منذ انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية اللبنانية في 9 كانون الثاني 2025، ارتفعت سقوف التوقعات لدى اللبنانيين الذين أنهكتهم الأزمات السياسية والاقتصادية، وأثقلت كاهلهم تداعيات الحرب والدمار والانهيار المالي. وجاء خطاب القسم محمّلًا بوعود كبيرة، عنوانها استعادة الدولة، وحصر السلاح بيد أجهزتها الشرعية، وإصلاح القضاء، ومكافحة الفساد، وإعادة إعمار ما دمّرته حرب حزب الله مع إسرائيل.
ورغم أن الخطاب حينها كان ثريّا بالتعهدات التي أثارت لبنانية اللبنانيين... إلا أن الواقع اليوم يفرض أسئلة مشروعة بغرض الجواب لا الاتهام. ماذا تحقق من تعهدات الرئيس؟ ومتى ستتحوّل الوعود التي لم تتحقق بعد إلى أفعال؟ وكيف سينهي الرئيس عهده؟
في الشكل... لا يمكن إنكار أن انتخاب الرئيس وتشكيل حكومة نواف سلام شكّلا خطوة أساسية في إعادة انتظام المؤسسات الدستورية، بعد فترة طويلة من الشغور الرئاسي والشلل السياسي. كما أن مرحلة التعيينات الإدارية والقضائية والأمنية، وإقرار قوانين تتصل بإصلاح القطاع المصرفي وتنظيم القضاء. يمكن اعتبارها خطوات يبنى عليها، لكنها لا تكفي وحدها للحديث عن تغيير جذري في واقع الدولة اللبنانية.
فالدولة لا تُبنى بالمراسيم وحدها، ولا تُستعاد هيبتها بمجرد تعيين مسؤولين جدد، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون، ومحاسبة الفاسدين، وحماية حقوق المواطنين، ووضع حدّ لمنطق المحسوبيات الذي استنزف مؤسساتها لعقود.
حصرية السلاح بيد الدولة: أصعب اختبار أمام العهد
لقد حقق الجيش اللبناني تقدمًا - ولو شكليّا - في بسط سلطته العملياتية جنوب نهر الليطاني، وأعلنت الحكومة الانتقال إلى مراحل لاحقة من خطة حصر السلاح. لكن ما تحقق في منطقة محددة لا يعني أن الدولة أصبحت صاحبة القرار الأمني والعسكري الوحيد على امتداد الأراضي اللبنانية. ولا حتى على مساحة الجنوب.
فالسلاح خارج المؤسسات الرسمية لا يزال ملفًا مفتوحًا، فيما تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع التطورات الإقليمية والعمليات الإسرائيلية واستمرار الاحتلال لقرابة ثلث مساحة الجنوب.
وبين تمسّك الدولة بقرارها السيادي ورفض ميليشيا حزب الله التخلي عن سلاحها، يجد العهد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد.
غير أن صعوبة المهمة لا تلغي مسؤولية الدولة عن تنفيذ تعهداتها، كما أن تحقيق السيادة لا يكتمل بمجرد إعلان الخطط، بل يحتاج إلى استراتيجية واضحة، وقدرات عسكرية كافية - وهي موجودة - وإلى قرار سياسي جامع، وضمانات تحول دون تحويل لبنان مجددًا إلى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين. كما يحب الرئيس أن تسمّى.
إعادة الإعمار: السلاح أولًا
في ملف إعادة الإعمار، تبدو الفجوة بين الوعد والواقع أكثر وضوحًا. فقد تعهّد عون بإعادة إعمار ما دُمّر في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، لكن حجم الأضرار والحاجة إلى التمويل، إلى جانب استمرار المخاطر الأمنية، جعلت الطريق طويلة أمام عودة الحياة إلى طبيعتها.
فاللبناني الذي خسر منزله أو متجره لا ينتظر إعلان لجنة أو إطلاق خطة تمويل، بل ينتظر أن يعود إلى منزله، وأن يجد مصدر رزقه، وأن يشعر بأن الدولة تقف إلى جانبه. وتحميه من أعداء الداخل والخارج. ومن هنا، فإن نجاح العهد في هذا الملف سيُقاس بحجم ما أُعيد بناؤه، وقيمة التعويضات التي وصلت إلى أصحابها، وقدرة الدولة على منع تكرار المأساة.
