قال جورج برنارد شو إنّ الديمقراطية آلةٌ تضمن ألّا نُحكَم بأفضل ممّا نستحق. ولو قُدّر للعجوز الإيرلندي أن يقضي هذا الخريف في بيروت، لأضاف حاشيةً لبنانية على حكمته: في بلادنا، الديمقراطية آلةٌ تضمن أن نُحكَم بمن لم نجدّد لهم الثقة، وأن ندفع لهم علاوةً لأنّنا لم نُستشَر. فبالأمس، وقف الإسرائيليون في طوابير أمام صناديق الاقتراع لانتخاب الكنيست، ودولتهم تخوض حرباً على خمس جبهات. وفي اليوم نفسه، كان لبنان، الذي يخوض حرباً على جبهة واحدة يُقال إنّه لا يخوضها، يعيش شهره الثامن في ظلّ برلمانٍ مدّد لنفسه، وقد رفع رواتبه كمن يكافئ نفسه على حُسن سير عمليةٍ ديمقراطية لم تحصل أصلاً.
وهنا الإشكالية التي تستحق أن نخجل منها قبل أن نغضب: كيف يستطيع «الكيان المصطنع»، كما نسمّيه في خطبنا، أن يمارس تداول السلطة تحت الصواريخ، فيما تعلّق الدولة «الأصيلة» دستورها كلّما مرّت مسيّرة في سمائها؟ وهل المشكلة فعلاً في الحرب، أم في الذين وجدوا فيها أفضل محامٍ عن بقائهم في مقاعدهم؟
لنتّفق أولاً، حتى لا يتبرّع أحدٌ بتخويننا: ليست ديمقراطية العدوّ نموذجاً يُحتذى. إنّها ديمقراطية نادٍ مغلق، تفتح الصناديق لأعضائها وتغلق السماء على غيرهم، وتحتلّ أرض شعبٍ آخر ثم تفاخر بنسب الاقتراع. لكنّ النادي المغلق، يا سادة، يُجري انتخابات لمجلس إدارته في موعدها، ويحاسب رئيسه، ويهدّده بالخروج من الحكم. أمّا نادينا المفتوح على كلّ الرياح، فقد قرّر أن مجلس إدارته لا يُمسّ، وأنّ المنتسبين يكفيهم شرف دفع الاشتراكات.
في التاسع من آذار الماضي، وبينما كانت الضاحية تُقصف ومئات الآلاف من اللبنانيين يبحثون عن سقف، اجتمع مجلس النواب في جلسةٍ استثنائية، لا ليقرّ خطة طوارئ للنازحين، بل ليمدّد ولايته سنتين بأكثرية ستة وسبعين صوتاً. والذريعة جاهزة كبدلة الأعراس المستأجرة: الظروف القاهرة. ومن الغريب أنّ الظروف القاهرة التي منعت المواطن من الوصول إلى قلم الاقتراع لم تمنع النائب من الوصول إلى ساحة النجمة. فالحرب، على ما يبدو، تميّز بين الناخب والمنتخَب: تُرهب الأول وتُعفي الثاني. وهذا ليس جديداً؛ فقد مدّدت مجالسنا لنفسها مراراً حتى صار التمديد هو القاعدة والانتخاب هو الاستثناء الذي يحتاج إلى تبرير.
ثم جاءت الفضيحة الصغيرة التي تختصر الكبيرة. ففي بلدٍ يتقاضى فيه موظف القطاع العام حقوقه بالتقسيط، ويُطلب منه أن يصبر على ضريبة قيمة مضافة ارتفعت ورسمٍ جديد على صفيحة البنزين، قفز راتب النائب من ثلاثة آلاف دولار إلى خمسة آلاف، لا بقانونٍ يُناقَش ويُصوَّت عليه علناً، بل بمرسومٍ ينقل اعتماداً من احتياط الموازنة إلى صندوق تعاضد المجلس، وتُدفع الزيادة دفعة واحدة. كان شو يقول إنّ الرجل الذي لا يملك شيئاً يخسره لا يخيف أحداً. نوابنا قلبوا المعادلة: صاروا لا يخافون أحداً لأنّ الناخب لم يعد يملك ما يحاسبهم به. فما حاجة النائب إلى رضى الشعب ما دام الشعب لن يُسأل قبل سنتين، وما دامت الزيادة لا تنتظر الصناديق؟
لكنّ المشهد لا يكتمل من دون جوقة الممانعة، التي تابعت انتخابات الكنيست بشغف المشجّع في المدرّج. فهؤلاء الذين يقولون إنّ لا فرق بين صهيوني وصهيوني، وجدوا فجأة فرقاً يستحق الدعاء: يتمنّون أن يربح غادي آيزنكوت على بنيامين نتنياهو. وآيزنكوت، لمن نسي، هو صاحب «عقيدة الضاحية»، النظرية التي بشّرت بتحويل الضاحية الجنوبية إلى موقف سيارات. ونتنياهو هو الذي نفّذ المشروع على مساحة الجنوب كلّه. فالخيار المطروح على قلوب الممانعين بسيط: المهندس الذي رسم الخريطة أم المقاول الذي صبّ الإسفلت؟ ولو سُئل شو عن هذا الحماس لقال إنّ أخطر أنواع الحمقى هو الذي يختار جلّاده بحسب أناقة نظريته. والمفارقة الأشدّ أنّ الذين يهتمّون بنتيجة الانتخابات عند العدوّ هم أنفسهم الذين لا يمانعون في إلغائها عندنا. يريدون للإسرائيلي أن يغيّر حاكمه، ويريدون للبناني أن يحتفظ بحاكمه إلى أجلٍ مسمّى يُمدَّد كلّما اقترب.
فأيّنا الدولة وأيّنا الكيان؟ ليس السؤال للمزايدة، بل للمحاسبة. فالدولة لا تُقاس بعمق جذورها في التاريخ، بل بقدرتها على احترام مواعيدها. والسيادة لا تعني فقط ألّا يدخل جنديٌّ غريب أرضك، بل ألّا يُصادر نائبٌ قريب صوتك. نحن نخسر أمام العدوّ في الميدان مرّةً، ونخسر أمامه في السياسة كلّ يوم، لأنّنا سلّمناه، طوعاً، تفوّقاً لا يملك أن ينتزعه منّا بالقوة: تفوّق المؤسسات.
والأفق ليس مسدوداً إلا إذا أردناه كذلك. فالضغط باتجاه تقصير مدة التمديد وإجراء الانتخابات حقٌّ لا منّة، ومطالبة كلّ نائبٍ بأن يعلن رفضه للزيادة علناً اختبارٌ بسيط للنوايا. وليتذكّر الذين يتذرّعون بالحرب أنّ الدولة التي لا تنتخب إلا في زمن السلم لن تعرف السلم أبداً، لأنّ الحرب عندنا لا تنتهي ما دام هناك من يستفيد من استمرارها. إن أردنا حقاً أن نهزم العدوّ، فلنبدأ من الجبهة الوحيدة التي نستطيع أن نتفوّق عليه فيها من دون صاروخ واحد: صندوق الاقتراع. وحتى ذلك الحين، سيبقى السؤال معلّقاً فوق ساحة النجمة كمسيّرةٍ لا تغادر: من الذي يحتلّ لبنان فعلاً؟