يُعد إتفاق الإطار اللبناني - الإسرائيلي لعام 2026 نموذجاً للاتفاقات الدولية المركّبة التي تجمع بين الطابع السياسي والطابع القانوني، حيث يتضمن أحكاماً إنشائية (constitutive provisions) وأخرى تنفيذية (operational provisions) وأحكاماً معيارية تتعلق بالسيادة والأمن والدفاع. ويقتضي التحليل القانوني السليم، وفقاً لقواعد تفسير المعاهدات المنصوص عليها في المادة 31 من إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، تفسير كل مادة وفقاً لظاهر نصها، في سياقها، وفي ضوء موضوع الاتفاق وغايته (1). وسبق للكاتب أن قدم للموضوع المذكور بقراءة قانونية نشرت بتاريخ سابق في "نداء الوطن" بعنوان "قراءة قانونية للإتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل الموقع في واشنطن 2026 (جزء أول)"، أما في القراءة الحاضرة فيعالج مضمون المواد 1 الى 3 مع التركيز على المادة الثالثة، على أن يستكمل تحليل المواد المتبقية اذا أمكن، في قراءات قانونية مستقبلية متتابعة.
المادة 1: إنهاء النزاع والاعتراف المتبادل
تنص المادة الأولى على اعتراف كل من لبنان وإسرائيل بحق الطرف الآخر في الوجود بسلام، والتزامهما بإنهاء حالة الصراع والانتقال نحو تسوية شاملة. وتكتسب هذه المادة أهمية تأسيسية لأنها تمثل تحولاً من حالة النزاع المسلح إلى حالة السعي القانوني لإنهاء حالة الحرب. إلا أن الصياغة لا تنشئ بحد ذاتها اعترافاً دبلوماسياً كاملاً، بل تقتصر على اعتراف وظيفي (functional recognition) مرتبط بهدف التسوية. ويُميز الفقه الدولي بين الاعتراف السياسي والاعتراف القانوني الكامل والاعتراف الوظيفي ضمن اتفاقات السلام المرحلية. ويذهب جايمس كراوفورد إلى أن الاعتراف في الاتفاقات الانتقالية لا يُفسَّر تلقائياً كاعتراف نهائي ما لم يقترن بإنشاء علاقات دبلوماسية كاملة (2). بكل الاحوال، لا يمكن قراءة هذه المادة كبند واحد، بل تتضمن ثلاث أبعاد قانونية تبدأ ببعد الاعتراف الذي لا يشكل اعترافاً دبلوماسياً تقليدياً، بل ما يُسمّى في الفقه بالاعتراف الوظيفي المرتبط بهدف محدد وهنا إنهاء النزاع ((Functional Recognition. ويؤكد كراوفورد أن الاعتراف الجزئي أو الوظيفي لا ينتج بذاته آثار الاعتراف الكامل ما لم يُقرن بإقامة علاقات دبلوماسية أو تبادل تمثيل رسمي(3). يتجلى البعد القانوني الثاني بإنهاء حالة النزاع (Termination of Conflict) فعبارة "إنهاء حالة الصراع" لا تعني قانونياً إنهاء حالة الحرب تلقائياً، لأنه في الفقه الدولي، هناك تمييز بين عبارات دقيقة باللغة الانكليزية كcessation of hostilities و termination of war و normalization of relations ، وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن إنهاء العمليات العدائية لا يعني بالضرورة إنهاء النزاع القانوني بين الدول (4). أخيرًا، يأتي البعد القانوني الثالث أي النية التعاقدية (Animus Contrahendi) وهو المعيار الحاسم فيما إذا كانت الأطراف تنوي إنشاء التزام قانوني ملزم. ووفق معيار أوست،إن العامل الحاسم ليس اسم الأداة ولكن النية في إنشاء التزامات قانونية(5)، وبالتالي فإن وجود صياغة إلزامية (shall\undertake) يجعل المادة أقرب إلى الالتزام القانوني منها إلى الإعلان السياسي. أما الإشكال القانوني الأساسي، فيتمثل في سؤال جوهري وهو هل يُنشئ الاعتراف المتبادل في إطار اتفاق إطاري أثراً قانونياً مستقلاً أم يبقى معلّقاً على الاتفاق النهائي؟ يميل التحليل الفقهي إلى أحد اتجاهين، فيرى الاول أن الاعتراف لا ينتج أثراً كاملاً إلا إذا اقترن بإجراءات دبلوماسية لاحقة، بينما يرى الثاني أن الاعتراف قد يكون تدريجياً ويبدأ ضمن اتفاق إطاري إذا تضمن التزاماً صريحاً بإنهاء حالة النزاع، فالمادة الأولى تُصنّف قانونياً كالتزام تدريجي بالاعتراف Obligation of progressive legal recognition، وليس اعترافاً نهائياً فورياً .
