سبق للكاتب أن توسع في مضمون إتفاق الإطار 2026 بقراءات قانونية نشرت بتاريخ سابق في «نداء الوطن» بعنوان «قراءة قانونية للإتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل الموقع في واشنطن 2026 (جزء أول)»، و«قراءة قانونية لإتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل 2026: التحليل القانوني للمواد 1 الى 3 (جزء ثان)»، أما في القراءة الحاضرة فيعالج في الجزء الثالث مضمون المادتين 4 و5 منه، على أن يستكمل تحليل المواد المتبقية تباعاً، إذا أمكن.
المادة 4: إعادة بناء السيادة واحتكار الدولة لاستخدام القوة
تُعد المادة الرابعة من أكثر مواد الاتفاق الإطاري كثافة من الناحية القانونية، لأنها لا تقتصر على تقرير التزامات متبادلة بين لبنان وإسرائيل، بل تتناول مسألة تمس جوهر ممارسة الدولة لسيادتها، وهي حصرية السلطة العامة في ممارسة الوظائف العسكرية والأمنية داخل الإقليم الوطني. فالمادة لا تقتصر على الإشارة إلى نزع سلاح جماعة مسلحة معينة، وإنما تضع هدفاً أوسع يتمثل في إعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة، ونزع السلاح الكامل والموثق لجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية، ومنع أي دور عسكري أو أمني أو قدرات مسلحة لهذه الجماعات في أي مكان في لبنان. ومن ثم، فإن تحليلها يقتضي بحث مفهوم السيادة، ومبدأ وحدة السلطة العامة، وطبيعة الالتزام الواقع على الدولة اللبنانية، ومسألة نزع السلاح، وأخيراً حدود الاستعانة بالشركاء الدوليين. تبدأ المادة الرابعة بما يلي: «تؤكد حكومة لبنان مجدداً التزامها الراسخ والثابت باستعادة السيادة الكاملة على كامل أراضيها وممارستها» وتكتسب عبارة «تؤكد مجدداً» أهمية قانونية، لأنها توحي بأن الالتزام باستعادة السيادة لا ينشأ للمرة الأولى بموجب الاتفاق الإطاري، وإنما يمثل التزاماً قائماً سابقاً عليه، من هنا يأتي الاتفاق ليعيد تأكيده وربطه بآليات تنفيذية محددة. فالسيادة الإقليمية ليست امتيازاً تمنحه دولة لدولة أخرى، وإنما هي من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي. وقد نصت المادة 2/1 من ميثاق الأمم المتحدة صراحة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها، كما تحظر المادة 2/4 التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة (1). ومن ثم، فإن إعادة تأكيد لبنان لسيادته على كامل أراضيه لا يمكن تفسيرها، من حيث الأصل، على أنها اكتساب لحق جديد، بل كتأكيد لحق أصيل قائم في القانون الدولي. ولكن ينبغي هنا التمييز بين السيادة القانونية (de jure sovereignty) وبين القدرة الفعلية على ممارسة مظاهر السلطة الحكومية، فقد تبقى الدولة صاحبة السيادة القانونية على إقليم معين رغم عجزها المؤقت عن ممارسة جميع وظائفها فيه. ولا يعني وجود هذا العجز، بذاته، زوال الشخصية الدولية للدولة أو انتقال السيادة إلى جهة أخرى، وقد عالجت محكمة العدل الدولية هذه المسألة في عدد من القضايا المتعلقة بالسيادة الإقليمية والاحتلال، مؤكدة أهمية التمييز بين العنوان القانوني إلى الإقليم وبين السيطرة الفعلية عليه(2). ويؤكد جايمس كراوفرد أن مفهوم الدولة في القانون الدولي يرتبط بوجود إقليم وسكان وحكومة قادرة على ممارسة وظائفها، مع التأكيد على أن فعالية الحكومة لا ينبغي الخلط بينها وبين وجود الشخصية الدولية للدولة ذاتها(3). وعليه، فإن عبارة «استعادة السيادة الكاملة» في المادة الرابعة ينبغي ألا تفهم على أن لبنان فقد سيادته القانونية على أجزاء من أراضيه، وإنما على أنه يسعى إلى استعادة القدرة الفعلية والكاملة على ممارسة وظائف الدولة فيها. كما تنص المادة 4 على أن الحكومة اللبنانية «ستعمل على إعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة»، من هنا، لا يستخدم القانون الدولي العام، في صيغته التقليدية، مصطلح «احتكار الدولة للقوة» بالمعنى السوسيولوجي الذي اشتهر به ماكس ويبير (4)، إلا أن الفكرة التي يعبر عنها المصطلح ترتبط بصورة وثيقة بمبدأ السيادة الإقليمية وبوحدة السلطة العامة. ويذهب الفقه الحديث إلى أن الدولة، بوصفها السلطة العامة صاحبة الاختصاص الإقليمي، ينبغي أن تكون قادرة على ممارسة وظائفها الأساسية، بما فيها حفظ الأمن وإنفاذ القانون والدفاع عن الإقليم(5)، ومن هنا فإن وجود قوة مسلحة مستقلة عن أجهزة الدولة لا يؤدي بحد ذاته إلى زوال سيادة الدولة أو شخصيتها الدولية، لكنه قد يؤدي إلى تقييد قدرتها الفعلية على ممارسة اختصاصاتها السيادية.
