في 16 تشرين الأول 1989 ولدت لعائلة مسلمة سنية في قلنسوة في الأراضي المحتلة طفلة ستصبح لاحقا النقيب إيلا واوية نائبة الناطق باسم "جيش الدفاع الإسرائيلي" للإعلام العربي، إيلا ليست فصلا جديدا من تعاطي عزمي بشارة البراغماتي مع الاحتلال الإسرائيلي، بل هي عنوان تفاعل الجيل الفلسطيني الجديد في النظرة إلى الاحتلال، فمن قاوم وقاتل وجرح واستشهد، ومن تهدمت منازله فداء لنضال الشعب الفلسطيني جاء الجيل الفلسطيني الجديد ليسميهم إرهابيين مخربين.
سيقول البعض أن إيلا لا تمثل الفلسطينيين وإنما بندقية السنوار، فيكون الخيار بين طوفان الخراب والكابتن إيلا وبين الدفتين تختصر مساراتنا وخياراتنا، وكأن قدرنا أن نتحمل ذيول ما يقرره الفلسطينيون، وأننا ما نزال نعيش آثار علاقة فشل هلينة ومينيلاوس الزوجية.
بالرغم من تقلب النتائج منذ ليل أمس حتى اليوم وتقدم نتنياهو على آيزنكوت، فان احتفال بعض الحارات بتقدم الكتل العربية في غير محله، خاصة في انعكاس ذلك على المحتفلين.
لا يختلف أي من المعسكرين في نظرته إلى أس الصراع، بل على العكس فإن آيزنكوت وبينيت لا يقبلان بتحييد الضاحية ولا بيروت ويعتبران أن نتنياهو لم يقاتل بشراسة كافية ويلومانه على الالتزام بالتمنيات الترمبية.
إن قراءة التشكل السياسي للكتل العربية تظهر انقسام هذا المعسكر بين فريقين، فريق "القائمة المشتركة" برئاسة يوسف جبارين ومن أبرز وجوهها أحمد الطيبي وحزب "راعام" بزعامة منصور عباس، حزب راعام الإسلامي الناشئ من رحم الإخوان المسلمين اعترف زعيمه في العام 2021 بيهودية دولة إسرائيل، أما "القائمة المشتركة" فتمارس البراغماتية المعيشية ومن بين هاتين العقليتين ولدت الكابتن إيلا.
يترقب المشاهدون فرز صناديق الاقتراع التي ستسفر في النهاية عن تقدم طفيف لنتنياهو على آيزنكوت، ولكن لا نتنياهو المقيد بسموتريتش وبن غفير ولا آيزنكوت المقيد بنفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان سيتمكنون من التحالف مع أي من الحزبين العربيين.
فمنصور عباس الأقرب إلى التعاون مع آيزنكوت، ظهر في نتائج الانتخابات أقل تأثيراً من أحمد الطيبي، وفي هذه الحالة ستقوم الكتلة العربية بالامتناع عن التصويت في جلسة الثقة وسيفوز من ينال عدد أصوات أكبر في استعادة لسابقة 13 حزيران 2021 حين لم تشترط الأغلبية المطلقة لنيل الثقة، بل منحت الثقة لحكومة لابيد/بينيت بناءً على أكثرية المقترعين، وستبقى هذه الحكومة مقيدة برضى الولايات المتحدة الأميركية وإدارتها وسيمتد هذا إلى عقد من الزمن بأقل تعديل.
إن عجز نتنياهو عن تحقيق انتصار كاسح في صناديق الاقتراع رغم انجازاته العسكرية غير المسبوقة، ومشاركة العرب الإسرائيليين بكثافة في الانتخابات الإسرائيلية يشير بشكل حاسم إلى تقدم المواطنة على القومية في الفكر الإسرائيلي، وهذا التطور سيمكن إسرائيل في فترة لاحقة من تجاوز عقدة الغيتو إلى الريادة الإقليمية إذا نجحت نخبها مثل توم ويغنر من دفن "شايلوك" مرة وإلى الابد.
شايلوك المولود من قرون القهر ما زال حاضرًا في وجدان الإسرائيلي لذلك ما زلنا نشاهد التطرف في إسرائيل متقدمًا على السلام، ولذلك تم اغتيال اسحق رابين ولذلك يتنافس السياسيون في إسرائيل على خطاب العنف.
في المقلب الاخر ما زلنا نعيش في الماورائيات، وفي النبوءات وما يرويه المنجمون عن حتمية سقوط اسرائيل بسبب عقدة الثمانين عاما، لكن هؤلاء لم يعوا أن إسرائيل كدولة نشأت مع يوشع بن نون ولم تنته مع هيرودوس المذكور في الانجيل، وان ذكر الثمانين عاما في مرويات نقلت عن ملك داوود وسليمان لم يكن إلا فترة التفوق والسلم السليماني.
إن ما يطرحه أصحاب نظرية الابراهيمية لا يقول بالسلم السليماني، وانما بالسلام القائم على التكافل والندية وليس على التفوق والسيطرة وقد بدأ ذلك من زمن حركة "السلام الآن" التي كان يتظاهر أعضاؤها في الاراضي المحتلة بحثا عن السلام العادل مع العرب فيما كان العرب يسكرون بخطابات الرمي بالبحر ولاءات الخرطوم الثلاث.
أما جماعة الاقصاء والراديكالية فلا يرون التعاطي مع الآخر إلا عبر عقلية الافتراس والاخضاع، وهذا منهاج التكفيريين في كل الأديان وكل العقائد، وهذه عقلية مخالفة لقانون الطبيعة ولا يمكن لها أن تستمر فهذه العقلية التي تأتي من خارج منطق التاريخ أثبتت فشلها في كل الحقبات التاريخية فمن نظام الحسبة في دمشق سنة 705 للهجرة إلى الطهوريين في بريطانيا سنة 1560 ميلادي، تفوقت هذه الحركات ومن ثم انهارت نتيجة تنخر داخلي أفضى إلى زوالها، أما اليوم فإن التنخر ليس فقط ناشئاً عن أناتوميا الفكر التكفيري وبشاعته، وإنما تفرضه الحاجات الاقتصادية الكبرى، وهنا سيزول التكفير والتعصب الأيديولوجي أسرع بكثير من الحالات السابقة، ولكن أمام هذا المشهد لا بد من أن نتساءل عن جدوى مئة عام من التضحيات، ومئة عام من الأوهام والاصطفاف لنشاهد في نهاية القصة ابنة مدينة قلنسوة تسمي أحفاد من استنفر يوما غضبا لكرامة أجدادها "مخربين إرهابيين".
وهنا سأنشد مع كمال خيربك:
المجد لي؟
المجد للسجان، للحشرات تعبث بي
لشتائمٍ تنهال كالسحبِ
المجد للجدران هازئة
مزروعة بالرعب والغضبِ
وعوالمي البيضاء غارقة
بالخيبة الرقطاء والعتبِ
وعوالمي تنهار بين يدي
تنهار مثل تساقط الشهبِ
وأدور .. أين أنا؟ و أين غدي؟
عمّرتهُ بالماس والذهبِ
يا طول ما مجّدتُ ثورتهم
وحرقت في ظلمائهم غضبي
يا طول ما غنى دمي لهم
وتراكضت لعناقهم كتبي
يا رب لو تغتال ذاكرتي ...
كم كنت غرّا، جاهلاً، وغبيًا.