المادة 2: التنفيذ المتدرج ونزع سلاح الجهات غير الحكومية
تنص المادة على عملية متبادلة ومتدرجة (reciprocal and sequenced process) يتم بموجبها تمكين الجيش اللبناني من بسط سلطته على كامل الأراضي وربط ذلك بنزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية، كما إعادة انتشار القوات الإسرائيلية تدريجياً خارج لبنان. من هنا، تمثل هذه المادة جوهر الاتفاق من الناحية العملية، إذ تُدخل مبدأ الشرطية المتبادلة في التنفيذ. في القانون الدولي، يُعد هذا النوع من الالتزامات من فئة التزامات التنفيذ التدريجي obligations of progressive implementation وهي التزامات لا تُنفذ فوراً، بل تتطلب تحقق شروط مسبقة. كما أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح جهات غير حكومية يثير إشكالية قانونية تتعلق بمبدأ عدم جواز تحميل الدولة التزامات تتعلق بأفعال أطراف غير خاضعة لسيطرتها المطلقة. وقد أشارت محكمة العدل الدولية في قضايا متعددة إلى أن مسؤولية الدولة تُقاس بمدى سيطرتها الفعلية وليس الشكلية (6). بالنسبة للطبيعة القانونية للالتزام، تنتمي هذه المادة إلى فئة نادرة من الالتزامات في القانون الدولي وهي التزامات مشروطة متبادلة التنفيذ Reciprocal Conditional Obligations، وهذا النوع من الالتزامات يثير إشكالاً أساسياً في الفقه بما ما معناه هل يمكن تعليق التزام دولي على أفعال أطراف غير دولية (non-state actors)؟ هنا بالنسبة لمسؤولية الدولة عن سلوك الأطراف غير الحكومية، يجب الرجوع إلى معيار محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا وهو أن الدولة لا تُسأل عن أفعال جماعات مسلحة إلا إذا كانت تمارس السيطرة الفعلية effective control. وبالتالي، يخلق ربط انسحاب دولة بنزع سلاح جماعات لا تسيطر عليها سياسياً أو قانونياً التزاماً مقيّداً بشرط خارجي قد يؤدي إلى تعليق الالتزام. أما بالنسبة للإشكال البنيوي في التنفيذ، هذه المادة تُدخل ما يسمى في الفقهAsymmetric Conditionality ، أي أن التزامات الطرفين ليست متساوية من حيث قابلية التنفيذ وهذا قد يؤدي قانونياً إلى إمكانية الدفع بعدم التنفيذ (exceptio non adimpleti contractus) أو تعليق الالتزام مؤقتاً. وبالتالي تمثل هذه المادة انتقال الاتفاق من اتفاق على المبدأ agreement of principle الى اتفاق على الشروط العملانية agreement of operational conditionality .
المادة 3: إعادة الانتشار التدريجي، المناطق التجريبية والانسحاب المشروط
تُعدّ المادة الثالثة من الاتفاق الإطاري اللبناني-الإسرائيلي، الموقع في واشنطن في 26 حزيران 2026، من أكثر مواد الاتفاق أهمية وتعقيداً من الناحية القانونية، ذلك أنها لا تكتفي بتنظيم مسألة عسكرية ميدانية، وإنما تضع آلية انتقالية يُفترض أن تؤدي إلى انتقال المسؤولية الأمنية في مناطق محددة من القوات الإسرائيلية إلى الجيش اللبناني، في إطار عملية أوسع ترمي إلى استعادة السلطة الفعلية للدولة اللبنانية على كامل إقليمها. وتكتسب المادة أهميتها بصورة خاصة عند قراءتها بالاقتران مع المادة الثانية من الاتفاق والملحق الأمني. فالمادة الثانية تقرر قيام "عملية متبادلة ومتسلسلة" ذات شروط محددة، بحيث يستعيد الجيش اللبناني السلطة السيادية الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، بالتزامن مع نزع سلاح الجماعات المسلحة من غير الدول وتفكيك بنيتها التحتية، بما يمكّن الجيش الإسرائيلي من إعادة الانتشار تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية. أما المادة الثالثة فتضع النموذج التنفيذي الأول لهذه العملية من خلال "المناطق التجريبية" (Pilot Areas). ومن ثم، فإن المادة الثالثة تثير مجموعة من المسائل الأساسية في القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني، ولا سيما مفهوم السيادة الإقليمية وممارستها الفعلية، معيار "السيطرة الفعلية" في تحديد الاحتلال، الطبيعة القانونية للوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية، الفرق بين إعادة الانتشار والانسحاب، مشروعية ربط مراحل الانسحاب بتحقق شروط أمنية، الوضع القانوني للمناطق التجريبية، العلاقة بين الاتفاق والملحق الأمني ودور الولايات المتحدة في التحقق من التنفيذ. وتزداد أهمية هذه المسائل إذا ما قورنت الآلية الجديدة بالصياغات التي اعتمدها مجلس الأمن في قراريه 425 (1978) و1701 (2006)، اللذين أكدا، وإن بصيغ مختلفة، احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه وعودة سلطته الفعلية إلى كامل أراضيه. بدايةً، وبالنسبة للبنية القانونية للمادة الثالثة وعلاقتها بالمادة الثانية والملحق الأمني، تبدأ المادة الثالثة بعبارة "وفقاً للملحق الأمني، وكجزء من الجهود الأوسع نطاقاً نحو احتكار الدولة اللبنانية لاستخدام القوة والسيطرة السيادية على أراضيها…" وتقرر أن الجيش اللبناني "سيتولى تدريجياً المسؤولية الأمنية الكاملة والفاعلة" في مناطق تجريبية، وأن هذه المناطق ستكون آلية لإعادة الانتشار المرحلي والقابل