يطرح السؤال التالي: هل تنشئ المادة التزاماً جديداً ؟ في تقدير الكاتب، لا ينبغي اعتبار الالتزام الوارد في هذه الفقرة منشئاً لمبدأ قانوني جديد، فقد سبق لمجلس الأمن أن أكد في القرار 1701 لعام 2006 أهمية ألا تكون هناك أسلحة أو سلطة في لبنان غير تلك التابعة للدولة اللبنانية، كما دعا إلى نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان وفقاً لاتفاق الطائف والقرارات الدولية ذات الصلة(6)، وبالتالي فإن المادة الرابعة تقوم بوظيفة مزدوجة، من جهة، تأكيد التزام لبناني سابق في إطار النظام الدستوري والقرارات الدولية، ومن جهة اخرى، إدخاله في إطار تعاقدي ثنائي يرتبط بتنفيذ الاتفاق الإطاري. وهذا التمييز مهم، لأن تحويل الالتزام العام إلى التزام تعاهدي قد يعطيه، من الناحية القانونية، إطاراً جديداً للمطالبة بالتنفيذ بين أطراف الاتفاق. أما بالنسبة لنزع السلاح الكامل والموثق للجماعات المسلحة غير الحكومية، تنص المادة المذكورة على «تحقيق نزع السلاح الكامل والموثق لجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية…»، وهذه العبارة هي الأكثر حساسية في المادة الرابعة، فهل هو التزام بنتيجة أم التزام ببذل عناية؟ يثير النص مسألة دقيقة في قانون مسؤولية الدول: هل التزام لبنان هو تحقيق النتيجة النهائية، أم بذل جميع الوسائل المعقولة لتحقيقها؟ يميّز الفقه الدولي بين obligations of result وبين obligations of conduct/due diligence، وقد أكدت لجنة القانون الدولي أن طبيعة الالتزام هي التي تحدد معيار تقييم الامتثال(7). وفي تقدير الكاتب، ينبغي عدم تفسير النص على أنه يجعل الدولة اللبنانية مسؤولة مسؤولية مطلقة عن كل قطعة سلاح أو كل نشاط مسلح يوجد في الأراضي اللبنانية، بصرف النظر عن قدرة الدولة الواقعية على اكتشافه أو السيطرة عليه. والتفسير الأقرب إلى مبادئ مسؤولية الدول هو أن لبنان الرسمي يلتزم جديًا ببذل جميع الوسائل القانونية والأمنية والإدارية المعقولة والفعالة لتحقيق النتيجة المطلوبة، مع مراعاة قدرته الفعلية والظروف المحيطة. وهذا التفسير ينسجم مع مفهوم العناية الواجبة (due diligence) في القانون الدولي، الذي يفرض على الدولة اتخاذ التدابير المعقولة لمنع أو إنهاء بعض الأفعال غير المشروعة الواقعة ضمن ولايتها(8). إلا أن استعمال كلمة «الكامل» يرفع مستوى الالتزام بصورة ملحوظة، فالنص لا يتحدث عن الحد من السلاح أو تقليص القدرات العسكرية، بل عن نزع السلاح الكامل، وهذا يجعل النتيجة النهائية محددة بوضوح أكبر، حتى لو كان الوصول إليها يتطلب من الدولة اللبنانية مراحل وإجراءات متعددة. أما إضافة كلمة «الموثق» فهي ذات أهمية خاصة، فهي تعني أن مجرد إعلان الحكومة اللبنانية نجاح عملية نزع السلاح لا يكفي بالضرورة، بل ينبغي أن تكون النتيجة قابلة للتحقق والإثبات وفق آلية موضوعية، وهنا تبرز أهمية مفهوم التحقق (verification)، وهو مفهوم معروف في الاتفاقات الدولية المتعلقة بنزع السلاح والحد من التسلح، حيث لا يكتفى بالتزام الدولة وإنما تنشأ آليات للتحقق من التنفيذ(9). في نفس الوقت، لا تحدد المادة الرابعة نفسها الجهة التي تقوم بالتوثيق، معيار الإثبات، طريقة التحقق، ما إذا كان التحقق لبنانياً أم دولياً، وما إذا كان للولايات المتحدة أو لأي دولة أخرى حق إصدار حكم نهائي بشأن تحقق الشرط، وهذه ثغرة تفسيرية مهمة ينبغي ذكرها في هذا التحليل. بالاضافة لما سبق، تتجاوز المادة مجرد مسألة السلاح المادي، إذ تنص على «ضمان عدم وجود أي دور عسكري أو أمني أو قدرات مسلحة لهذه الجماعات في أي مكان في لبنان»، وهذا توسع واضح في نطاق الالتزام، فالنص لا يحظر امتلاك الأسلحة فقط، بل يشمل الدور العسكري، الدور الأمني، القدرات المسلحة والبنية الوظيفية التي تسمح باستمرار وجود قوة مسلحة مستقلة عن الدولة. ومن الناحية القانونية، فإن هذا يعني أن المعيار ليس كمية السلاح الموجودة فقط، وإنما وجود قدرة مستقلة عن الدولة على ممارسة الوظائف العسكرية أو الأمنية. وهنا تظهر إشكالية عملية مهمة: ما المقصود تحديداً بـ«الدور الأمني»؟ هل يشمل مثلاً جمع المعلومات، حماية مناطق معينة، التحقيق، الاحتجاز، نقاط التفتيش، الحضور المسلح، الأجهزة الأمنية غير الرسمية وغيرها... لا تجيب المادة 4 عن هذه الأسئلة، الأمر الذي يجعل تفسيرها مرتبطاً لاحقاً بالملحق الأمني وآليات التنفيذ. كما تضيف المادة عبارة شديدة الاتساع «في أي مكان في لبنان»، وهذه العبارة تعني أن الالتزام ليس محصوراً بجنوب لبنان، وهذه نقطة تستحق التوقف عندها: فالمادة الثالثة، كما سبق أن بحث الكاتب في الجزء الثاني، تركز بدرجة كبيرة على مناطق تجريبية وإعادة الانتشار في مناطق محددة، بينما المادة الرابعة تضع التزاماً ذا نطاق وطني شامل. ومن ثم، لا ينبغي تفسير المادة الرابعة على أنها مجرد ترتيبات أمنية خاصة بالجنوب، بل باعتبارها التزاماً يتعلق بالبنية العسكرية والأمنية للدولة اللبنانية بأكملها. وهذا يفسر لماذا ترتبط المادة الرابعة بالمادتين السادسة والتاسعة، اللتين تتناولان بصورة أوضح حصرية مسؤولية الدولة اللبنانية عن الأمن والدفاع. وتنتهي المادة بالقول «وتطلب حكومة لبنان دعم الشركاء الدوليين، ولا سيما العرب، بقيادة الولايات المتحدة، لتحقيق هذه الغاية» و تثير هذه العبارة مسألة مهمة تتعلق بالعلاقة بين السيادة والاستعانة الدولية، فطلب دولة ذات سيادة المساعدة من دول أخرى لا يمثل، في ذاته، تنازلاً عن سيادتها، بل إن القانون الدولي يعرف صوراً متعددة للتعاون والمساعدة الدولية التي تتم بناءً على موافقة الدولة المعنية. ويختلف ذلك جذرياً عن تدخل دولة أجنبية في إقليم دولة أخرى دون موافقتها، وهو ما يتعارض، من حيث الأصل، مع مبدأ عدم التدخل المنبثق عن المادة 2/7 من ميثاق الأمم المتحدة(10)، وعليه، فإن طلب لبنان للمساعدة الدولية لا يمكن، في حد ذاته، وصفه بأنه نقل للسيادة. والسؤال الذي يطرح هنا، ما حدود الدور الأميركي؟ يجب التمييز بين ثلاثة مستويات: المساعدة الفنية والمالية، التحقق والوساطة السياسية، وممارسة صلاحيات تنفيذية داخل لبنان. يمكن تصور المستويين الأول والثاني في إطار موافقة الدولة اللبنانية، أما المستوى الثالث، أي منح دولة أجنبية سلطة مباشرة في تقرير من يحمل السلاح أو في إدارة الأمن الداخلي، فيحتاج إلى أساس قانوني وموافقة لبنانية واضحة، وإلا أثيرت مسألة التعارض مع مبدأ السيادة وعدم التدخل. وهذا يجعل عبارة «بقيادة الولايات المتحدة» من العبارات التي تستحق تحديداً أكثر دقة في الملحق الأمني.
