د. جان جبور

حين تصبح الفلسفة مغامرة: أليس تعود لتسأل كيف نعيش؟

5 دقائق للقراءة
غلاف الكتاب

ثمّة مفارقة تستحقّ التأمّل في عالمنا المعاصر: لم يمتلك الإنسان يومًا هذا القدر من المعرفة، ولم تتوافر له وسائل الوصول إليها بهذه السهولة، ومع ذلك يبدو أكثر حيرة أمام الأسئلة التي تتعلّق بوجوده ومصيره. نعرف الكثير عن الكون والطبيعة، ونطوّر آلات تستطيع أن تجيب في ثوانٍ عن أسئلة كانت تحتاج إلى سنوات من البحث، لكنّنا لا نزال نتعثّر أمام سؤال بسيط في ظاهره، عميق في دلالاته: كيف ينبغي أن نعيش؟ هذا السؤال اختاره الفيلسوف والكاتب الفرنسي روجيه-بول دروا محورًا لكتابه "أليس في بلاد الأفكار"، الذي صدرت ترجمته العربية حديثًا عن "المكتبة الشرقية" في بيروت، بتوقيع الدكتورة زهيدة درويش جبور. والمفارقة أن يأتي هذا السؤال الفلسفي الكبير على لسان فتاة صغيرة، وأن يتّخذ البحث عن الإجابة شكل مغامرة روائية تستعيد إحدى أشهر الشخصيات في الأدب العالمي: أليس التي ابتكرها لويس كارول قبل أكثر من قرن ونصف القرن. لكنّ أليس الجديدة لا تبحث عن عجائب العالم، بل عن معنى العيش فيه.


الدهشة والسؤال

العالم الذي تدخل إليه أليس عند روجيه-بول دروا تتواجه فيه الأفكار والتصوّرات المختلفة حول الحقيقة والسعادة والحرية والعدالة. فالمؤلّف لم يستعد شخصية أليس لمجرّد شهرتها، بل لأنّه وجد فيها ما يناسب مشروعه الفلسفي: الدهشة التي تسبق المعرفة، والفضول الذي يدفع إلى الاكتشاف، والاستعداد لمواجهة عالم لا تسير فيه الأشياء وفق ما نعتقد أنّه بديهي.

في بداية المغامرة، تجد أليس نفسها تهوي في نفق مظلم. تُخرج هاتفها الذكي لتستعين به، لكنّها تكتشف أنّ الاتصال بالإنترنت غير متاح. لا شبكة هنا، ولا وسيلة للحصول على إجابة فورية. ليس أمامها سوى أن تفكّر. قد يبدو المشهد تفصيلا عابرًا، لكنّه يكتسب دلالة خاصّة في زمن أصبح فيه الإنسان معتادًا على طلب الإجابات من الأجهزة التي ترافقه. فغياب الشبكة لا يعني هنا مجرّد انقطاع الاتصال بالعالم الخارجي، بل يتيح استعادة صلة من نوع آخر: صلة الإنسان بقدرته على التساؤل والتفكير. غير أنّ التفكير لا يقود بالضرورة إلى الطمأنينة. فكلّما تقدّمت أليس في رحلتها، ازدادت الأسئلة تعقيدًا، واكتشفت أنّ الفلاسفة الذين تلتقيهم لا يتّفقون على تعريف واحد للسعادة، ولا على طريق واحدة لبلوغ الحكمة.


