لم تكن دنيبرو صباح اليوم ساحة معركة، ولا موقعاً عسكرياً، ولا منشأة قتالية يمكن البحث عن ذريعة لتبرير استهدافها، بل كان هناك محطة القطارات الرئيسية التي تضج بالحياة، برصيف مزدحم بالمسافرين الذين يحملون حقائبهم ويتبادلون أحاديث الوداع، وأمهات يراقبن أطفالهن، وموظفين يستعدون لإتمام رحلة قطار عادية باتجاه زابوريجيا، حيث كان كل شيء يسير وفق إيقاع الحياة اليومية المعتاد، قبل أن تنقلب تلك اللحظة في ثوانٍ إلى مشهد من الدم والركام، بعدما استهدفت مسيّرة روسية رصيف مكتظ بالمسافرين، لتسقط الضربة فوق مكان كان يفترض أن يكون محطة عبور لا ساحة موت، وتتحول تذاكر السفر والحقائب وأغراض المسافرين إلى بقايا متناثرة بين الأنقاض، فيما ارتفعت حصيلة القتلى إلى أربعة عشر شخصاً وأصيب آخرون، بحسب أحدث التقارير، بينما انشغلت فرق الإنقاذ والمسعفون بانتشال الضحايا ونقل الجرحى وسط بقع الدم التي امتدت على أرض الرصيف.
لم تكن المأساة في دنيبرو مجرد خبر جديد يضاف إلى نشرات الحرب، لأن وراء كل رقم اسماً وحياة وعائلة وموعداً كان ينتظر صاحبه، ولأن هؤلاء الذين قتلوا لم يكونوا جنوداً على جبهة، ولا مقاتلين داخل خندق، بل مسافرين عاديين كانوا يستعدون لركوب قطار متجه مدينة الى مدينة اخرى، الأمر الذي جعل المشهد أكثر قسوة، بعدما تحولت محطة القطارات إلى شاهد جديد على اتساع دائرة الحرب داخل المدن الأوكرانية، وعلى هشاشة المسافة التي تفصل المدني عن الموت في بلد يعيش منذ سنوات تحت تهديد الصواريخ والمسيّرات.
الضربة التي أصابت دنيبرو جاءت في وقت كانت فيه الأعين تتجه إلى الحديث عن الهدن والمفاوضات والمبادرات الإنسانية، وكأن الحرب يمكن أن تتوقف بقرار على الورق بينما تستمر النار في أماكن أخرى من البلاد، إذ تزامنت المأساة مع هدنة إنسانية جزئية ومحدودة جغرافياً في جنوب أوكرانيا للسماح بإيصال المساعدات إلى المدنيين، في مشهد يختصر التناقض الذي بات يطبع مسار الحرب؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه العواصم عن وقف إطلاق النار، وتبحث فيه القوى الدولية عن مخارج سياسية، يستمر المواطن الأوكراني في دفع ثمن الحرب على الأرصفة وفي الشوارع وداخل المباني السكنية.
ولم تكن مدينة «دنيبرو» وحدها في بنك الاهداف «الانسانية» الروسية، إذ امتدت الضربات إلى تشيرنيهيف شمال البلاد، حيث أصاب قصف روسي منطقة مدنية مزدحمة، لتسقط فتاتان في الخامسة عشرة من العمر بين الضحايا، فيما أصيب آخرون وتضررت المنازل والسيارات والمحال، في مشهد يعيد إلى الواجهة السؤال الأكثر إيلاماً في هذه الحرب: أين يمكن للمدني أن يذهب عندما تتحول الشوارع ومحطات القطارات والمباني السكنية إلى أماكن لا توفر له الحماية؟ وفي كريمنتشوك ايضا، جاءت ضربة أخرى لتصيب مبنى سكنياً وتسقط ضحايا مدنيين، بما يعكس اتساع رقعة الاستهداف وتعدد أشكاله، من محطات النقل إلى الأحياء السكنية، في وقت تتواصل فيه الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى.
