قبل اثنين وثلاثين عاماً، في 26 تشرين الأول 1994، وقّع الأردن وإسرائيل معاهدة وادي عربة، وسط آمال بأن تكون المنطقة قد دخلت زمن التسويات. اليوم، تبدو المسافة واسعة بين تلك الوعود وواقعٍ ما زالت تحكمه الحروب ومخاوف التهجير والتطرّف. فماذا حقّق السلام للأردن، ولماذا بقي القلق؟
لم تكن المعاهدة خطوة معزولة عن سياقها. جاء مؤتمر مدريد عام 1991 ليفتح باب التفاوض العربي الإسرائيلي، ثم جاء اتفاق أوسلو سنة 1993 ليمنح التسوية زخماً جديداً. بعدما دخلت منظمة التحرير الفلسطينية في تفاوض مباشر مع إسرائيل، مضى الملك حسين في تسوية ملفات المملكة وحدودها ومصالحها.
كان الحساب الأردني يقوم على تثبيت موقع الدولة في منطقة يعاد ترتيبها. أما إسرائيل، فكانت تحصل على سلام مع دولة تشاركها حدوداً طويلة، وعلى اعتراف عربي جديد بعد الاتفاق مع مصر. التقت المصالح، وإن اختلفت التطلّعات إلى ما سيأتي بعدها.
أنهت وادي عربة حالة الحرب، وأرست العلاقات الدبلوماسية، وحدّدت الحدود ونظّمت حقوق المياه. كما تضمّنت التزامات أمنية تمنع استخدام أراضي أي طرف للاعتداء على الآخر، وفتحت أبواب التعاون الاقتصادي. وفي القدس، نصّت على احترام الدور الأردني الخاص في المقدسات الإسلامية، فيما أحالت قضايا اللاجئين والنازحين إلى أطر تفاوضية أوسع. لكنها لم تحسم القضية الفلسطينية، ولم تتضمّن اتفاقاً على إقامة دولة فلسطينية.
هنا تكمن العقدة التي تلاحق المعاهدة: جرى تنظيم العلاقة بين دولتين، فيما بقي النزاع الفلسطيني مفتوحاً على حدودهما.
بالنسبة إلى الأردن، لا يمكن فصل فلسطين عن أمن المملكة. فالضفة الغربية ليست ساحة بعيدة، وأي مشروع لضمّها أو دفع سكانها نحو الشرق يطرح تهديداً مباشراً على الأردن. لذلك يكتسب رفض «الوطن البديل» معنى يتجاوز الموقف الدبلوماسي إلى الدفاع عن سيادة الدولة ومستقبلها. وقد جدّدت عمّان، رفض ضمّ الضفة وتهجير الفلسطينيين، وتمسّكها بحل الدولتين.
من هذا المنظور، يمكن فهم المأزق الأردني الراهن: تريد المملكة الحفاظ على إطار يضبط حدودها وعلاقاتها، فيما تخشى أن تقوّض السياسات الإسرائيلية فرص التسوية التي منحت هذا الإطار معناه السياسي. فكلما تراجعت إمكانية قيام دولة فلسطينية، ازدادت المخاوف الأردنية من تسوية تُفرض على حساب المملكة.
ولا يعني استمرار المعاهدة أن الأردن عاجز عن تعديل علاقته بإسرائيل أو استخدام الحقوق التي يتيحها الاتفاق. ففي الباقورة والغمر، قرّرت المملكة عدم تجديد ترتيبات الاستخدام الخاصة التي مُنحت لإسرائيليين مدة خمسة وعشرين عاماً، وانتهى العمل بها عام 2019، مع بقاء معاهدة السلام. كانت تلك تجربة عملية في الدفاع عن المصلحة الوطنية من داخل الاتفاق.
لكن التحدّي الأردني يمتدّ إلى الداخل أيضاً. ففي نيسان 2025، حظرت السلطات جماعة الإخوان المسلمين، بعد إعلان توقيف أشخاص اتهمتهم بالتخطيط لعمليات باستخدام صواريخ ومسيّرات. طرحت القضية سؤالاً يتصل بجوهر الدولة: من يملك قرار استخدام القوة، ومن يقرّر إدخال البلاد في صراعات المنطقة؟
وجاء الاعتداء الأخير على كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك ليضع حماية المجتمع في صدارة الأولويات. فقد أسفر الهجوم خلال جنازة، في 23 تشرين الأول، عن تسعة قتلى وأربعين جريحاً، وأعلنت السلطات في 26 منه توقيف ثلاثة مشتبه بهم. وحتى المعلومات المنشورة، لم تتبنَّ جهة الاعتداء، ولم تُعلن انتماءات المشتبه بهم.
أما دلالته الأوسع، فهي أن أمن الأردن يتطلّب حماية حدوده ونسيجه الاجتماعي معاً. فالدولة التي تواجه مخاطر التهجير والصراعات الإقليمية تحتاج إلى مواطنين متساوين في الحماية والانتماء، وإلى مواجهة التطرّف الذي يستهدف حقهم في العيش المشترك.
بعد اثنين وثلاثين عاماً، تُظهر وادي عربة ما تستطيع معاهدة سلام أن تنجزه، وما يبقى خارج قدرتها. لقد أنهت الحرب بين الأردن وإسرائيل، لكنها لم تُنهِ أسباب اضطراب المنطقة. ويبقى الاختبار الأردني الأصعب: أن يحافظ على السلام من دون التفريط بمصالحه، وأن يدافع عن فلسطين من دون السماح بتحويل أرضه إلى ساحة، وأن يحمي وحدته الداخلية من كلفة الصراعات المحيطة به.