وكلّ ما فعله الرئيس في هذا الملف – حتى اليوم – هو تعيين وزير حزب الله السابق علي حميّة مستشارا له لشؤون إعادة الإعمار. لكن حميّة وملفّه الأساسي غابا منذ ذلك الحين لاعتبارات تبدأ بخلافات الرئيس مع حزب الله. ولا تنتهي عند ربط تمويل إعادة الإعمار من المجتمع العربي والدولي بنزع سلاح الميليشيا.
المصارف: حلّ مجمّد
اقتصاديًا، لا تزال الأزمة المصرفية من أبرز الملفات التي تنتظر حلًا فعليًا. صحيح أن تعديلات قانونية أقرت، وأن الحكومة تقدمت في مسار إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الفجوة المالية، لكن أموال المودعين لم تعد إلى أصحابها بصورة شاملة، ولم تنتهِ الأزمة التي أفقدت اللبنانيين ثقتهم بالمصارف وبالدولة معًا.
وهنا تحديدًا، لا يمكن اعتبار إقرار القوانين إنجازًا مكتملًا ما لم ينعكس على حياة الناس. فالإصلاح الحقيقي هو الذي يحدد المسؤوليات بوضوح، ويضمن توزيع الخسائر بصورة عادلة، ويحمي حقوق المودعين، ويعيد الثقة بالقطاع المالي، بدل أن تبقى الحلول حبيسة النقاشات السياسية والتجاذبات المصرفية.
القضاء... الفساد... الدويلة...
لا شك أن مكافحة الفساد واستقلال القضاء، وهما من أبرز العناوين التي رفعها الرئيس في خطاب القسم، لا يزالان بحاجة إلى اختبار عملي أكثر وضوحًا.
ولا يمكن تجاهل صدور قانون لتنظيم القضاء. فهو حتما خطوة مهمة، لكن استقلال القضاء لا يُقاس بنصوص القوانين وحدها، بل بقدرته على التحقيق في الملفات الحساسة، ومحاسبة المتورطين، وتطبيق الأحكام بعيدًا عن الضغوط السياسية والطائفية.
لقد سئم اللبنانيون سماع الوعود بمحاسبة الفاسدين، فيما بقيت ملفات كثيرة عالقة، واستمر شعور قطاعات واسعة منهم بأن المحاسبة لا تطال الجميع بالقدر نفسه. ولذلك، فإن أي حديث عن بناء دولة القانون سيبقى ناقصًا ما لم يرَ المواطن نتائج ملموسة على أرض الواقع.
في المقابل، لا يمكن إشاحة النظر عن أن الرئيس لا يعمل منفردًا، وأن تنفيذ خطاب القسم يتطلب تعاون الحكومة والبرلمان والقضاء وسائر المؤسسات، فضلًا عن توافق سياسي يصعب تحقيقه في بلد يقوم نظامه على توازنات طائفية معقدة.
لكن هذه العقبات، مهما كانت جدية، لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لتأجيل الإصلاحات، أو إلى وسيلة لتبرير كل تعثر. فالمطلوب من العهد أن يوضح للبنانيين ما يستطيع إنجازه، وما تعترضه عقبات، وما الخطوات العملية التي ينوي اتخاذها لتجاوزها.
وحتى ذلك الحين، يمكن القول إن عهد جوزاف عون حقق خطوات أولية في إعادة تشغيل المؤسسات وإطلاق بعض الإصلاحات، لكنه لم ينجز بعد التحول الذي وعد به اللبنانيين في القضايا الأكثر حساسية: حصرية السلاح، وإعادة الإعمار، واستعادة الودائع، ومكافحة الفساد، وتحقيق السيادة الكاملة.
فخطاب القسم ليس صكّ براءة للعهد، كما أنه ليس حكمًا مسبقًا على فشله؛ إنه تعهّد سياسي يجب أن يبقى تحت رقابة الناس والمحاسبة العامة.
والفارق بين عهد ينجح في تغيير الواقع وآخر يكتفي بإدارة الأزمات هو أن الأول يمحي الوعود بالنتائج، فيما يظل الثاني أسير التصريحات والقرارات التي تنفع في الدعاية ولا تصل آثارها إلى المواطنين.
وفي بلد أنهكته الحروب والانقسامات والانهيارات، لا يحتاج اللبنانيون إلى خطاب جديد بقدر حاجتهم إلى دولة تحميهم، وقضاء ينصفهم، واقتصاد يعيد إليهم حقوقهم، وسلطة تمتلك القرار على كامل أراضيها.
عندها فقط يمكن القول إن خطاب القسم لم يكن مجرد كلام قيل في لحظة انتخابية، بل بداية فعلية لاستعادة الدولة اللبنانية.