ريتا عازار

فن نسيان كل شيء بانتظام مثالي

6 دقائق للقراءة

يبدأ يومنا عادة بقرار مصيري، وهو أننا سنكون منظّمين اليوم! سنشرب كمية كافية من الماء، ونتناول الدواء في موعده، ونردّ على الرسائل، ونتسوّق، ونتصل بذلك الشخص الذي وعدناه بالاتصال به منذ ثلاثة أسابيع. لِمَ لا؟ ربما نصبح نسخة أفضل من أنفسنا!

في الساعة التاسعة، ننسى لماذا دخلنا إلى المطبخ. وفي التاسعة وخمس دقائق، نعود إليه لنبحث عن الهاتف الذي نحمله بالفعل في يدنا! وفي التاسعة وعشر دقائق، نكتشف أننا جئنا لنشرب كوبًا من الماء. نفتح الثلاجة، ونتفحص محتوياتها بجدية تضاهي جدية عالم آثار يقف أمام حضارة بائدة، ثم نغادر حاملين قطعة من الجبن.

أما الماء، فيستحق وقفة خاصة، إذ ربما يكون الأمر الوحيد الذي يحتاجه الجسم يوميًا، ومع ذلك نتعامل معه كخيار ثانوي لا ضرورة له. يمكننا قضاء ست ساعات من دون تجرّع قطرة واحدة، ثم نتعجب من الصداع وجفاف الفم، ومن مزاج يشبه مزاج ديكتاتور في أواخر عهده!

يُقال إنه ينبغي شرب ثمانية أكواب يوميًا. تستقر زجاجتنا المزوّدة بتدريجات لقياس كمية الماء وبعبارات تحفيزية فوق المكتب، ممتلئة بالماء، كأنها نصب تذكاري لقراراتنا الصائبة. وفي المساء، نفرغ محتواها لنتمكّن من تنظيفها. وهكذا، نهنّئ أنفسنا لأننا أنجزنا شيئًا أخيرًا!

أما الدواء، فهو تحفة أخرى من تحف "تنظيمنا" الداخلي. نضعه في مكان بارز، بجانب كوب الماء مباشرة، لضمان ألا يمنعنا أي تشتيت من تناوله. نمرّ أمامه سبعًا وعشرين مرّة، وننظر إليه ونحن نعلم تمامًا أنه موجود هناك، ثم ننخرط في نشاط عاجل، كالتأكد ممّا إذا كان أحدهم قد نشر صورة لوجبة غدائه، فيتوارى الدواء عن وعينا تمامًا. وعند الظهيرة، نتساءل عمّا إذا كنا قد تناولناه. يتسلّل الشك إلينا، فنفحص الطاولة والعلبة، ونحاول استرجاع أحداث الصباح. لا شيء. يرفض دماغنا التعاون مع هذا "التحقيق".


آلو مين؟

الهاتف لا ينسانا أبدًا، إذ يهتز ليذكّرنا بأن ثمة أشخاصًا ينتظرون ردًا، وأن العالم قادر على الاستمرار في الدوران من دون مشاركتنا، وهو أمر مزعج جدًا! قد ننسى الردّ على رسالة مهمّة، لكننا نجد الوقت لمشاهدة مقطع فيديو مدّته أربعون ثانية لِقطّة تسقط عن أريكة. وقد ننسى عيد ميلاد صديق، لكننا نتذكّر بدقّة اسم ممثل ظهر لثلاث ثوانٍ فقط في مسلسل عُرض عام 2008.

تحتفظ ذاكرتنا بالإهانات التي تعرّضنا لها في المرحلة الإعدادية بدقة متناهية، بينما تمحو اسم الشخص الذي قُدِّم إلينا للتو. وقد تستحضر خلافًا وقع قبل اثني عشر عامًا في منتصف مأدبة عشاء، لكنها تعجز عن تذكيرنا بسبب فتح بريدنا الإلكتروني.

المفاتيح، على سبيل المثال، طوّرت استراتيجية أشبه بحرب العصابات. نضعها في مكان ما بكل ثقة، كما يفعل شخص يعرف تمامًا ما يفعله، وبعد ثلاث دقائق، نكتشف أنها انضمّت فجأة إلى "برنامج حماية الشهود"!

نقلب الوسائد، ونزيح الصحف، ونلقي باللوم على الأطفال أو شريك الحياة أو الهرّ، وفي الحالات القصوى، نتّهم أجهزة الاستخبارات! ثم نعثر عليها في نهاية المطاف داخل الثلاجة. لا أحد يعرف كيف وصلت إلى هناك.

وتمرّ النظارات بمسار مشابه: نبحث عنها في كل مكان، مؤكّدين لأنفسنا أننا لا نستطيع فعل أي شيء من دونها، بينما هي مستقرة فوق رؤوسنا. حين نكتشف ذلك، ينتابنا مزيج من الارتياح والخجل، لكننا سرعان ما نكرّر السيناريو ذاته في اليوم التالي، وبثقة عمياء.