ما هي العلاقة بين المادة الرابعة والقرار 1701؟
لا يمكن تحليل المادة الرابعة بصورة معزولة عن القرار 1701، فالقرار الصادر عن مجلس الأمن في 11 آب 2006 دعا إلى عدم وجود أي أسلحة أو سلطة في لبنان غير تلك التابعة للدولة اللبنانية، وإلى تنفيذ اتفاق الطائف والقرارات السابقة ذات الصلة بنزع سلاح الجماعات المسلحة(11)، ومن ثم، فإن جانباً كبيراً من مضمون المادة الرابعة يمكن فهمه باعتباره إعادة صياغة تعاقدية لمبدأ سبق أن أقره مجلس الأمن، غير أن الفارق الأساسي هو أن القرار 1701 قرار صادر عن مجلس الأمن في إطار الفصل السادس والسياق المختلط للقرار، في حين أن المادة الرابعة، إذا اعتُبرت جزءاً من اتفاق دولي ملزم، تضع الالتزام أيضاً ضمن العلاقة القانونية المباشرة بين طرفي الاتفاق.
هل تمثل المادة الرابعة تنازلاً لبنانياً عن السيادة؟
في تقدير الكاتب، لا يصح وصف المادة الرابعة، بذاتها، بأنها تنازل عن السيادة اللبنانية، فالطلب من الدولة أن تبسط سلطتها على كامل إقليمها وأن تحصر القوة المسلحة بالمؤسسات الرسمية هو، من حيث المبدأ، تأكيد للسيادة وليس تنازلاً عنها. والأدق قانوناً أن يقال إن المادة الرابعة تفرض على لبنان التزامات تتعلق بكيفية ممارسة سيادته، لكنها لا تنقل السيادة إلى إسرائيل أو الولايات المتحدة، وهذا تمييز أساسي، فالتنازل عن السيادة يفترض انتقال اختصاص إقليمي أو سلطوي إلى دولة أخرى، بينما المادة الرابعة لا تنص على انتقال السيادة إلى أي طرف أجنبي. لكن ذلك لا يمنع من نقد كيفية تنظيم الالتزام، ولا سيما إذا أدى الملحق الأمني لاحقاً إلى منح طرف أجنبي سلطة فعلية في تحديد مدى ممارسة لبنان لاختصاصاته السيادية. كملاحظة نقدية أساسية، يرى الكاتب أن نقطة القوة الأساسية في المادة الرابعة هي أنها تربط التسوية باستعادة سلطة الدولة اللبنانية، وهو هدف ينسجم في جوهره مع مبدأ السيادة ووحدة السلطة العامة، لكن نقطة الضعف تكمن في أن النص يستخدم عبارات واسعة جداً من دون تحديد آليات تنفيذية دقيقة، ولا سيما نزع السلاح الكامل، الموثق، أي دور عسكري أو أمني، في أي مكان في لبنان، بدعم … بقيادة الولايات المتحدة... ومن ثم، فإن القيمة القانونية الحقيقية لهذه العبارات ستعتمد إلى حد كبير على الملحق الأمني وعلى الآلية التي ستحدد من يقرر أن لبنان نفذ التزاماته أو لم ينفذها. وهنا تظهر مسألة شديدة الأهمية، إذا كان تحديد تحقق نزع السلاح شرطاً لبدء الانسحاب الإسرائيلي بموجب المادة الثالثة، فإن الجهة التي تتحقق من تحقق هذا الشرط تمتلك، بصورة غير مباشرة، قدرة مؤثرة على تحديد توقيت استعادة لبنان لسيطرته الكاملة على المناطق المعنية. وهذه ليست مسألة تقنية محضة، بل مسألة تمس ممارسة السيادة اللبنانية نفسها.
كخلاصة، يمكن تلخيص الموقف القانوني من المادة الرابعة في أربع نتائج:
أولاً، لا تتنازل المادة عن السيادة اللبنانية، بل تؤكد هدف استعادتها وممارستها بصورة كاملة. ثانياً، الالتزام باحتكار الدولة للقوة لا يمثل، في جوهره، التزاماً جديداً، وإنما يعيد تأكيد مبدأ يتصل بالسيادة وبالتزامات لبنان الدولية، ولا سيما في إطار القرار 1701.ثالثاً، نزع السلاح الكامل والموثق يمثل التزاماً بالغ الأهمية، لكن تقييم امتثال لبنان له ينبغي أن يأخذ في الاعتبار طبيعة الالتزام وقدرة الدولة الفعلية على تنفيذه، وعدم تحويله إلى مسؤولية مطلقة عن كل نشاط مسلح لا تستطيع الدولة السيطرة عليه بصورة معقولة. رابعاً، أخطر نقطة قانونية ليست في مبدأ حصر السلاح بالدولة، بل في آلية التحقق من تنفيذه وربط ذلك بإعادة الانتشار الإسرائيلي. فإذا أعطي طرف أجنبي، بصورة فعلية، سلطة تحديد ما إذا كانت شروط استعادة لبنان لسيطرته قد تحققت، فإن ذلك يستوجب تدقيقاً شديداً في حدود هذا الدور وفي مدى توافقه مع مبدأ السيادة وعدم التدخل.
