عيسى يحيى

"الحزب" من الحفاظ على السلاح إلى الحفاظ على بيئته

3 دقائق للقراءة
أولوية "حزب الله" حماية البيئة التي تحمي سلاحه

فرضت الأحداث العكسرية التي يمرّ بها "حزب الله"، والضغوط المتزايدة التي تختبرها طهران، واقعًا جديدًا تجاوزت فيه التحديات العسكرية لتصيب الهيكل التنظيمي والاجتماعي لـ"الحزب" في الصميم. وأمام الخوف من أي انزلاق نحو حرب إسناد جديدة، انتقل "الحزب" بوعي كامل نحو معادلة استراتيجية جديدة عنوانها: من الحفاظ على السلاح إلى الحفاظ على بيئته.

يدرك "حزب الله" اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن ترسانته الحقيقية لم تعد مخبأةً في الأنفاق، بل في صلابة البيئة ومجتمعه الحاضن، فالقوة العسكرية تستمد أولا وأخيرًا من شرعية البيئة وقدرتها على التحمل، وإذا ما انفضت هذه البيئة تحت وطأة العوز والنزوح، يسقط الردع تلقائيًا. وعليه، لم يكن إعلان "الحزب" الأخير، عن إطلاق مشروع دفع بدلات الإيواء عبر القرض الحسن مجرد خطوة إنسانية أو إغاثية روتينية، بل كانت خطوة سياسية وجهت رسائل مشفرة في اتجاهات عدّة.

ففي الصالونات المغلقة داخل البيئة، بدأت الأصوات تخرج عن صمتها المعهود، وبدأت التساؤلات تُطرح حول توقّف المساعدات والدعم بعد عامين من المعاناة، باستثناء دفعة يتيمة، ما دفع الناس إلى حافة العجز عن تحمّل كلفة الإيجارات الملتهبة وتأمين متطلبات الحياة اليومية، حيث جاء التدفّق المالي الأخير ليعمل كإبرة مورفين سياسية عاجلة لامتصاص هذا الغضب.

وكانت الرسالة إلى الداخل الحاضن أيضًا بأن "الحزب" لم يترك ناسه رغم جراحه، وإلى الخصوم في الداخل والخارج لدحض سردية الإفلاس والانهيار التنظيمي. وأراد "حزب الله" قولها بوضوح: خطوطنا المالية مع طهران لا تزال مفتوحة، ومؤسساتنا الرديفة قادرة على الحركة والوفاء بالالتزامات.

ولأن التحول نحو البيئة لا يقتصر على الشق المالي، كانت رسائل الهيبة وفائض القوة على الأرض، لإعادة بث الطمأنينة النفسية ومنع اهتزاز الصورة الرمزية لـ"الحزب" كقوة مهيمنة، فجاءت عرقلة مداهمة مستودع الأدوية في بيروت، والتحركات الأمنية غير الظاهرة، والقمصان السود، والإصرار الضمني على إبلاغ مؤسسات الدولة والجيش بأن الدخول إلى أي منطقة تابعة لـ"حزب الله" يتطلب تنسيقًا مسبقًا. كلها مؤشرات يعمل "الحزب" عليها لقطع الطريق على الإيحاء بأن الدولة قد ورثت نفوذه، وأن غيابه العسكري على الحدود لا يترجم ضعفًا في الداخل.

يعلم "حزب الله" ومن خلفه طهران، أن السلاح والترتيبات الأمنية على الحدود وفي الداخل هي أوراق مطروحة حتمًا على طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية، سواء عبر تسوية إيرانية أميركية، أو ترتيبات محلية برعاية دولية. وعليه في حال فرضت الظروف الإقليمية أي تسوية تؤدي إلى تحجيم وظيفة السلاح أو إعادة تموضعه، فإن "الحزب"، يريد الدخول إلى اليوم التالي وهو ممسك بالبيئة الديمغرافية والاجتماعية بالكامل، من دون أن يكون هناك شرخ بينهما نتيجة الممارسات الخاطئة في ملفات الإسناد أو التعويضات وغيرها. فالحفاظ على البيئة هو الأصل والورقة الرابحة، ومن يمتلك الشارع المنظم يمسك بمفاتيح الإعمار والإيواء، ويمتلك فيتو سياسي على أي تركيبة سياسية جديدة بغض النظر عن مصير الصواريخ.

انتقل ثقل معركة "حزب الله" من الجبهات الحدودية إلى الجبهة الداخلية، ولم تعد الأولوية كيفية حماية مخازن السلاح، بل كيفية حماية المجتمع الذي يحمي السلاح، ونجاحه أو فشله في إدارة ملف التعويضات والإيواء، والسيطرة على الانتقادات في الصالونات ووسائل التواصل، هو الذي يحدد حجم "الحزب" ودوره في المرحلة المقبلة، فانهيار البيئة أشد فتكًا من أي ضربة عسكرية.