرا المشتبه فيها، الذي حذّرت منه منظمة الصحة العالمية، فيكشف امتداد الحرب إلى المياه والمآوي المكتظة. تلك هي الحصيلة اليمنية للمغامرة الحوثية: مجتمع يُدفع إلى النزوح والجوع والمرض، في وقت تُسخّر فيه أرضه لخدمة صراع إقليمي ترتبط الميليشيا بأحد أطرافه الأساسية، النظام الإيراني.
ومن هذه الجبهة، تتّجه الأنظار إلى التصعيد في الخطاب الإسرائيلي تجاه طهران. فإعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه ناقش الأحد مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أهمية القضاء على النظام الإيراني يضع بقاء النظام نفسه في صلب التهديد المعلن. ويمنح لقاء نتنياهو وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في قاعدة عوفدا الاثنين، ومناقشة التعاون الهجومي والدفاعي، هذا الخطاب خلفية عسكرية تستحقّ التوقّف عندها. وعلى أبواب الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، تتداخل حسابات الردع مع توظيف صورة القوّة في المعركة الانتخابية، خصوصًا في إسرائيل. وتزيد هذه الإشارات احتمالات التصعيد بعد الاقتراع.
وسط هذا الانسداد، يحاول قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إبقاء منفذ دبلوماسي مفتوحًا عبر زيارته طهران. وتمنح الشراكة الدفاعية مع الرياض تحرّكه حساسية إضافية، إذ تتجاور الوساطة مع التزامات أمنية متنامية. لكن اشتراط رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف استجابة واشنطن للمقترح الإيراني بشأن مضيق هرمز لاستعادة الثقة يكشف تمسّك طهران باستثمار المضيق في المساومة، بينما تواصل الألغام والهجمات تهديد السفن. كما أبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان منير بأنّ أيّ مفاوضات تتطلّب أوّلًا أن ترفع أميركا كلّ أشكال الضغط والتهديدات والعقوبات.
ويُضاف إلى ذلك تشدّد نووي عبّر عنه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي بإبلاغه منير بأن طهران لن تسمح بخروج أيّ كمية من موادها النووية المخصّبة من البلاد، رابطًا استئناف المفاوضات بخطوات أميركية لبناء الثقة تبدأ بتنفيذ الشروط الإيرانية. وبذلك، تتمسّك طهران بإبقاء مخزونها المخصّب بنسبة 60 في المئة، القريبة من عتبة الـ 90 في المئة اللازمة لصنع قنبلة ذرية، داخل البلاد، مع اقتصار مرونتها المعلنة سابقًا على التلميح إلى إمكان خفض نسبة تخصيبه ضمن حدودها. إذًا، تُبقي كلّ هذه المواقف الإيرانية المعضلة مع أميركا قائمة، بلا أيّ بوادر للحلحلة.
وتصل ارتدادات هذا الابتزاز إلى محطات الوقود الأوروبية. فحصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال جولته الخليجية على تعهّدات بـ 200 ألف طن إضافي من الديزل شهريًّا يعبّر عن سعي عاجل إلى تأمين الإمدادات واحتواء الغلاء. غير أن شراء كمّيات إضافية يبقى علاجًا لتداعيات أزمة يتجدّد خطرها ما دامت الملاحة تحت التهديد. ومن الصواريخ الحوثية فوق السعودية إلى الألغام الإيرانية في هرمز، تبرز ضرورة كسر القدرة على احتجاز أمن المنطقة واقتصاد العالم في خدمة بقاء نظام فاقد للشرعية وأذرعه الإرهابية.