المادة 5: الأساس القانوني للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وإنهاء الوجود العسكري، والإعلان بعدم وجود مطامع إقليمية
تمثل المادة الخامسة نقطة تحول مهمة في بنية اتفاق الإطار، لأنها تتناول بصورة مباشرة الأساس الذي تستند إليه حكومة إسرائيل في تفسير عملياتها العسكرية في لبنان، كما تربط انتهاء الحاجة المستقبلية إلى العمل أو الوجود العسكري الإسرائيلي بتحقق مجموعة من الشروط الأمنية، قبل أن تختتم بإعلان إسرائيلي صريح عن عدم وجود مطامع إقليمية في لبنان. وتكتسب هذه المادة أهمية خاصة لأنها تلامس بصورة مباشرة القواعد الأساسية التي تحكم استخدام القوة في القانون الدولي، ولا سيما مبدأ حظر استخدام القوة المنصوص عليه في المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة، والاستثناء المتعلق بحق الدفاع عن النفس في المادة 51، فضلاً عن المسألة الأكثر إثارة للجدل في القانون الدولي المعاصر، وهي مدى جواز ممارسة الدفاع الشرعي ضد هجمات صادرة عن جماعات مسلحة من غير الدول. كما تثير المادة مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في القيمة القانونية للإعلان الأحادي الصادر عن إسرائيل بعدم امتلاكها أي مطامع إقليمية في لبنان، وما إذا كان يمكن أن تكون لهذا الإعلان آثار قانونية مستقلة أو تفسيرية(12). بدايةً، ما هو التكييف القانوني لعبارة «العمليات العسكرية هي نتيجة مباشرة للهجمات والتهديدات والنوايا العدائية»؟ تبدأ المادة الخامسة بالنص على أن «تؤكد حكومة إسرائيل أن عملياتها العسكرية في لبنان هي نتيجة مباشرة للهجمات والتهديدات والنوايا العدائية للجماعات المسلحة غير الحكومية، ولا سيما حزب الله»، ومن الناحية القانونية، لا ينبغي تفسير هذه العبارة على أنها حكم موضوعي صادر عن طرفي الإطار بشأن مشروعية جميع العمليات العسكرية الإسرائيلية السابقة، وإنما تبدو، في صياغتها الحالية، أقرب إلى تسجيل الموقف القانوني والأمني الذي تتبناه الحكومة الإسرائيلية بشأن أساس تلك العمليات. وهنا يجب التمييز بين أن يسجل نص دولي موقف دولة من مسألة قانونية، وأن يتضمن النص اعترافاً صريحاً من الطرف الآخر بصحة هذا الموقف، فمجرد إدراج الموقف الإسرائيلي في وثيقة مشتركة لا يعني بذاته أن لبنان قد أقرّ بأن كل استخدام للقوة قامت به إسرائيل كان مشروعاً بموجب القانون الدولي، ما لم تكشف صياغة الوثيقة أو ظروف إبرامها عن قصد مشترك في اعتماد هذا التكييف(13). وهذا التمييز مهم جداً، لأن المادة 31 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تفرض تفسير المعاهدة بحسن نية وفق المعنى العادي لألفاظها وفي سياقها وفي ضوء موضوعها وغرضها، مع الأخذ في الاعتبار، ضمن أمور أخرى، أي اتفاق لاحق أو ممارسة لاحقة تكشف عن اتفاق الأطراف بشأن تفسيرها(14). وعليه، لا يبدو من السليم قانوناً اعتبار المادة الخامسة بمثابة إقرار لبناني بمشروعية العمليات العسكرية الإسرائيلية السابقة، ما لم تدل أحكام أخرى في الإطار أو ظروف إبرامه على قصد مختلف. كما تثير المادة الخامسة سؤالاً مركزياً في القانون الدولي المعاصر: هل يمكن لدولة أن تستند إلى هجمات جماعات مسلحة من غير الدول لتبرير استعمال القوة داخل إقليم دولة أخرى؟ تنبع أهمية السؤال من أن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تقرر «الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، إذا وقع هجوم مسلح»، دون أن تفصل صراحة في مسألة مصدر الهجوم عندما يكون فاعله جماعة غير حكومية(15). في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الاميركية لعام 1986، أكدت محكمة العدل الدولية الطابع الأساسي لمبدأ حظر استخدام القوة وحق الدفاع الشرعي، وناقشت بصورة دقيقة العلاقة بين الهجمات التي تقوم بها جماعات مسلحة وبين مسؤولية الدولة التي ترتبط بها (16). وقد أقرت المحكمة، في سياق تعريفها للهجوم المسلح، بأن إرسال دولة «عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة» إلى دولة أخرى، إذا بلغ من الخطورة مستوى الهجوم المسلح، يمكن أن يدخل ضمن الحالات التي تستوجب تطبيق المادة 51 (17). لكن المحكمة ميزت في الوقت ذاته بين إرسال الدولة لجماعات مسلحة أو مشاركتها في الهجوم وبين مجرد تقديم المساعدة أو الدعم لها. ومن هنا، لا يجوز اختزال حكم نيكاراغوا في القول إن كل هجوم تقوم به جماعة غير حكومية يستوجب بالضرورة إسناده إلى دولة أخرى حتى يصبح دفاعاً شرعياً، كما لا يجوز، في المقابل، اعتباره اعترافاً عاماً وغير مشروط بحق كل دولة في استعمال القوة ضد أي جماعة مسلحة موجودة في دولة أخرى(18). ويؤكد الفقه التقليدي في هذا المجال أهمية هذا التمييز، فقد تناول ايان براونلي وثم جايمس كرافورد في الطبعة التاسعة من Brownlie’s Principles of Public International Law، العلاقة بين حظر استخدام القوة وقواعد الإسناد ومسؤولية الدول، مع التأكيد على الطابع الاستثنائي للدفاع الشرعي(19). كما تعرض