من القبض على إرهابيي الكرك إلى ضرب معاقل التنظيمات المرتبطة بهم في جنوب سوريا، وفّى الملك الأردني عبدالله الثاني أمس بالعهد الذي قطعه لذوي شهداء مجزرة كنيسة مار جاورجيوس. فقد ألقت القوّات الأمنية القبض على المنفّذين الثلاثة للهجوم الإرهابي الذي استهدف الكنيسة في قرية حمود يوم الجمعة الماضي، وأودى بحياة تسعة شهداء من المؤمنين. وبالتوازي، نفّذ "صقور" سلاح الجو الملكي عملية "الردع الأردني - حمود"، مستهدفين مواقع لتنظيمات إرهابية أعلنت القوّات المسلّحة الأردنية أن منفّذي المجزرة يرتبطون بها.
كان الملك قد توعّد يوم الهجوم بضرب جميع المتورّطين بيد من حديد. وسرعان ما ترجمت السلطات المختصّة هذا الوعيد إلى تحرّك أمني أفضى، فجر الاثنين، إلى تحديد مخبأ المنفّذين داخل منزل مهجور في الكرك. وبعد رفضهم الاستسلام ومبادرتهم إلى إطلاق النار على القوّات الأمنية، اشتبكت القوّات الأمنية معهم وألقت القبض عليهم بعد إصابتهم جميعًا، من دون تسجيل إصابات في صفوفها.
وعقب توقيفهم، قال العاهل الأردني: "ها هم النشامى قد لاحقوهم حتى جحورهم"، مضيفًا: "قلنا إن الإرهابيين لن يفلتوا من العقاب، ولن يفلت أي صاحب فكر يفرّق بين الأردني والأردني". وقدّم الملك لاحقًا واجب العزاء في الكرك، بعدما كان قد زار المنطقة يوم الجمعة الماضي للاطمئنان على المصابين.
وأظهرت التحقيقات أن المنفّذين الثلاثة أردنيون يقطنون قرب قرية حمود ويتبنّون الفكر التكفيري، وأن اثنين منهم شقيقان والثالث نسيبهما، وهم: هزاع زيدان محمد، ومشعل زيدان محمد، وأحمد سامي حسين. وقد نُقلوا إلى المستشفى عقب القبض عليهم.
أمّا في جنوب سوريا، فأعلنت القوّات المسلّحة الأردنية أن مقاتلات سلاح الجو الملكي دمّرت، خلال العملية التي نُفّذت مساء أمس، عددًا من مواقع التنظيمات المرتبطة بمنفّذي الهجوم، ما أسفر عن مقتل وإصابة عدد من عناصرها وتدمير آليات تابعة لها. وأكّدت مواصلة التصدّي لكلّ من يحاول المساس بأمن المواطنين، والمضيّ في اجتثاث جذور التطرّف والإرهاب، وحماية الوطن وصون مقدّساته.
لكنّ الانتصار الأمني والعسكري، على أهمّيته، يبقى ناقصًا ما لم ترافقه مواجهة فكرية وثقافية ودينية شاملة للمنظومة التكفيرية التي تُشرعن القتل باسم الدين، وتجعل الاختلاف في العقيدة ذريعة لاستباحة الدماء. فالإرهابي الذي يضغط على الزناد هو الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ بفكرة تُشيطن الآخر، وخطاب يجرّده من إنسانيته، وعقيدة متطرّفة تمنح القاتل وهم امتلاك الحقيقة المطلقة والتفويض الإلهي.
لذلك، لا يكفي تفكيك الخلايا ومصادرة أسلحتها وضرب معاقلها؛ لا بدّ أيضًا من تفكيك الأفكار التي تُنتجها، وتجفيف منابع التحريض والكراهية، وترسيخ خطاب ديني وتربوي يحترم التعدّدية وكرامة الإنسان. فالحسم الأمني يوقف القتلة، أمّا مواجهة الفكر التكفيري فتمنع إعداد قتلة جدد.