كنتُ أتجوّل، ذات ليلة، في شوارع المدينة، تتقاذفني الأفكار من جهة إلى أخرى. أسأل نفسي عن معنى الوجود، وعن الأسرار التي تخفيها الوجوه المبتسمة وراء أقنعتها. وفجأةً، لمحتُ حفلا تنكّريًا تتسرّب منه موسيقى هادئة، كأنها تهمس بغموض لا يُطمئن.
استبدّ بي الفضول: أأدخل لأرى ما تخفيه الأقنعة، أم أتابع سيري وأترك أسرارها للظلام؟ لكنّ قوّةً غريبة جذبتني إلى الباب كالمغنطيس، كأنّ سرًّا خفيًا يشدّني إليه.
دفعتُه، فانفتحت أمامي قاعةٌ غارقة في الضوء. وجوهٌ تضحك، وأيدٍ تمتدّ للمصافحة، وأجسادٌ تتمايل على إيقاع الموسيقى. ومع ذلك، كان في المشهد شيءٌ لا يبعث على الطمأنينة: ضحكاتٌ أعلى مما ينبغي، وفرحٌ مصقولٌ كأنه جزءٌ من ديكور أنيق.
تقدّمتُ بين الحاضرين أبحث عن وجه واحد بلا قناع. لكنني كلّما حدّقتُ في أحدهم، بدا لي قناعه أصدق من ملامحه. أقنعةٌ من الثقة تخفي خوفًا، ومن اللامبالاة تستر جرحًا، ومن المرح تحجب وحدةً لا يراها أحد. وخلف البرودة الغامضة، لمحتُ قلوبًا من ذهب أنهكها فرط الإحساس. وفي زاوية بعيدة، جلس عازفٌ منفردٌ يراقبهم، كأنه يعرف أنّ النغمة الصادقةَ لا تُسمَع إلا حين يصمت الضجيج قليلا، ويجرؤ أحدهم على الإصغاء.
كانت ضحكاتهم تطغى على موسيقى الصمت، فيما حملت تنهّداتهم صرخات استغاثة خافتة. خُيّل إليّ أنّ تلك الأصوات تناديني لأنزع الأقنعة عن الوجوه، فتتحرّر الكلمات والأفكار، وتتنفّس المشاعر الرقيقة بعد طول اختناق.
وفجأة، وقعت عيناي على مرآة كبيرة في آخر القاعة. اقتربتُ منها، فرأيتُ وجهي، أو ما ظننته وجهي. كان يعلوه قناع هادئ، وابتسامة تخفي أسئلة كثيرة وآلامًا لم أَبُحْ بها. قناعُ قوّة يستر قلبًا مثقلا، وأحاسيس لازوردية تنتظر لحظة صادقة كي تشرق. تمنّيتُ أن تطرح الوجوه قشورها، وأن تلتقي الأرواح عارية من الخوف، في مسرحية مقدّسة لا تحتاج إلى تمثيل.
عندها أدركتُ أنّني لم أدخل الحفل لأكشف أقنعة الآخرين، بل لأرى قناعي أنا. فالحياة ليست حفلة تنكّرية فحسب؛ إنها رحلة نتعلّم فيها كيف نحتمي، وكيف نخلع أقنعتنا حين نجد من يصغي إلى حقيقتنا.