كرستين غراي في كتابها الشهير International Law and the Use of Force بصورة موسعة للتطورات التي طرأت على مفهوم الدفاع الشرعي، ولا سيما بعد أحداث 11 أيلول 2001 (20). ولكن تزداد المسألة تعقيداً عند النظر إلى حكم المحكمة في قضية Democratic Republic of the Congo v. Uganda لعام 2005، فقد أشارت المحكمة إلى أن أوغندا لم تدّع أنها تعرضت لهجوم مسلح من القوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية، بل إن الهجمات التي استندت إليها كانت صادرة عن جماعة الـADF. كما رأت المحكمة أنه لم يكن هناك دليل كافٍ على تدخل حكومة الكونغو الديمقراطية بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تلك الهجمات(21). وبناءً على ذلك، خلصت المحكمة إلى أن الظروف القانونية والواقعية اللازمة لممارسة أوغندا حق الدفاع الشرعي لم تكن متوافرة، لكنها لم تحسم بصورة عامة ونهائية السؤال المتعلق بما إذا كان القانون الدولي المعاصر يعترف، وتحت أي شروط، بحق الدفاع الشرعي ضد هجمات واسعة النطاق صادرة عن جماعات غير نظامية(22). وهذه النقطة بالذات مهمة في تفسير المادة الخامسة، إذ إن صياغتها لا تحسم هذا الجدل الفقهي والقضائي، وإنما تسجل موقف إسرائيل من أساس عملياتها العسكرية. ولكن يزيد الكاتب أنه بعد هجمات 11 أيلول 2001، برز في ممارسة عدد من الدول وفي جانب من الفقه اتجاه أكثر مرونة، يرى أن الدولة المتعرضة لهجمات خطيرة من جماعة مسلحة غير حكومية قد تتمسك بالدفاع الشرعي ضد تلك الجماعة الموجودة في إقليم دولة أخرى عندما تكون الدولة الإقليمية غير قادرة أو غير راغبة في منع تلك الهجمات، وهي النظرية المعروفة في الأدبيات باسم Unable or Unwilling Doctrine، وقد اكتسب هذا الاتجاه أهمية خاصة في سياق عمليات مكافحة الإرهاب في أفغانستان وسوريا والعراق، كما ناقشته كريستين غراي في إطار التطور الحديث لقواعد استخدام القوة (23). غير أن وجود هذه النظرية في الممارسة الدولية لا يعني أنها أصبحت قاعدة عرفية مستقرة لا خلاف حولها، فالمسألة لا تزال موضع جدل فقهي وقضائي، ولا سيما بشأن مدى قبولها كقاعدة عامة تسمح باستخدام القوة في إقليم دولة أخرى من دون موافقة تلك الدولة. ولهذا السبب، ينبغي تفسير المادة الخامسة على أنها تعكس الموقف الإسرائيلي من هذه المسألة الخلافية، لا على أنها تنشئ قاعدة جديدة في القانون الدولي تسمح تلقائياً باستخدام القوة ضد الجماعات المسلحة غير الحكومية أينما وجدت(24). بالاضافة الى ذلك، يرى الكاتب أن من أكثر أجزاء المادة الخامسة إثارة للاهتمام استعمالها المتتابع لعبارات ك«الهجمات والتهديدات والنوايا العدائية»، وهنا يجب التمييز بين هذه المفاهيم الثلاثة، فـ«الهجوم المسلح» هو المفهوم الذي يرتبط مباشرة بنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة(25)، أما مجرد وجود تهديدات أو نوايا عدائية فلا يؤدي إلى نشوء حق تلقائي في استخدام القوة. وهذا لا يعني أن القانون الدولي يتجاهل التهديدات الخطيرة، فالمسألة ترتبط في جانب منها بالجدل حول الدفاع الاستباقي (anticipatory self-defence) والدفاع الوقائي (preventive self-defence)، وهما مفهومان يجب عدم الخلط بينهما. فالدفاع الاستباقي يفترض، في صورته الأكثر قبولاً في الفقه، وجود خطر وشيك لهجوم مسلح، في حين أن الدفاع الوقائي يقوم على احتمال وجود خطر مستقبلي غير وشيك(26). وقد بقيت مشروعية توسيع المادة 51 لتشمل مثل هذه الحالات موضع خلاف كبير في الفقه الدولي. ولذلك لا يمكن اعتبار إدراج عبارة «النوايا العدائية» في المادة الخامسة بمثابة تعديل لاتفاقية الأمم المتحدة أو إنشاء استثناء جديد من حظر استخدام القوة، فهي تعكس في أحسن الأحوال الوصف الذي تختاره إسرائيل للأسباب الأمنية التي ترى أنها أدت إلى عملياتها العسكرية. تنص أيضًا المادة الخامسة على أن «إنهاء هذا التهديد، من خلال نزع سلاح هذه الجماعات وتفكيكها في جميع أنحاء لبنان، بالإضافة إلى ترتيبات أمنية إضافية يتم الاتفاق عليها بين البلدين، سيقضي على أي حاجة مستقبلية للعمل العسكري أو الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان» وهذه العبارة هي، في تقدير الكاتب، من أهم النقاط القانونية في المادة كلها، اذ يربط النص بين إنهاء التهديد، نزع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيكها في جميع أنحاء لبنان، الترتيبات الأمنية الإضافية، وزوال الحاجة المستقبلية إلى العمل العسكري أو الوجود العسكري الإسرائيلي. وبذلك ينشئ النص علاقة شرطية واضحة بين تحقيق هدف أمني معين وبين زوال الحاجة المعلنة إلى الوجود العسكري الإسرائيلي. ولكن ينبغي الحذر من وصف هذه العلاقة تلقائياً بأنها «التزامات متقابلة» بالمعنى الفني الصارم لقانون المعاهدات، فالنص لا يقول حرفياً أن إسرائيل تتعهد بالانسحاب فور تحقق الشرط، بل يقول إن تحقق الشرط «سيقضي على أي حاجة مستقبلية» إلى العمل أو الوجود العسكري. وهذا فرق لغوي وقانوني مهم.