للتحقق للقوات الإسرائيلية، بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني. كما تنص على أن منطقتين أوليتين قد اتُّفق عليهما، وأن مناطق تجريبية مستقبلية يتم الاتفاق عليها بالتراضي. وعند التأكد من نجاح نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية في هذه المناطق، يتولى الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الكاملة والفاعلة، وتبدأ إعادة الإعمار ويعود المدنيون إليها تحت السيطرة الحصرية للسلطات اللبنانية. وهذا يعني أن المادة الثالثة لا يمكن تفسيرها منفردة، وإنما ينبغي قراءتها ضمن منظومة نصية متكاملة تتكون من المادة الثانية والمادة الثالثة والملحق الأمني. وهنا تبرز أهمية المادة 31 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، التي تفرض تفسير المعاهدة بحسن نية وفق المعنى العادي لألفاظها وفي سياقها وفي ضوء موضوعها وغرضها، وتعتبر الديباجة والملاحق من عناصر السياق التفسيري للمعاهدة(7). وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن المادة 31 تعكس قاعدة أساسية في تفسير المعاهدات، وأن النص لا يُقرأ بمعزل عن السياق العام للمعاهدة، بما في ذلك ملاحقها (8). لكن ينبغي التمييز بين أمرين، القيمة التفسيرية للملحق من جهة، والقوة الإلزامية المستقلة لأحكامه من جهة أخرى. فالمادة 31(2) لا تقول أن كل ملحق يصبح، بمجرد تسميته ملحقاً، التزاماً مستقلاً، بل تجعله جزءاً من سياق تفسير المعاهدة متى توافرت الشروط التي تحددها المادة. أما تحديد ما إذا كان الملحق قد أنشأ التزامات تعاقدية مباشرة، فيتطلب النظر إلى صياغته، وإلى كيفية إبرامه، وإلى إرادة الأطراف وطبيعة الاتفاق ذاته. وهذه النقطة مهمة بصورة خاصة هنا، لأن الملحق الأمني المنشور لاحقاً يتضمن تفاصيل تنفيذية شديدة الأهمية، من بينها تحديد المناطق التجريبية، وآلية التحقق، وإنشاء مجموعة التنسيق العسكري للبنان، وتسلسل إعادة الانتشار الإسرائيلي(9). يعالج الكاتب مضمون المادة 3 بالتفصيل عبر عناوين أو أسئلة متتالية كما يتبين تباعًا:
- احتكار الدولة اللبنانية لاستخدام القوة
تربط المادة الثالثة إنشاء المناطق التجريبية بالجهد الأوسع الرامي إلى تحقيق "احتكار الدولة اللبنانية لاستخدام القوة والسيطرة السيادية على أراضيها". وهذا التعبير يتصل بصورة مباشرة بمبدأ أساسي في النظام الدستوري والسيادي للدولة، وهو عدم وجود سلطة مسلحة مستقلة عن السلطة العامة داخل الإقليم. ولا يمثل هذا المبدأ اختراعاً للاتفاق الإطاري، بل يجد سنداً واضحاً في قرارات مجلس الأمن المتعلقة بلبنان. فقد رحب القرار 1701، في مقدمته، بالتزام الحكومة اللبنانية بمد سلطتها على كامل أراضيها بواسطة قواتها المسلحة الشرعية، بحيث "لا يكون هناك سلاح من دون موافقة الحكومة اللبنانية ولا سلطة غير سلطة الحكومة اللبنانية"(10). كما أكد القرار نفسه أهمية بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، وممارسة سيادتها الكاملة، واحترام السلامة الإقليمية والسيادة والاستقلال السياسي للبنان (11). ومن هذه الزاوية، فإن المادة الثالثة لا تنشئ، من حيث المبدأ، مفهوماً جديداً للسيادة اللبنانية، بل تحاول تحويل مبدأ سيادي سبق أن كرسته قرارات مجلس الأمن إلى آلية تنفيذية ميدانية. غير أن الإشكالية تبدأ عندما يتحول تحقيق هذا الهدف الداخلي اللبناني إلى عنصر مرتبط بتوقيت الانسحاب العسكري الإسرائيلي.
- السيادة القانونية والسيطرة الفعلية
ينبغي التمييز هنا بين السيادة القانونية (de jure sovereignty) وبين السيطرة أو السلطة الفعلية (effective control/effective authority). فوجود قوة عسكرية أجنبية في جزء من إقليم دولة لا يؤدي، من حيث المبدأ، إلى انتقال السيادة القانونية إلى القوة المحتلة، وهذا من المبادئ الأساسية لقانون الاحتلال. وتنص المادة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907 على أن الإقليم يعتبر محتلاً عندما يوضع "فعلياً تحت سلطة الجيش المعادي"، ولا تمتد حالة الاحتلال إلا إلى المناطق التي تكون فيها هذه السلطة قد أُنشئت ويمكن ممارستها (12). وقد أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الاحتلال في القانون الدولي الإنساني يقوم على ممارسة دولة لسيطرة فعلية على إقليم لا تملك السيادة عليه ومن دون موافقة الدولة صاحبة الإقليم، وأن القوة المحتلة لا تكتسب السيادة على الإقليم المحتل (13). كما أكدت محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة المسلحة على أراضي جمهورية الكونغو الديمقراطية أن تحديد وجود الاحتلال يرتبط بواقع ممارسة السلطة الفعلية على الإقليم، وليس بمجرد التوصيف السياسي الذي تعطيه الأطراف لهذا الوجود (14). وبالتالي، فإن السؤال القانوني لا يكون فقط، من يملك السيادة القانونية؟ بل أيضاً، من يمارس السلطة الفعلية على الأرض؟ ومن هنا تأتي أهمية المادة الثالثة، فهي تسعى إلى نقل الوضع من مجرد الاعتراف بالسيادة اللبنانية القانونية إلى استعادة السلطة الأمنية الفعلية للجيش اللبناني.