وهناك أيضًا تلك المهام الصغيرة التي تبدو تافهة، لكنها حين تتراكم، تشكّل ما يشبه "جهازًا إداريًا موازيًا" في حياتنا: الردّ على رسالة طبيب الأسنان، وتجديد وصفة طبية، وشراء معجون أسنان، وإخراج الغسيل من الغسالة، والتخلّص من القمامة، وشحن الهاتف، وإبلاغ أحدهم بأننا سنتأخر.


غسيل وفتوش

أما الغسيل، فيتمتع بصبر خارق للطبيعة. نلقي به في الغسالة بحماسة، ثم ننسى نشره. وفي اليوم التالي، نكتشفه رطبًا ومجعّدًا وحتى عدائيًا بعض الشيء، فنضطر إلى تشغيل دورة غسيل جديدة. وهنا، تتقبّل الغسالة، التي باتت تعرف شخصيتنا أكثر ممّا يعرفها المقرّبون منا، الأمر من دون أي تعليق.

في الأثناء، يكون الخبز الذي وضعناه لنتناوله مع طبق الفتوش قد احترق. كنا قد قررنا إعداد غداء متوازن يضم بروتينًا وخضارًا، ثم قررنا التحقق من الأحوال الجوية، وهو أمر بالغ الأهمية، فنظرنا من النافذة... وإذا بالخبز قد أصبح أسود كالفحم، والفتوش يكاد يعلن الحداد! نواسي الخبز بكشط جزئه المحترق بسكين فوق حوض المطبخ، كأننا نرمّم عملا فنيًا تالفًا، ثم نتناوله ونحن واقفون، متظاهرين بأن هذا بالضبط ما كنا نريده.

كما ننسى تناول الطعام في وقته، ثم نتعجّب من رغبتنا العارمة في التهام كل ما في الثلاجة عند الساعة العاشرة والنصف مساءً. في تلك اللحظة، يصبح الفتوش آخر همومنا، فنحن نريد الجبن والخبز والبسكويت وتفسيرًا لوجودنا.


حلم النوم المبكر

ولا ينجو النوم من هذه المسرحية الهزلية. طوال اليوم، نحلم بالذهاب إلى الفراش مبكرًا، ونتخيّل أمسية هادئة مع كتاب ومشروب ساخن وثماني ساعات من الراحة. لكن في الساعة العاشرة وثلاث دقائق، نشغّل مقطع فيديو. وفي الساعة العاشرة وأربعين دقيقة، نتعرّف على كيفية نقل الفراعنة لأحجار أهراماتهم. وعند الساعة الثانية عشرة وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل، نشاهد رجلا يصلح محمصة خبز في مرأبه. وفي الساعة الواحدة صباحًا، نشعر بالاستياء لأننا لا نملك ما يكفي من الوقت لأنفسنا.

أما في اليوم التالي، فنلقي باللوم على قلّة النوم، بوصفها السبب وراء ضعف تركيزنا، وهي فرضية تستحق على الأرجح تشكيل لجنة تحقيق دولية. لكن الأمر الأكثر لفتًا للانتباه في كل هذا هو قدرتنا على نسيان ما قد ينفعنا، بينما نظل نتذكّر بدقة ما يضرّنا. ننسى شرب الماء، لكننا لا ننسى أبدًا القلق. ننسى أخذ استراحة، لكننا لا ننسى متابعة الأخبار التي تثير التوتر. ننسى التنفس بعمق، لكننا نحتفظ في ذاكرتنا بكل جملة غير موفّقة تفوّهنا بها أمام غرباء. ننسى الاعتناء بأنفسنا، ثم نلوم ذواتنا لأن حالنا لا يتحسن. ومع ذلك، قد نقف أمام خزانة لمدة خمس عشرة دقيقة من دون أن نتذكّر ما الذي جئنا لنبحث عنه فيها.

تفرض علينا الحياة العصرية أن نكون كالآلات. لكن أدمغتنا، التي لم توقّع قط على هذا "العقد"، تبدي مقاومة صامتة، فهي تضيّع المعلومات، وتُعلّق العمليات، وتغلق أبوابها أحيانًا تمامًا من دون سابق إنذار.

ربما يجدر بنا أن نغفر لها. لذا، سنحاول غدًا بطريقة مختلفة: سنشرب الماء، ونتناول أدويتنا وفقًا للتعليمات، ونردّ على الرسائل، وننشر الغسيل، ونشتري معجون أسنان، ونخلد إلى النوم مبكرًا. بل سندوّن كل ذلك في قائمة، ثم سنبحث عن هاتفنا لتصويرها، لننسى بعدها أين حفظناها، ونقضي عشرين دقيقة أخرى في البحث عن نظاراتنا. وإذا نسينا مجددًا، فلا بأس. غالبًا ما سيتذكّر عقلنا الأمر في الأوقات غير المناسبة، ربما في الثالثة صباحًا، بينما الجميع نائمون، ليخبرنا فجأة وبدقة مرعبة أننا نسينا إخراج الدجاج من "الفريزر". هكذا هي الحياة، لا يمكننا تذكّر كل شيء. 

بالمناسبة... هل شربنا الماء اليوم؟