هل يترتب على تحقق نزع السلاح انسحاب إسرائيلي تلقائي؟
هنا تبرز المسألة الأكثر حساسية، إذا تحقق نزع السلاح وتفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة، فهل يصبح على إسرائيل التزام قانوني تلقائي بإنهاء وجودها العسكري في لبنان؟ أم أن عبارة «أي حاجة مستقبلية» تترك لإسرائيل هامشاً لتقدير ما إذا كان التهديد قد انتهى فعلاً؟ لا يضع النص، بصيغته الحالية، معياراً موضوعياً نهائياً للإجابة عن هذا السؤال، وهذه ثغرة قانونية مهمة، لأن ترك تحديد «الحاجة» الأمنية للتقدير المنفرد لأحد الطرفين قد يؤدي إلى اختلاف في تفسير مدى تحقق الشرط، وكان من الممكن أن تكون الصياغة أكثر إحكاماً لو نصت صراحة على أن تحقق المعايير الأمنية المحددة والمثبتة بواسطة آلية تحقق متفق عليها يترتب عليه إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي والانسحاب من الأراضي اللبنانية وفق جدول زمني محدد. أما الصياغة الحالية، فتجعل الرابط بين الأمرين قوياً من الناحية السياسية، ولكنه أقل وضوحاً من الناحية القانونية. أكثر من ذلك، تضيف المادة إلى نزع السلاح والتفكيك شرطاً آخر هو «بالإضافة إلى ترتيبات أمنية إضافية يتم الاتفاق عليها بين البلدين». وهذه العبارة تفتح الباب أمام مرحلة لاحقة من المفاوضات، لأن مضمون هذه الترتيبات لم يحدد في المادة الخامسة. ومن منظور قانون المعاهدات، ينبغي التمييز بين النص الذي ينشئ التزاماً قانونياً محدداً، والنص الذي يتضمن التزاماً بالتفاوض أو يضع إطاراً لمفاوضات لاحقة(27). فالمادة هنا لا تحدد ماهية «الترتيبات الأمنية الإضافية»، ولا مدتها، ولا نطاقها الجغرافي، ولا آلية تنفيذها، ولا الجهة التي تتحقق من تنفيذها. وقد يكون من المفترض أن تُستكمل هذه العناصر في الاتفاق الشامل للسلام والأمن الذي تشير إليه المادة 12 من اتفاق الإطار. ومن ثم، فإن هذه العبارة تؤكد الطبيعة الإطارية والمتدرجة للنص، فالإطار يضع بعض المبادئ والأهداف، بينما تُترك مسائل تفصيلية لاتفاقات أو ترتيبات لاحقة. وتختتم المادة الخامسة بعبارة بالغة الأهمية «وبناءً على ما سبق، تعلن حكومة إسرائيل أنها لا تملك أي مطامع إقليمية في لبنان.» وهنا نصل إلى مسألة مختلفة قانوناً عن مسألة الدفاع الشرعي، هي مسألة الإعلان الأحادي الصادر عن الدولة. هل يمكن أن يكون الإعلان الأحادي ملزماً؟ أقرت محكمة العدل الدولية في قضيتي Nuclear Tests (Australia v. France) وNuclear Tests (New Zealand v. France) لعام 1974 مبدأ مهماً مفاده أن التصريحات الأحادية الصادرة عن الدولة قد تنشئ التزامات قانونية دولية إذا اتجهت إرادة الدولة بوضوح إلى الالتزام بها (28)، وأكدت المحكمة أن الإعلان لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون جزءاً من مفاوضات أو أن يقابله قبول من دولة أخرى حتى تكون له آثار قانونية، إذا توافرت فيه النية الواضحة في الالتزام(29). لكن المحكمة شددت، في الوقت ذاته، على أن ليس كل تصريح أحادي ينشئ التزاماً قانونياً، إذ يجب استنباط النية من مضمون التصريح وظروف صدوره وطبيعته والسياق الذي ورد فيه(30)، وبالتالي، فإن عبارة «لا تملك أي مطامع إقليمية في لبنان»، يمكن أن تكون ذات قيمة قانونية مهمة، ولكن لا ينبغي القفز مباشرة إلى القول إنها تمثل، بمجرد وجودها في المادة، تعهدًا حدودياً نهائياً، فالمسألة تتوقف على تفسير العبارة في سياق الإطار بأكمله وعلى مدى قصد إسرائيل إلى إلزام نفسها قانونياً بهذا الإعلان. وحتى إذا لم يُعتبر الإعلان التزاماً أحادياً مستقلاً بالمعنى الفني الذي قررته محكمة العدل الدولية في قضية التجارب النووية، فإنه يبقى ذا أهمية تفسيرية كبيرة، ذلك أن إعلان إسرائيل عدم وجود مطامع إقليمية في لبنان ينبغي، عند تفسير باقي مواد الإطار، أن يؤخذ في الاعتبار عند تحديد الغرض من وجودها العسكري والترتيبات الأمنية التي ستنشأ بموجب الاتفاق. فإذا كان النص يعلن عدم وجود مطامع إقليمية، فإن الأصل في تفسيره أن الوجود العسكري الإسرائيلي، بحسب منطق الإطار نفسه، لا يستهدف اكتساب إقليم لبناني أو ضمه أو تغيير الحدود الدولية. وهنا تظهر أهمية مبدأ أساسي في القانون الدولي، وهو أن استعمال القوة لا ينشئ بذاته، حقاً في الإقليم الذي يتم الاستيلاء عليه بالقوة، وأن مبدأ حظر استخدام القوة وحظر اكتساب الإقليم بالقوة يشكلان من المبادئ المركزية في النظام القانوني الدولي(31). ومن ثم، فإن إعلان «عدم وجود مطامع إقليمية» ينبغي أن يُقرأ، من الناحية القانونية، في اتجاه يعزز عدم تفسير الوجود العسكري الإسرائيلي على أنه مطالبة إقليمية أو اعتراف لبناني بأي تغيير في الوضع القانوني للأراضي اللبنانية. من هنا وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول إن المادة الخامسة تجمع بين أربع وظائف قانونية مختلفة:أولاً، تسجل الموقف الإسرائيلي بشأن الأساس الذي تستند إليه عملياتها العسكرية في لبنان. ثانياً، تربط انتهاء الحاجة المستقبلية إلى العمل أو الوجود العسكري الإسرائيلي بتحقق شروط أمنية، وفي مقدمتها نزع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيكها. ثالثاً، تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية إضافية يتعين الاتفاق عليها لاحقاً. رابعاً، تتضمن إعلاناً إسرائيلياً بعدم وجود مطامع