- هل تمثل المادة الثالثة آلية لإنهاء الاحتلال؟
هذه من أهم المسائل التي ينبغي التوقف عندها، فإذا كانت القوات الإسرائيلية تمارس، في منطقة معينة، سلطة فعلية غير مستندة إلى موافقة لبنانية، فإن معيار المادة 42 من لائحة لاهاي قد يقود إلى تطبيق قواعد الاحتلال على تلك المنطقة بحسب الوقائع الميدانية (15). ولا تتوقف آثار ذلك على المصطلحات المستخدمة في الاتفاق، فالقانون الدولي الإنساني ينظر أساساً إلى الواقع الفعلي للسلطة وليس إلى الاسم الذي تختاره الأطراف لوصف الوجود العسكري. ومن ثم، فإن استخدام الاتفاق لعبارة "إعادة الانتشار" (redeployment) بدلاً من "الانسحاب" (withdrawal) لا يحسم وحده الوضع القانوني للوجود الإسرائيلي. فالوجود العسكري الإسرائيلي لا يفقد طبيعته القانونية لمجرد وصفه بأنه "إعادة انتشار" إذا بقيت إسرائيل تمارس سلطة فعلية على جزء من الأراضي اللبنانية. وفي المقابل، إذا أدت العملية فعلاً إلى خروج القوات الإسرائيلية من الإقليم وانتقال السلطة الأمنية الفعلية إلى الدولة اللبنانية، فإن النتيجة الواقعية قد تكون إنهاء حالة الاحتلال بالنسبة إلى المنطقة المعنية. وهذا يتفق مع الطبيعة المؤقتة لقانون الاحتلال، إذ لا تنتقل السيادة إلى القوة المحتلة، ولا يفترض الاحتلال نشوء حق دائم للقوة الأجنبية في الإقليم (16).
- المسؤولية الأمنية الكاملة والفاعلة للجيش اللبناني
تستخدم المادة الثالثة تعبيراً بالغ الأهمية هو full and effective security responsibility أي "المسؤولية الأمنية الكاملة والفاعلة". وهذا التعبير أقوى من مجرد انتشار رمزي للجيش اللبناني، فالمقصود ليس فقط وجود جنود لبنانيين في المنطقة، وإنما توليهم الاختصاص الأمني الفعلي. ومن هنا، يمكن فهم العلاقة بين هذه العبارة ومفهوم effective control في القانون الدولي. فإذا كان معيار الاحتلال هو ممارسة القوة الأجنبية للسلطة الفعلية، فإن انتقال السلطة الفعلية إلى الجيش اللبناني يمثل أحد العناصر الواقعية الأساسية التي يمكن أن تقود إلى إنهاء حالة الاحتلال. ولهذا السبب، فإن المرحلة التي تحددها المادة الثالثة ليست مجرد "انتشار متزامن" لقوتين، بل يفترض أن تكون عملية انتقال للسلطة الأمنية الفعلية. غير أن هذا الاستنتاج يواجه مشكلة إذا بقيت القوات الإسرائيلية محتفظة بسلطة أمنية أو قدرة على استخدام القوة داخل المنطقة بعد انتشار الجيش اللبناني. وعندئذٍ يصبح السؤال: هل انتقلت السيطرة الفعلية فعلاً، أم أن الانتشار اللبناني لا يزال يجري تحت سقف سلطة عسكرية إسرائيلية؟ وهذه نقطة ينبغي أن يحسمها التطبيق العملي والملحق الأمني، لا مجرد النص السياسي.
- الطبيعة القانونية للمناطق التجريبية
تنص المادة الثالثة على إنشاء "مناطق تجريبية" (pilot areas)، وتقرر أن هذه المناطق ستكون آلية لإعادة الانتشار المرحلي والقابل للتحقق للقوات الإسرائيلية وانتشار القوات اللبنانية (17). وتُظهر الوثيقة الأمنية المنشورة أن النموذج الميداني لهذه المناطق يقوم على أربع مراحل وهي إزالة أو تعطيل النشاط والبنية التحتية المسلحة، التحقق من إزالة الجماعات المسلحة وبنيتها العسكرية بواسطة جهة ثالثة متفق عليها، انتشار الجيش اللبناني وتوليه السيطرة العملياتية الحصرية وبدء إعادة الإعمار بقيادة الدولة اللبنانية (18). ومن الناحية القانونية، لا يبدو أن "المنطقة التجريبية" تنشئ بذاتها كياناً إقليمياً مستقلاً أو تنقل السيادة عن لبنان، فالمنطقة تظل جزءاً من الأراضي اللبنانية. ولا يتضمن النص، بحسب صيغته المنشورة، إنشاء سيادة إسرائيلية أو أمريكية مشتركة عليها، ولا إنشاء إدارة دولية بديلة عن الدولة اللبنانية، ومن ثم فإن الطبيعة القانونية الأقرب لهذه المناطق هي أنها آلية تنفيذية انتقالية تهدف إلى اختبار قدرة الدولة اللبنانية على استعادة السلطة الأمنية الفعلية، وليس إنشاء وضع إقليمي جديد.
- هل تنشئ المناطق التجريبية نظاماً دولياً خاصاً؟
الجواب في تقدير الكاتب، هو النفي. فالمنطقة التجريبية لا تبدو "منطقة منزوعة السيادة" ولا "منطقة دولية". وإذا كان الهدف المعلن هو أن تصبح في النهاية تحت "السيطرة الحصرية للسلطات اللبنانية"، فإن ذلك يؤكد أن الوضع النهائي المقصود هو ممارسة الدولة اللبنانية لاختصاصها الإقليمي الكامل. وهذا يتوافق مع المبدأ الذي تؤكده المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ومفاده أن الأشخاص المحميين في الأراضي المحتلة لا يفقدون حماية الاتفاقية نتيجة أي تغيير في المؤسسات أو الحكومة بسبب الاحتلال، أو نتيجة أي اتفاق بين سلطات الإقليم المحتل والقوة المحتلة، أو نتيجة أي ضم (19). والأهم أن قانون الاحتلال نفسه لا يمنح القوة المحتلة السيادة على الإقليم، فالاحتلال حالة مؤقتة لا تؤدي إلى اكتساب حق سيادي على الإقليم المحتل (20). وبالتالي، فإن أي ترتيب انتقالي في المنطقة التجريبية ينبغي تفسيره على أنه ترتيب لتنفيذ انتقال السلطة لا كإنشاء حق إقليمي دائم لإسرائيل.