وإذا كان من السهل الحديث من خلف شاشات التلفزيون عن التهدئة والسلام وضرورة تقديم التنازلات، فإن المشهد يصبح مختلفاً تماماً عندما يقف الإنسان أمام رصيف مغطى بالدماء، ويبحث بين الركام عن حقيبة أحد أفراد عائلته أو عن هاتف ابن لم يعد يجيب على اتصالاته، فهناك فقط تصبح الكلمات السياسية أقل قيمة من سؤال واحد: من يحمي المدنيين؟ وكيف يمكن الحديث عن سلام حقيقي بينما لا يزال المدني يخشى ركوب القطار، أو السير في الشارع، أو النوم داخل منزله؟
الحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد مواجهة بين خطوط عسكرية متقابلة، بل أصبحت حرباً تضرب العمق وتستهدف البنية التحتية وشبكات النقل والطاقة والمناطق السكنية، فيما تستخدم روسيا بصورة متزايدة المسيّرات والصواريخ لضرب أهداف بعيدة عن خطوط الجبهة، في محاولة لإرباك حركة البلاد وإجبار المجتمع الأوكراني على العيش في حالة استنفار دائم، بينما تواصل القوات الروسية والأوكرانية القتال على جبهات الشرق، خصوصاً في دونيتسك وخاركيف، وسط ضغط عسكري ومحاولات مستمرة لتغيير مواقع السيطرة.
لكن الأخطر من كل ذلك أن الحرب باتت تتحرك في اتجاهين متناقضين في الوقت نفسه؛ اتجاه عسكري يزداد تصعيداً واتجاه دبلوماسي يحاول البحث عن مخرج، وبين الاثنين يقف المدني بلا قدرة على التحكم بأي منهما، ينتظر أن تنجح المفاوضات قبل أن تصل الضربة التالية، ويأمل أن يتحول الكلام عن وقف إطلاق النار إلى واقع يمكنه أن يلمسه لا مجرد بيانات تصدر من العواصم.
وهنا تحديداً تصبح مسؤولية دعاة السلام أكبر من مجرد إطلاق الدعوات إلى التهدئة، لأن السلام الذي لا يحمي المدنيين يبقى ناقصاً، والهدنة التي تسمح باستمرار القتل في مكان آخر لا يمكن أن تكون نهاية للحرب، والمفاوضات التي تتحرك ببطء بينما تتحرك المسيّرات بسرعة لا تمنح العائلات التي فقدت أبناءها أي إجابة عن السؤال الذي يطاردها كل يوم: لماذا مات أبناؤنا بينما كان العالم يتحدث عن السلام؟
قد تجلس الوفود حول الطاولات، وقد تبدأ جولات جديدة من الاتصالات، وقد تتبادل العواصم المبادرات والاقتراحات، لكن كل هذه الجهود ستبقى أمام اختبار واحد لا يمكن تجاوزه، وهو القدرة على وقف القتل فعلياً وحماية المدنيين، لأن السلام لا يقاس بعدد البيانات التي تصدر باسمه، بل بعدد الأرواح التي تنجو بفضله، ولا يقاس بعدد الصور التي تجمع المسؤولين حول طاولة المفاوضات، بل بعدد المحطات التي يستطيع فيها المدني أن ينتظر قطاره من دون أن يخشى أن تتحول الرحلة إلى جنازة.
دنيبرو اليوم لا تحتاج إلى خطاب جديد عن ضرورة السلام بقدر ما تحتاج إلى أن يتوقف القتل، وتشيرنيهيف لا تحتاج إلى بيانات تعزية تعيد إلى فتاتين في الخامسة عشرة من العمر حياتهما، وكريمنتشوك لا تحتاج إلى وعود سياسية تعيد للمدنيين منازلهم وأحباءهم، بل تحتاج أوكرانيا كلها إلى شيء واحد بات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وهو أن تتحول الدبلوماسية من لغة تُقال في الغرف المغلقة إلى قرار قادر فعلاً على وقف آلة الحرب.
على رصيف دنيبرو بقيت تذاكر المسافرين تحت الركام، وبقيت الحقائب التي لم تصل إلى أصحابها شاهدة على رحلة لم تكتمل، وبقي الدم على أرض المحطة ليقول إن الحرب لا تميز دائماً بين جندي ومدني، ولا بين جبهة ومدينة، ولا بين رجل يحمل سلاحاً وآخر يحمل تذكرة قطار.
وربما لهذا السبب تحديداً ستبقى صورة ذلك الرصيف أقوى من كل صور طاولات المفاوضات، لأن الطاولات تستطيع أن تنتظر جولة جديدة، أما الذين سقطوا على رصيف دنيبرو فلن يحصلوا على فرصة ثانية، وسيظل السؤال معلقاً فوق المحطة، وفوق المدن التي لا تزال تنتظر دورها في هذه الحرب: هل تستطيع الدبلوماسية أن تصل إلى المدنيين قبل الصاروخ والمسيّرة، أم أن العالم سيبقى يفاوض على السلام بينما يستمر الموت في كتابة شروطه على أرصفة أوكرانيا؟