إقليمية في لبنان. ومن ثم، فإن المادة لا يمكن قراءتها على أنها تمنح إسرائيل حقاً جديداً ومستقلاً في استخدام القوة، فحق الدفاع الشرعي، إن توافرت شروطه، يستمد أساسه من المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي العام، وليس من المادة الخامسة ذاتها(32). كما لا يمكن اعتبار مجرد إدراج التبرير الإسرائيلي في الإطار بمثابة إقرار لبناني شامل بمشروعية كل العمليات العسكرية التي قامت بها إسرائيل في الماضي. وفي المقابل، فإن المادة تثير إشكالية جدية تتمثل في أن الانسحاب الإسرائيلي أو انتهاء الوجود العسكري لا يظهر فيها بوصفه التزاماً مستقلاً ومحدداً بموعد أو معيار موضوعي واضح، وإنما يرتبط بزوال «الحاجة» العسكرية نتيجة تحقق شروط أمنية معينة. وهذه النقطة تصبح أكثر أهمية عند قراءة المادة الخامسة بالاقتران مع المادة الثالثة، التي تربط إعادة الانتشار الإسرائيلي، في المناطق التجريبية، بعملية التحقق من نجاح نزع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيك بنيتها التحتية. ومن هنا، فإن القوة القانونية الحقيقية للمادة الخامسة لن تتحدد من خلال عباراتها وحدها، بل من خلال كيفية إنشاء آلية التحقق، ومن يملك صلاحية تحديد تحقق الشروط، وما إذا كان قرار انتهاء الوجود العسكري الإسرائيلي سيكون نتيجة موضوعية لعملية تحقق مشتركة أم سيظل مرتبطاً بتقدير أحد الطرفين. أما العبارة الأخيرة المتعلقة بعدم وجود مطامع إقليمية، فهي ذات قيمة خاصة، لأنها حتى إذا لم تُفسر باعتبارها تعهداً أحادياً مستقلاً، تشكل عنصراً مهماً في تفسير الغاية القانونية للوجود العسكري الإسرائيلي، وتدعم من حيث المبدأ، قراءة الإطار على أساس أن التدابير الأمنية لا تستهدف نقل السيادة الإقليمية اللبنانية أو تغيير الحدود. ولعل أبرز ملاحظة قانونية يمكن تسجيلها على المادة الخامسة هي عدم التماثل الكامل بين الالتزام الأمني اللبناني والنتيجة العسكرية الإسرائيلية. فالنص يحدد بالتفصيل تقريباً ما ينبغي أن يتحقق من الجانب اللبناني: نزع السلاح، تفكيك الجماعات المسلحة، وإنهاء التهديد، ثم يقرر أن ذلك «سيقضي على أي حاجة مستقبلية» إلى العمل أو الوجود العسكري الإسرائيلي. لكن النص لا يضع في المقابل موعداً محدداً للانسحاب، معياراً نهائياً لتحديد زوال «الحاجة» العسكرية، آلية مستقلة أو مشتركة لحسم تحقق هذا الشرط أو التزاماً صريحاً بصيغة «تنسحب إسرائيل» بمجرد تحقق المعايير المتفق عليها. وهذا لا يعني، في حد ذاته، أن المادة تمنح إسرائيل حقاً دائماً في البقاء داخل لبنان، ولا يعني أن لبنان تنازل عن سيادته على أراضيه. لكنه يعني أن الصياغة تترك مساحة تفسيرية كبيرة في مرحلة التنفيذ، وهي مساحة كان يمكن تضييقها بنص أكثر تحديداً. ومن الناحية العملية، فإن هذه المسألة قد تكون من أهم النقاط التي ينبغي أن تُعالج في الاتفاق الشامل للسلام والأمن المشار إليه في المادة الثانية عشرة. كخلاصة، يمكن تلخيص الموقف القانوني من المادة الخامسة في أنها لا تنشئ بحد ذاتها حقاً جديداً لإسرائيل في استخدام القوة، وإنما تسجل الأساس الذي تستند إليه إسرائيل في تبرير عملياتها العسكرية، كما لا ينبغي اعتبار المادة اعترافاً لبنانياً بمشروعية العمليات العسكرية الإسرائيلية السابقة، ما لم يتبين من سياق الإطار وموضوعه وغايته وجود قصد مشترك بهذا المعنى. وكما أشرنا سابقًا إلى أن الهجمات الصادرة عن جماعات غير حكومية تقع ضمن الجدل المعاصر حول نطاق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وهو جدل لم تحسمه محكمة العدل الدولية بصورة نهائية في جميع صوره. كما لا تكفي عبارة «التهديدات والنوايا العدائية» لإنشاء حق مستقل في استعمال القوة، ولا يمكن أن تُفهم على أنها تعديل لقواعد ميثاق الأمم المتحدة. ويمثل الربط بين نزع السلاح وانتهاء الحاجة إلى الوجود العسكري الإسرائيلي أحد أهم عناصر المادة، لكنه ليس مصاغاً بصيغة انسحاب تلقائي ومحدد زمنياً. وتبقى ترتيبات الأمن الإضافية بحاجة إلى اتفاقات أو ترتيبات لاحقة، مما يؤكد الطبيعة الإطارية والمتدرجة للنص. ويمكن أن تكون لإعلان إسرائيل بعدم وجود مطامع إقليمية له، بحسب ظروفه وصياغته وقصد الدولة، قيمة قانونية مستقلة بوصفه إعلاناً أحادياً، أو على الأقل قيمة تفسيرية مهمة في تحديد الغرض من الوجود العسكري. ونهايةً يبقى أن نقول أن الأهم أن هذا الإعلان لا ينبغي عزله عن القواعد الآمرة في القانون الدولي المتعلقة بحظر استخدام القوة وعدم اكتساب الإقليم بالقوة، وبالتالي لا يمكن تفسير المادة الخامسة، بمجرد صيغتها الحالية، على أنها اعتراف لبناني بحق إسرائيلي في أي جزء من الأراضي اللبنانية. وبالتالي، فإن المادة الخامسة لا تحسم بصورة نهائية المسألة القانونية المتعلقة بمشروعية العمليات العسكرية السابقة، ولا تنشئ حقاً جديداً في الدفاع الشرعي، ولا تنقل السيادة الإقليمية اللبنانية، وإنما تنظم بدرجة كبيرة العلاقة بين التهديدات الأمنية التي تنسبها إسرائيل إلى الجماعات المسلحة غير الحكومية وبين الهدف المعلن بإنهاء العمل والوجود العسكري الإسرائيلي مستقبلاً، وتبقى المسألة الأكثر حساسية هي أن الانسحاب الإسرائيلي في الصياغة الحالية، يبدو نتيجة مرتبطة بتحقق شروط أمنية أكثر منه التزاماً مستقلاً ومحدداً من حيث الزمان والآلية.
المراجع:
(1) ميثاق الأمم المتحدة، المادة 2، ولا سيما الفقرتان 1 و4
(2) International Court of Justice, Legal Consequences for States of the Continued Presence of South Africa in Namibia (South West Africa), notwithstanding Security Council Resolution 276 (1970), Advisory Opinion, I.C.J. Reports 1971, p. 16 وينبغي الحذر من نسبة قاعدة عامة إلى هذا الرأي بشأن «السيادة الفعلية» أهميته هنا تتعلق بمسألة ممارسة السلطة وآثار الوجود غير المشروع، وليس باعتباره مصدراً لتعريف السيادة
(3) James Crawford, Brownlie’s Principles of Public International Law, 9th ed., Oxford University Press, 2019, chapter on States and Recognition ولا سيما بحث عناصر الدولة وفعالية الحكومة
(4) Max Weber, Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology, University of California Press, 1978, Vol. 1, pp. 53–54 حيث ارتبط تعريف الدولة باحتكار الاستخدام المشروع للقوة المادية داخل إقليم معين وهذا مرجع في النظرية السياسية والاجتماعية للدولة، وليس مصدراً مباشراً لقاعدة من قواعد القانون الدولي
(5) Malcolm N. Shaw, International Law, 9th ed., Cambridge University Press, 2021 James Crawford, The Creation of States in International Law, 2nd ed., Oxford University Press, 2006.
(6) United Nations Security Council, Resolution 1701 (2006), S/RES/1701 (2006), 11 August 2006 par 3,8,10.
(7) International Law Commission, Draft Articles on Responsibility of States for Internationally Wrongful Acts, with Commentaries, 2001, Yearbook of the International Law Commission, 2001, Vol. II, Part Two, commentaries to Articles 1–2 and the distinction between obligations of conduct and obligations of result.
(8) International Court of Justice, Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide (Bosnia and Herzegovina v. Serbia and Montenegro), Judgment, I.C.J. Reports 2007, p. 43.
(9) Anthony Aust, Modern Treaty Law and Practice, 3rd ed., Cambridge University Press, 2013 United Nations Institute for Disarmament Research (UNIDIR), (verification).
(10) International Court of Justice, Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua (Nicaragua v. United States of America), Merits, Judgment, I.C.J. Reports 1986, p. 14.
(11) Res 1701(2006) par 3.
(12) United Nations Charter, Arts. 2(4), 51. James Crawford, Brownlie’s Principles of Public International Law, 9th ed., Oxford University Press, 2019. Christine Gray, International Law and the Use of Force, 4th ed., Oxford University Press, 2018.
(13) Anthony Aust, Modern Treaty Law and Practice, 3rd ed, Cambridge University Press, 2013
(14) Vienna Convention on the Law of Treaties, 1969, Art. 31.
(15) Charter of the United Nations, Art. 51.
(16) International Court of Justice, Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua (Nicaragua v. United States of America), Merits, Judgment, I.C.J. Reports 1986, p. 14.
(17) Ibid., especially the Court’s discussion of the concept of “armed attack” and the sending by a State of armed bands, irregulars or mercenaries when the acts reach the requisite level of gravity. Yoram Dinstein, War, Aggression and Self-Defence, 7th ed., Cambridge University Press, 2022.
(18) Crawford, Brownlie’s Principles of Public International Law, 9th ed. Gray, International Law and the Use of Force, 4th ed.
(19) James Crawford, Brownlie’s Principles of Public International Law, 9th ed.
(20) Christine Gray, International Law and the Use of Force.
(21) International Court of Justice, Armed Activities on the Territory of the Congo (Democratic Republic of the Congo v. Uganda), Judgment, I.C.J. Reports 2005, p. 168, paras. 146–147.
(22) Ibid., para. 147.
(23) Christine Gray, International Law and the Use of Force.
(24) Ashley S. Deeks, Unwilling or Unable: Toward a Normative Framework for Extraterritorial Self-Defense, Virginia Journal of International Law, Vol. 52, 2012, pp. 483–550. Gray, International Law and the Use of Force.
(25) Charter of the United Nations, Art. 51. ICJ, Nicaragua, I.C.J. Reports 1986, p. 14.
(26) Yoram Dinstein, War, Aggression and Self-Defense, 7th ed., Cambridge University Press, 2022. Christine Gray, International Law and the Use of Force.
(27) Anthony Aust, Modern Treaty Law and Practice, 3rd ed., Cambridge University Press, 2013.
(28) ICJ, Nuclear Tests (Australia v. France), Judgment, I.C.J. Reports 1974, p. 253, paras. 43–46. ICJ, Nuclear Tests (New Zealand v. France), Judgment, I.C.J. Reports 1974, p. 457.
(29) Nuclear Tests (Australia v. France), I.C.J. Reports 1974, p. 267, paras. 46–48.
(30) Ibid., paras. 47–52.
(31) Charter of the United Nations, Art. 2(4: ICJ, Armed Activities on the Territory of the Congo, I.C.J. Reports 2005, pp. 223–227.
(32) Charter of the United Nations, Arts. 2(4), 51 ICJ, Nicaragua, I.C.J. Reports 1986, p. 14 ICJ, Armed Activities on the Territory of the Congo, I.C.J. Reports 2005, p. 168.
محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي