مرة أخرى ينام اللبنانيون على شريط «عاجل». هيئة البث الإسرائيلية تُبلغنا، بلا مواربة، أن جبهة لبنان ستشهد موجة من الهجمات العسكرية خلال الساعات المقبلة. هكذا، ببرودة، كأنها نشرة طقس. وقبل ذلك بأيام، على حاجز ضهر البيدر، أوقفت قوى الأمن الداخلي سيارة تحمل نصف طن من المتفجرات: مئتان وخمسون كيلوغراماً من الـTNT، ومثلها من الـC4. لن أسأل لمن هذه المتفجرات، فقد تبرّع أصحابها بالجواب. السؤال الذي يعنيني أبسط وأخطر: من يقرّر الحرب في هذا البلد؟ وهل يحمي نصف الطن هذا الجنوب وأهله، أم يقدّم لإسرائيل ما تبحث عنه منذ زمن، أي الذريعة؟
ولا يحقّ لأحد أن يستخفّ بقلق اللبنانيين. فحين تُضبط متفجرات بهذا الحجم على الطريق إلى العاصمة، تستعيد الذاكرة تلقائياً سنوات السيارات المفخخة والاغتيالات التي أدمت هذا البلد. لا أتّهم أحداً، فالاتهام للقضاء وحده، لكنني أرفض أن يُطلب من الناس أن يصدّقوا الروايات على كلمة شرف. الشفافية وحدها تُطفئ الخوف، والكتمان يغذّيه.
اعترف حزب الله بملكية الشحنة، وقال نائبه حسن فضل الله إنها معدّة لمواجهة إسرائيل. حسناً. لكن طريق الجنوب لا تمرّ عادةً من ضهر البيدر نزولاً نحو بيروت، وقد تحدّثت أكثر من رواية عن وجهة أخرى. ثم جاء الكلام عن «فخّ»، وعن مهلة ثمانٍ وأربعين ساعة لاستعادة الشحنة بالتي هي أحسن. أيّ منطق هذا؟ أن تطلب من الدولة أن تعيد إليك ما ضبطته على حاجزها، يعني أن تطلب منها أن توقّع بيدها على تنازلها عن ذاتها. وأن تهدّد الحكومة لأنها طبّقت قرارها، يعني أنك لم تقرأ بعدُ ما تغيّر حولك.
وخبر هيئة البث، في ذاته، رسالة قبل أن يكون معلومة. إنها حرب الأعصاب في أوضح صورها: أن يحدّد العدو موعد ضرباته ويُعلنه، فيما يبحث اللبناني عن أخبار بلده في نشرات الآخرين. على المسؤولين في حزب الله أن يعلموا، بكل احترام لتضحيات الجنوب وشهدائه: الزمن تغيّر. قرار حصر السلاح بيد الدولة لم يعد جملة إنشائية في بيان وزاري، بل التزاماً أمام اللبنانيين قبل الخارج. لقد عرفنا في الجبل، وفي غير الجبل، كيف يبدأ السلاح دفاعاً وينتهي عبئاً على أهله. آلاف الضحايا منذ آذار الماضي، وقرى جنوبية محيت عن الخريطة، دليل كافٍ على أن معادلة الردع سقطت. ما تبقّى هو الدولة. وليس أمام الحزب إلا أن يكون جزءاً منها، لا وصيّاً عليها ولا بديلاً منها.
فيما يجب أن يتمحور الضغط العالمي على اسرائيل لإيصال الرسالة التالية: التهويل بإخلاء الضاحية وتهجير مليون لبناني لن يصنع لكم أمناً ولا سلاماً. لقد جربت اسرائيل الاجتياح عام 1982، فخرج من رحم الاحتلال كل ما يشكون منه اليوم. والمفاوضات القائمة برعاية أميركية هي الممرّ الوحيد إلى الاستقرار، والغارات اليومية على النبطية ومرجعيون تنسفها قبل أن ينسفها أحد. لكنني لا أملك أوهاماً: إسرائيل لا تحتاج إلى ذريعة كي تضرب. غير أن الحكمة تقتضي ألا نقدّمها لها على طبق، فكيف إذا كان الطبق نصف طنّ؟
وإلى فخامة الرئيس ودولة رئيس الحكومة: الحزم مطلوب، والمغامرة ممنوعة. التحقيق يجب أن يُستكمل أمام القضاء المختص بشفافية كاملة، بلا تسويات تحت الطاولة ولا استعراضات فوقها. الجيش هو الضمانة الوحيدة، فلا تدفعوه إلى مواجهة داخلية لم يُخلق لها، ولا تتركوه أعزل أمام مهمة أكبر من إمكاناته. نحن جيلٌ تربى على تخويفنا من العام 1975، ويذكر بشكل مستمر بحرب الجبل، ويذكر كم كانت الكلفة باهظة حين ضاعت الدولة بين المحاور. ولا نريد لأبنائنا أن يتعلّموا الدرس نفسه بالدم مرة أخرى.
ثم إن الوقت ليس في صالحنا. ولاية اليونيفيل تنتهي مع نهاية هذا العام، والجنوب مقبل على فراغ دولي إن لم يُملأ بالجيش وبصيغة أممية أو أوروبية بديلة. زيارة الوزيرين الفرنسيين، والمؤتمر الموعود لدعم الجيش، واهتمام قطر والأشقاء العرب، كلها فرص يجب ألا تضيع في زواريب الحسابات الصغيرة. من يريد دعم العالم، عليه أن يقدّم للعالم دولة واحدة، بقرار واحد، وسلاح واحد. وليُقَل بوضوح: لا أحد في العالم سيموّل جيشاً لا يُسمح له بممارسة مهامه كاملة، ولا أحد سيرسل قوة دولية لتقف متفرّجة بين سلاحين. الدعم مشروط بالقرار، والقرار عندنا نحن، لا عند سوانا.
ويبقى العنوان الإقليمي، وهو الأخطر. لا يُعقل أن يبقى لبنان صندوق بريد في أي مواجهة محتملة بين طهران وتل أبيب. التهديد الإسرائيلي المعلن ربط مصير الضاحية بانضمام الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل. وهنا لا يجوز أن يُتّخذ القرار في طهران، ولا أن يُفرض من تل أبيب. القرار يجب أن يكون في بيروت. وحدها بيروت. وإلا فإن اللبنانيين سيدفعون، مرة جديدة، ثمن حروب الآخرين على أرضهم.
وفي الداخل، لا بدّ من كلمة للجنوبيين الصامدين. هؤلاء الذين يقطفون زيتونهم تحت المسيّرات، ويدفنون أبناءهم بين غارتين، يستحقّون دولة تعيد إعمار قراهم، لا خطابات تعدهم بجولات جديدة. ولا إعمار بلا ثقة دولية، ولا ثقة بلا قرار سيادي واحد. وقد تعلّمنا في الجبل، بعد سنوات الدم والمصالحة، أن الجماعة التي تشعر بالحصار تحتاج إلى شركائها في الوطن، لا إلى سلاح إضافي. فلنفتح باب الحوار الوطني الهادئ حول دعوة الاخر دون كراهية، وفوق الجراح، الى الانضواء تحت سقف الدولة، قبل أن يُغلقه الآخرون علينا بالنار.
قد تأتي الموجة الليلة، وقد تتأخر أياماً. لا أحد يملك الجواب، وربما لا يملكه حتى من أذاع الخبر. لكن الثابت أن نصف طنّ من المتفجرات لا يحمي وطناً، وأن مليون مهجّر لا يصنعون أمناً لأحد. الأفق الوحيد المتاح أمامنا: دولة تحتكر السلاح، وجيش يُدعَم بلا تردّد، ومفاوضات تُخاض بعقل بارد وأعصاب ثابتة. أما ما عدا ذلك، فتفاصيل… ودم.