الطرق إلى الحكمة

في مشهد بالغ الدلالة، تعبّر أليس عن حيرتها أمام الملكة البيضاء قائلة: "الفلاسفة الذين التقيتهم جميعًا يريدون شرح كيف نعيش، لكنني أتساءل لماذا لا يتّفقون...". قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنّه يمسّ إحدى القضايا الجوهرية في تاريخ الفلسفة. فإذا كان الفلاسفة يبحثون عن الحقيقة، فلماذا تتعدّد إجاباتهم؟ وإذا كانت الحكمة تهدف إلى مساعدة الإنسان على العيش، فلماذا تختلف السبل التي يقترحونها؟

ولعلّ أهمّية الكتاب تكمن في أنّه لا يسعى إلى إخفاء هذا الاختلاف، ولا إلى التوفيق المصطنع بين المذاهب، بل يجعل منه مادّة للتفكير. فالحياة الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن تختزلها نظرية واحدة، والبحث عن الحكمة لا ينتهي بالعثور على جواب نهائي. هكذا لا تبدو رحلة أليس مجرّد انتقال بين محطّات من تاريخ الفلسفة، بل تجربة في اكتشاف تعدّدية الفكر الإنساني. فأليس عند الكاتب روجيه-بول دروا فتاة تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين، وتعيش قلق جيلها أمام الحروب والكوارث البيئية واضطراب المستقبل. وهذا ما يجعل الكتاب أكثر من محاولة لتبسيط الفلسفة. إنّه، في جوهره، محاولة لإعادة وصل الفكر بالحياة، واستعادة وظيفة قديمة للفلسفة حين كانت الحكمة مرتبطة بفنّ العيش، وكان التفكير تمرينًا على تغيير نظرتنا إلى أنفسنا وإلى العالم.


أليس والقارئ العربي

يجد القارئ العربي في الكتاب ما يتجاوز متعة المغامرة الفكرية. فنحن نعيش في منطقة تتزاحم فيها الأسئلة الكبرى، وتفرض فيها الوقائع السياسية والاجتماعية على الإنسان اتّخاذ مواقف من قضايا الحرية والعدالة والهوية والاختلاف والمصير المشترك. وكثيرًا ما تتحوّل هذه القضايا إلى موضوعات للصراع بدلا من أن تكون مجالا للحوار والتفكير. ليس المقصود أنّ الفلسفة تستطيع حلّ الأزمات التي تعصف بمجتمعاتنا، أو أنّ الحوار الفكري يمكن أن يحلّ محلّ الفعل السياسي والاجتماعي. لكنّ التفكير النقدي يتيح لنا أن نعيد النظر في المسلّمات التي تحكم أحكامنا، وأن نفهم كيف تتكوّن قناعاتنا، وأن نعترف بأنّ اختلاف الآراء لا يعني بالضرورة استحالة التفاهم.

وفي هذا السياق، يكتسب صدور الترجمة العربية أهمّية خاصّة. فالترجمة لا تقتصر على نقل عمل فرنسي إلى لغة أخرى، بل تفتح أمام القارئ العربي مجالا للمشاركة في حوار إنساني واسع حول أسئلة لا تنتمي إلى ثقافة بعينها. وقد واجهت المترجمة تحدّيًا مزدوجًا: نقل مضمون فلسفي يتطلّب الدقّة في اختيار المصطلحات، والمحافظة في الوقت نفسه على حيوية السرد وطرافة الحوارات التي تشكّل جزءًا أساسيًّا من جاذبية العمل. ومن هنا تأتي أهمّية اللغة العربية الواضحة والسلسة التي تنقل الأفكار من دون أن تفرّط في عمقها.

ولعلّ القيمة الأعمق لهذا العمل تكمن في أنّه يدعونا إلى مراجعة علاقتنا بالمعرفة نفسها. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد الحصول على المعلومات هو المشكلة الكبرى. لكنّ امتلاك الإجابة لا يعني بالضرورة فهم السؤال، كما أنّ وفرة المعلومات لا تصنع وحدها إنسانًا حكيمًا. وهنا تستعيد الفلسفة ضرورتها. فهي لا تنافس الآلات في سرعة الإجابة، بل تذكّرنا بأنّ التفكير يتطلّب القدرة على الشكّ والتمييز والمقارنة والحكم، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يعهد إلى غيره بمسؤولية اختيار الطريقة التي يريد أن يعيش بها.


*أستاذ جامعي، باحث ومترجم