- إعادة الانتشار أم الانسحاب؟
هنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في الصياغة. فالوثيقة تستخدم مصطلح redeployment أي إعادة الانتشار. وهذا المصطلح لا يساوي بالضرورة، من الناحية اللغوية والقانونية، withdrawal أي الانسحاب. فالانسحاب يعني، في مفهومه الطبيعي، إنهاء الوجود العسكري في الإقليم المعني، أما إعادة الانتشار فقد تعني نقل القوات أو تخفيضها أو تغيير مواقعها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة خروجها النهائي من الإقليم. ولهذا السبب، فإن القراءة الحرفية للمادة الثالثة وحدها لا تكفي للقول إن كل "إعادة انتشار" تعني فوراً انسحاباً نهائياً. لكن هذه النقطة يجب أن تقرأ أيضاً مع المادة الثانية، التي تتحدث صراحة عن تمكين الجيش الإسرائيلي من "إعادة الانتشار خارج الأراضي اللبنانية"، وكذلك مع النقطة الرابعة من الملحق الأمني، التي تنص على خفض تدريجي للوجود العسكري الإسرائيلي وصولاً إلى "إعادة انتشار نهائية" للقوات خارج الأراضي اللبنانية (21). ومن ثم، فإن النتيجة القانونية الأدق هي أن المسار المعلن للاتفاق ينتهي، بحسب نصوصه المنشورة، إلى خروج القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، لكن هذا الخروج يتم من خلال عملية مرحلية ومشروطة أمنياً وقابلة للتحقق. وهذا يختلف عن القول أن المادة الثالثة وحدها تقرر انسحاباً فورياً وغير مشروط.
- هل يعني استخدام "إعادة الانتشار" استمرار الاحتلال؟
ليس بالضرورة. فالعبرة، وفق القانون الدولي الإنساني، ليست بالمصطلح وإنما بالواقع. إذا بقيت القوات الإسرائيلية قادرة على ممارسة سلطة فعلية على منطقة لبنانية، فقد تستمر عناصر الاحتلال فيها، بصرف النظر عن تسمية الوجود "إعادة انتشار". أما إذا انتقلت السلطة الأمنية الفعلية إلى الجيش اللبناني، وأصبحت القوات الإسرائيلية خارج المنطقة، فإن الأساس الواقعي لاستمرار الاحتلال ينتفي. وهنا تكمن أهمية معيار effective control الذي يمثل حجر الزاوية في تحديد استمرار الاحتلال (22). ومن ثم، فإن الاختبار القانوني الحقيقي ليس هل قالت الوثيقة "redeployment" أم "withdrawal"؟ بل هل بقيت سلطة إسرائيلية فعلية على الأرض أم انتقلت السلطة الفعلية إلى الدولة اللبنانية؟
- الاتفاق بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي
تنص المادة الثالثة على أن الجيشين اللبناني والإسرائيلي اتفقا مبدئياً على منطقتين أوليتين، وأن مناطق أخرى سيتم الاتفاق عليها مستقبلاً بالتراضي. وهنا ينبغي التمييز بين الاتفاق السياسي الدولي وبين الترتيب العسكري التنفيذي. فالجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي ليسا، في الأصل، السلطتين السياسيتين اللتين تتوليان إبرام المعاهدات الدولية باسم الدولتين. وبالتالي، ينبغي تفسير الاتفاق بين الجيشين على أنه ترتيب عسكري-تقني لتنفيذ إطار سبق أن أقرته السلطات السياسية، وليس باعتباره معاهدة دولية مستقلة. وهذا التمييز مهم جداً من الناحية القانونية، لأنه يمنع تحويل الترتيبات العسكرية التنفيذية إلى مصدر مستقل لتعديل الحدود أو نقل السيادة أو إنشاء حقوق إقليمية.
- "بالتراضي" ومشكلة المناطق المستقبلية
تقرر المادة أن المناطق التجريبية المستقبلية يتم الاتفاق عليها "بالتراضي". وهذه العبارة تعني أن توسيع النموذج التجريبي ليس آلياً بصورة كاملة، بل يتطلب توافقاً بين الطرفين. ومن الناحية القانونية، فإن هذا يوفر لكل طرف قدرة على الاعتراض على تحديد منطقة جديدة، غير أن ذلك قد يخلق إشكالية عملية:
إذا أصبحت عملية الانسحاب مرتبطة بالتوافق المستمر على المناطق التجريبية، فقد يتحول التراضي على تحديد المناطق إلى عنصر يؤثر في سرعة استكمال الانسحاب. ومن هنا ينبغي التمييز بين التراضي على آلية التنفيذ والالتزام النهائي بالانسحاب من الأراضي اللبناني، فالأول يمكن أن يخضع للتفاوض المرحلي، أما الثاني فلا ينبغي أن يتحول، بسبب غموض الآلية، إلى التزام مفتوح المدة، وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة عند مقارنة الاتفاق بالقرار 425.
- العلاقة مع القرار 425
يشكل القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن في 19 آذار 1978 نقطة مقارنة أساسية. فقد طالب المجلس باحترام السلامة الإقليمية والسيادة والاستقلال السياسي للبنان ضمن حدوده المعترف بها دولياً، ودعا إسرائيل إلى وقف عملها العسكري ضد سلامة لبنان الإقليمية وسحب قواتها فوراً من جميع الأراضي اللبنانية (23). كما أنشأ القرار قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بهدف، من جملة أمور، تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية ومساعدة الحكومة اللبنانية في ضمان عودة سلطتها الفعلية إلى المنطقة (24). وتكمن أهمية المقارنة في أن القرار 425 صاغ الانسحاب بصورة مباشرة، ولم يجعل الانسحاب نفسه نتيجة لعملية متدرجة لنزع سلاح جماعات غير حكومية. ومن ثم، فإن المادة الثالثة، مقروءة مع المادة الثانية والملحق الأمني، تقدم نموذجاً مختلفاً بما معناه عودة السلطة اللبنانية، نزع السلاح والتحقق منه، إعادة الانتشار الإسرائيلي التدريجي، الخروج النهائي من الأراضي اللبنانية. أما القرار 425 فكان يقوم على منطق أكثر مباشرة، أي وقف العمل العسكري، انسحاب القوات الإسرائيلية، ومساعدة لبنان على استعادة سلطته الفعلية. وهذا الاختلاف ليس لغوياً فقط، بل يمكن أن تكون له آثار قانونية وسياسية كبيرة.
- العلاقة مع القرار 1701
تبدو المادة الثالثة، من جهة أخرى، أقرب إلى بعض عناصر القرار 1701. فالقرار 1701 أكد أهمية بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية وممارسة سيادتها الكاملة، بحيث لا يكون هناك سلاح من دون موافقة الحكومة ولا سلطة غير سلطة الحكومة (25). كما دعا، عند بدء انتشار القوات اللبنانية وقوات اليونيفيل، إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بصورة متوازية مع هذا الانتشار (26). ومن هنا يمكن القول إن الاتفاق الإطاري يستند إلى فكرة موجودة أصلاً في القرار 1701، وهي التلازم بين انتشار الجيش اللبناني وانسحاب القوات الإسرائيلية. لكن إتفاق الإطار يذهب خطوة أبعد من ذلك عندما يجعل العملية أكثر تفصيلاً، من خلال المناطق التجريبية، التحقق من نزع السلاح، التنسيق العسكري، إعادة الإعمار والتدرج في إعادة الانتشار. وهنا يظهر السؤال القانوني المركزي: هل يمثل ذلك تنفيذاً أكثر تفصيلاً للمنطق الذي وضعه القرار 1701، أم أنه يعيد صياغة ترتيب الأولويات بحيث يصبح الانسحاب الإسرائيلي عملياً تابعاً لتحقيق شرط أمني جديد؟
- الشرط الأمني ونزع سلاح الجماعات المسلحة
تنص المادة الثالثة على أنه، بعد التأكد من نجاح نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية في المناطق المعنية، يتولى الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الكاملة والفعالة (27). وتصبح المسألة أكثر وضوحاً في الملحق الأمني، ولا سيما النقطة الرابعة منه، التي تنص على أن إعادة الانتشار الإسرائيلي التدريجي تتم بناءً على الإنجاز الناجح والقابل للتحقق لعملية نزع السلاح والتفكيك المتفق عليها (28). وهنا تظهر أهم إشكالية قانونية في الاتفاق، فمن الناحية العملية، يصبح التسلسل نزع السلاح والتفكيك، التحقق، انتقال المسؤولية الأمنية، إعادة الانتشار الإسرائيلي. وهذا يعني أن الانسحاب لا يجري، في هذا النموذج، بصورة مستقلة عن الأداء الأمني اللبناني، بل يدخل في علاقة شرطية معه. لكن ينبغي، من الناحية القانونية الدقيقة، تجنب وصف ذلك فوراً بأنه "شرط يعلق وجود الالتزام بالانسحاب" بالمعنى الفني الصارم للقانون المدني، فالأدق هو القول إن النص يربط تنفيذ مراحل إعادة الانتشار بتحقق شروط أداء وأمن قابلة للتحقق، وهذا الوصف أكثر دقة من الناحية القانونية.
- هل يتعارض هذا الشرط مع مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة؟
المبدأ الأساسي في القانون الدولي هو حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدول، وهو مبدأ مكرس في المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة (29)، كما استقر في القانون الدولي المعاصر على مبدأ عدم جواز اكتساب الإقليم بالقوة. وفي هذا السياق، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن القوة المحتلة لا تكتسب السيادة على الإقليم المحتل، وأن ضم الإقليم بالقوة لا ينتج أثراً قانونياً مشروعاً (30)، ومن ثم فإن مجرد ربط إجراءات الانسحاب بترتيبات أمنية لا يعني بذاته أن إسرائيل اكتسبت حقاً في الإقليم اللبناني. لكن الإشكالية تظهر إذا تحولت هذه الشروط إلى أساس لبقاء مفتوح وغير محدد زمنياً للقوات الإسرائيلية. فهنا يصبح السؤال مختلفاً: هل نحن أمام ترتيب مؤقت لتنفيذ الانسحاب؟ أم أمام اعتراف ضمني بحق إسرائيل في الاستمرار في ممارسة السيطرة العسكرية إلى أن يتحقق شرط قد يكون محل نزاع أو لا يوجد معيار زمني واضح لقياس تحققه؟ وهذه هي النقطة التي تستحق أكبر قدر من التدقيق في تفسير الاتفاق.
- معيار "التحقق" وأثره القانوني
يولي الاتفاق أهمية كبيرة لفكرة التحقق verification. فالملحق الأمني ينص على أن إزالة الجماعات المسلحة وبنيتها العسكرية يجري التحقق منها بواسطة جهة ثالثة متفق عليها، كما ينشئ آلية تنسيق عسكري تتولى إدارة فضّ الاحتكاك والتحقق والتنفيذ (31). والتحقق هنا يكتسب أهمية قانونية لأن تحديد نجاح الشرط الأمني لا يبقى مجرد تقدير سياسي منفرد من إسرائيل أو لبنان، وهذا من الناحية النظرية عنصر إيجابي، فكلما كان معيار التحقق موضوعياً، قابلاً للقياس، محدداً مسبقاً، مستقلاً وقابلاً للمراجعة، كلما قل خطر تحول الشرط الأمني إلى شرط مفتوح وغير قابل للضبط. أما إذا كان تقدير نجاح نزع السلاح متروكاً بصورة واسعة لإحدى الدولتين، فإن ذلك يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في موعد الانسحاب، ولهذا فإن استقلال جهة التحقق، وطبيعة صلاحياتها، ومعاييرها، وآلية الاعتراض على نتائجها، ستكون من أهم عناصر التقييم القانوني للاتفاق عند تطبيقه.
- دور الولايات المتحدة في التحقق
تنص المادة الثالثة على أن الولايات المتحدة "تعتزم العمل عن كثب مع كلا البلدين للتحقق من هذه العملية ودعمها". وتكتسب كلمة intends أهمية قانونية، فالصياغة لا تقول إن الولايات المتحدة "تتعهد" أو "تضمن" تحقيق الانسحاب، وإنما تعبر عن نية في العمل والتحقق والدعم. وهذا يختلف عن إنشاء ضمانة دولية بالمعنى القانوني الصارم. ومن ثم، يبدو الدور الأمريكي، وفق النص، أقرب إلى التيسير، الدعم، التحقق، والمساعدة في إدارة العملية منه إلى ممارسة سلطة وصائية على الأراضي اللبنانية. وهذا التمييز مهم، لأن التحقق لا يساوي السيادة ولا يساوي الإدارة، فإذا لم ينص الاتفاق صراحة على منح الولايات المتحدة سلطة اتخاذ قرارات ملزمة، فإن دورها لا ينبغي تفسيره على أنه إنشاء سلطة فوق الدولة اللبنانية.
- السيطرة الحصرية للسلطات اللبنانية
من أقوى أجزاء المادة الثالثة قولها إن عودة المدنيين ستكون إلى مناطق تقع تحت exclusive control of the Lebanese authorities أي "السيطرة الحصرية للسلطات اللبنانية". وتحمل هذه العبارة قيمة قانونية مهمة لأنها تحدد الوضع النهائي المقصود، فالنتيجة النهائية ليست إدارة مشتركة بين لبنان وإسرائيل، وليست منطقة عازلة تحت سيطرة إسرائيلية، وليست إدارة دولية دائمة. وإنما السيطرة الحصرية للسلطات اللبنانية، وهذا يتوافق بصورة قوية مع منطق القرار 1701، الذي أكد ضرورة ممارسة الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها، بحيث لا توجد سلطة غير سلطتها (32). كما يتوافق مع القرار 425 الذي ربط مهمة اليونيفيل بمساعدة الحكومة اللبنانية في استعادة سلطتها الفعلية في الجنوب (33). ومن ثم، فإن هذه العبارة تشكل نقطة قوة مهمة في النص، لأنها تؤكد أن الوضع النهائي المقصود هو استعادة السلطة اللبنانية، لا إضفاء شرعية دائمة على الوجود الإسرائيلي.
- إعادة الإعمار وعودة المدنيين
تربط المادة الثالثة بين تحقق نزع السلاح وانتقال المسؤولية الأمنية وبدء إعادة الإعمار وعودة المدنيين. وهذا الربط يضيف بعداً إنسانياً وقانونياً إلى العملية، فإعادة السكان إلى مناطقهم لا يمكن فصلها عن مقتضيات القانون الدولي الإنساني، ولا سيما القواعد المتعلقة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة والاحتلال. ومن الناحية العملية، فإن عودة المدنيين تشكل أيضاً مؤشراً على انتقال المنطقة من حالة عسكرية انتقالية إلى حالة ممارسة مدنية طبيعية للسلطة اللبنانية. غير أن هذه العودة ينبغي أن تكون "آمنة" و"طوعية"، وألا تستخدم إعادة الإعمار كأداة لإحداث تغييرات ديموغرافية أو سياسية في الوضع الإقليمي.
- التقييم القانوني النهائي للمادة الثالثة
في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن المادة الثالثة تؤسس لنموذج قانوني وتنفيذي مركب يجمع بين ثلاثة عناصر، استعادة الدولة اللبنانية سلطتها الأمنية الفعلية، تنفيذ هذه الاستعادة بصورة تدريجية من خلال مناطق تجريبية، وربط مراحل إعادة الانتشار الإسرائيلي بنتائج قابلة للتحقق في مجال نزع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيك بنيتها التحتية. وهذا النموذج له وجهان، وجه أول ذات عنصر إيجابي بمعنى أن المادة تؤكد بصورة صريحة أن النتيجة النهائية المقصودة هي استعادة السيطرة اللبنانية الحصرية على الأراضي اللبنانية، كما أنها لا تمنح إسرائيل، في النص المنشور، سيادة أو حقاً إقليمياً على الأراضي اللبنانية، بل إن المسار المعلن ينتهي إلى إعادة انتشار القوات الإسرائيلية خارج الأراضي اللبنانية (34). يمثل االوجه الثاني الإشكالية القانونية، اذ أن المشكلة تكمن في ترتيب الأولويات والتلازم الزمني، فالقرار 425 صاغ الانسحاب الإسرائيلي باعتباره انسحاباً من الأراضي اللبنانية، بينما صاغ القرار 1701 علاقة أكثر توازياً بين انتشار الجيش اللبناني وانسحاب القوات الإسرائيلية. أما الاتفاق الإطاري لعام 2026 فيضع عملية أكثر تعقيداً وهي نزع السلاح، التحقق، انتقال السيطرة اللبنانية، إعادة الانتشار الإسرائيلي التدريجي، الانسحاب النهائي. وهذا يفتح احتمالاً قانونياً وعملياً مهماً: إذا لم يتحقق الشرط الأمني، فهل يتوقف الانسحاب؟ وإذا توقف، فهل يصبح الوجود الإسرائيلي استمراراً مؤقتاً ومشروعاً بموجب الاتفاق، أم يبقى وجوداً عسكرياً أجنبياً يجب إنهاؤه وفق القواعد الدولية السابقة؟ ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بصورة مطلقة من المادة الثالثة وحدها، بل ينبغي قراءتها مع المادة الثانية والملحق الأمني، ومع قواعد القانون الدولي الآمرة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
كخاتمة وفي تقدير الكاتب، لا تتضمن المادة الثالثة، في ذاتها، تنازلاً لبنانياً عن السيادة الإقليمية، بل على العكس، تؤكد أن الغاية النهائية هي استعادة السيطرة الحصرية للسلطات اللبنانية على المناطق المعنية. إلا أنها تنشئ، مع المادة الثانية والملحق الأمني، نظاماً انتقالياً للانسحاب الإسرائيلي يقوم على التدرج والتحقق والشروط الأمنية. ومن هنا فإن التوصيف الأدق للمادة ليس أنها "شرّعت الاحتلال"، ولا أنها كرست "انسحاباً غير مشروط"، بل إنها أنشأت آلية تعاقدية لانتقال السيطرة الأمنية من القوات الإسرائيلية إلى الدولة اللبنانية، يتوقف تقدمها المرحلي على تحقق معايير أمنية محددة. وهنا تكمن المسألة القانونية المركزية: هل تمثل الشروط الأمنية وسيلة مشروعة لتنظيم تنفيذ الانسحاب، أم يمكن أن تتحول، إذا لم تكن محددة وموضوعية ومحدودة زمنياً، إلى وسيلة لإطالة الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية؟ والجواب يتوقف بصورة أساسية على كيفية تفسير وتنفيذ الملحق الأمني، وعلى طبيعة آلية التحقق، وعلى ما إذا كانت معايير "نجاح نزع السلاح" محددة بصورة موضوعية، وعلى ما إذا كان عدم تحققها يؤدي إلى تأجيل مؤقت ومحدد للمرحلة التالية أم إلى إبقاء الوجود العسكري الإسرائيلي لمدة غير محددة. ومن هذه الزاوية تحديداً، تمثل المادة الثالثة أحد أهم مواضع التوتر القانوني في الاتفاق الإطاري كله، فهي تحاول التوفيق بين مبدأين مشروعين في ذاتهما، هما استعادة الدولة اللبنانية احتكار القوة والسيطرة الفعلية على كامل إقليمها من جهة، ومعالجة المخاوف الأمنية الإسرائيلية من خلال ترتيبات انتقالية قابلة للتحقق من جهة أخرى؛ لكن نجاح هذا التوفيق قانوناً يتوقف على ألا تتحول الترتيبات الأمنية الانتقالية إلى بديل دائم عن الانسحاب.
المراجع:
- Vienna Convention on the Law of Treaties (1969), Art. 31.
- James Crawford, Brownlie’s Principles of Public International Law, 9th ed., Oxford University Press, 2019, p. 420-425.
- Crawford, p.432.
- ICJ, Legal Consequences of the construction of a wall, Advisry opinion, 2004.
- Anthony Aust, Modern treaty law and practice, CUP, 2013, p. 19.
- ICJ, Military and paramilitary activities in and against Nicaragua (Nicaragua vs USA), Judgment 1986.
- Vienna Convention on the Law of Treaties, 1969, Art. 31(1)-(3).
- International Court of Justice, Kasikili/Sedudu Island (Botswana/Namibia), Judgment, I.C.J. Reports 1999. كما أكدت المحكمة أن المادة 31 تعكس قاعدة القانون الدولي العرفي في تفسير المعاهدات وأن الملاحق تدخل في سياق التفسير
- Security Annex to the Trilateral Framework Agreement, Washington, 26 June 2026.
- United Nations Security Council, Resolution 1701 (2006), Preamble.
- S/RES/1701 (2006), paras. 3–4.
- Regulations annexed to Hague Convention IV Respecting the Laws and Customs of War on Land, 18 October 1907, Art. 42.
- ICRC, Occupation, موضحة أن الاحتلال يقوم على ممارسة سيطرة فعلية غير قائمة على موافقة الدولة صاحبة الإقليم، وأن القوة المحتلة لا تكتسب السيادة على الإقليم icrc.org
- ICJ, Armed Activities on the Territory of the Congo (Democratic Republic of the Congo v. Uganda), Judgment, 19 December 2005, paras. 172–176.
- Occupation and international humanitarian law, ICRC, icrc.org
- Fourth Geneva Convention, 1949, Art. 47.
- Trilateral Framework Agreement, Art. 3.
- Security Annex, paras. 1–2.
- Fourth Geneva Convention, 12 August 1949, Art. 47.
- ICRC Commentary to Article 47, 2025 حيث يؤكد أن قانون الاحتلال يقوم على الطبيعة المؤقتة للاحتلال وأن القوة المحتلة لا تكتسب حقوقاً سيادية على الإقليم المحتل (ihl-databases.icrc.org)
- Trilateral Framework Agreement, Art.2, Security Annex, para. 4.
- ICJ, Armed Activities on the Territory of the Congo, Judgment, 2005. Hague Regulations, Art. 42.
- United Nations Security Council, Resolution 425 (1978), paras. 1–2
- S/RES/425 (1978), para. 2–3 بشأن مهمة اليونيفيل في تأكيد الانسحاب ومساعدة الحكومة اللبنانية في استعادة سلطتها الفعلية
- S/RES/1701 (2006).
- S/RES/1701 (2006).
- Trilateral Framework Agreement, Art 3.
- Security Annex, para 4.
- Charter of the United Nations, Art. 2(4).
- ICRC Commentary 2025 to GC IV, Art 47.
- Security Annex, par 1–2, Military Coordination Group for Lebanon (MCG4L).
- S/RES/1701 (2006).
- S/RES/425 (1978).
- Trilateral Framework Agreement, Art 2 - Security Annex, par 4.
محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي