كثيرون نصحوا العماد ميشال عون بعدم جواز شن الحرب على "القوات اللبنانية" ولكنّه لم يكترث. وكثيرون لا يعرفون ماذا قدّمت "القوات" للجيش من مساعدات ودعم عسكري في حرب التحرير ويجهلون كيف كان يتم تنسيق النيران وكيف كان يتأمّن الاتصال المباشر من خلال خط عسكري موصول بين العمليات في المجلس الحربي والعمليات في قيادة الجيش. هذه التفاصيل عاشها أسعد سعيد بتفاصيلها وبتكليف من قائد "القوات" سمير جعجع. وعلى رغم كل ذلك كانت "القوات" مستعدة للدفاع عن نفسها في حرب الإلغاء. بعد انتهاء الحرب أشرف أسعد سعيد على تنفيذ قرار تسليم أسلحة "القوات" إلى الجيش اللبناني ومن ضمنها طائرات غازيل عسكرية لم تستعملها من قبل. عام 1992 ابتعد أسعد إلى الأعمال الخاصة ولكنّه عاد عام 2007 بعد اتصال من الدكتور جعجع ليبقى مستشارًا تنظيميًا له وليكمل مسيرة نضاله من معراب كما بدأ عام 1975 في المجلس الحربي.
- خلال مرحلة الخلاف مع العماد عون والاجتماعات في قيادة الجيش كان صار اللواء فؤاد مالك رئيسًا للأركان وكنتَ أنتَ نائبه؟
صحيح. ولكن كنت أنا كُلِّفت بهذه المحادثات مع الجيش. مجموعة ميشال عون كان همّها أن تعرف بالضبط كيف كانت "القوات" مقسّمة وكيف هو عديدها بين متفرغ ونصف متفرغ واحتياط. قوة "القوات" الأساسية كانت في الاحتياط وليس بالمتفرغين وحدهم الذين كانوا أساسيين. حصلت اتصالات مهمة بيننا وبينهم مع عدد من الضباط.
- كانت بدأت حرب التحرير وانقلبت المعادلة من 14 شباط إلى 14 آذار؟
الناس لا يعرفون ماذا كان دور "القوات اللبنانية" في حرب التحرير. كان عندنا اتصال مباشر بعد قصة 14 شباط بين غرفة العمليات المركزية في المجلس الحربي وعمليات الجيش. كنّا نسميه الخط الأحمر. كنت في إجازة وطالع لعند عيلتي على عيون السيمان. اتصلوا بي وطلبوا مني العودة إلى المجلس الحربي. وصلت. شو في؟ قالوا إن السوريين والاشتراكيين عاملين هجوم على سوق الغرب.
- في 12 آب 1989؟
كانت حربًا قوية. كسروا خطوط التماس ولم تكن مرابض الجيش تستطيع أن تقصف. ما حدا عم يقدر يتحرّك ويخرج من ثكنته. كل مراكز الجيش كانت تتعرّض للقصف وحصل خرق للجبهة. حصل تواصل مع الجيش. قلنا لهم يمكننا أن نقصف على الجبهة. قالوا إنّهم غير قادرين على القصف المدفعي. قلنا إنّنا نرمي على مرابض السوريين والاشتراكيين لنخفّف القصف عن مواقع الجيش. ونحن مستعدّون للتدخل. حضّرنا كتيبة كاملة في الحوض الخامس للتوجه إلى سوق الغرب والمساعدة، كناية عن لفيف تكتي متكامل بكل عتاده. قالوا إنّهم يفضلون أن نقصف المرابض لتخفيف القصف عنهم. هيك صار. رمينا على كل مرابض المدفعية التي كانت تقصف على الجيش وشلّيناها. تحرّكت قوات من الجيش من ثكنة روميه وتوجّهت إلى سوق الغرب وتمّ استرداد المواقع التي كان خسرها الجيش وبدأت صفحة جديدة بيننا وبينهم في التعاطي والتعامل.
- هذه الصفحة انكسرت في 30 كانون الثاني 1990 مع بدء حرب الإلغاء. كيف استوعبت "القوات" الضربة الأولى وكيف حقّقت التوازن العسكري؟
من الضروري أن يعرف الناس مرحلة حرب التحرير التي تفاجأنا بها. كان هناك تنسيق أكثر من مهم بين الجيش و"القوات". وصلت كمّيات كبيرة من الذخائر والإمكانات إلى الجيش وإلى "القوات". صار عندنا قدرات ضخمة. قال لي الحكيم: سيتصل بك شخص من الجيش، المقدم منير عون، وسيأتي لعندك. شوف شو بدّو ونحن مستعدّون لنساعد. أتى وقال لي: بدّنا نعمل رمايات على المراكز السورية اللي عم تأذينا ونتمنّى أن تساعدونا. عندنا عشرة أهداف تقريبًا نريد أن نرمي عليها يوميًا. بماذا يمكن أن تساعدوا؟ قلت له: نحن مستعدّون. ماذا تريدون؟ قال بدّنا نقصف هدفين أو ثلاثة وكل هدف نقصفه بعدد من القذائف. 50 قذيفة، 20 قذيفة. قلت له نحن مستعدّون أن نأخذ الأهداف الباقية. قال: كلّها؟ قلت: كلّها، ومستعدّون لأن نرمي عليها عدد أكبر من القذائف التي ترمونها. وهذا ما حصل. كان كل يوم يعطينا الأهداف التي سيقصفها الجيش والأهداف التي سنقصفها نحن. أحيانا كنا نطلب منهم أن يصححوا لنا الرماية. قال إنهم يمكن أن يعطونا التصحيح بشكل متأخر يومًا تقريبًا. كان عندهم مخبرون في المناطق. وبقينا على هذا المنوال مدّة طويلة. في الوقت نفسه كنّا نبني ونطوّر قوانا العسكرية بالسلاح والتطويع والتدريب. كان بدّنا عالم. كان عندك خمس دبابات صار عندك مية. تحتاج إلى من يشغّلها. عندك أربع زوارق بحرية وطرادات صار عندك 20 - 25 زروق رباعي عملنا لهم قاعدة بحرية خاصة. بدّك مين يشغّلهم. صار عندك الراجمات كانت عندنا حملة كبيرة لتقوية هذه الماكينة العسكرية. كنّا نستفيد من كل الخبرات في معهد بشير الجميل ومعهد الرتباء حتى نتمكّن من كودرة المجموعات على الأرض ونستفيد من هذا العتاد العسكري، فبدأنا تشكيل لفائف تكتية. الـ61 والـ62 والـ63.
- كل عملية إعادة البناء استنزفت في حرب الإلغاء؟
صحيح.
- كيف استطاعت القوات تثبيت الوضع العسكري وكيف انتهت الحرب؟
جرّبنا قدر الإمكان أن نتجنّب هذه الحرب. كنّا نعرف وتصلنا معلومات أنّه يحضّر للقيام بعمليات على المجلس الحربي وعلى ثكناتنا ومراكزنا. كنّا نعيش حالة استنفار دائم. مقسومين قسمين: 50% نايمين 50% واعيين. استنفار تام. نراقب كل المراكز. كانت عندنا فكرة أنّه إذا كان بدّو يعمل شي بدّو يخلص من القيادة في المجلس الحربي. وهذه المسألة ظهرت لاحقًا وحكى عنها معظم الضباط الذين كانوا معه على أساس أنّه كان يريد أن يضرب الرأس الموجود في المجلس. كل المستشارين عنده كانوا ينصحونه بعدم القيام بهذه العملية. عمل العكس. جرّب. ولكنّه راح على هجوم كامل على منطقة كسروان بهدف الاستيلاء على مرابض المدفعية وأعالي كسروان وينزل على الساحل. يجب أن نعرف أن القوى التي كانت مع عون كانت منتشرة من المدفون، عمشيت، جبيل، حامات، الصفرا، أدما، الملعب البلدي جونية، ثكنة صربا، البحرية، كان مستلمًا كل الخط الساحلي. كان يكفيه أن يخرج من الثكنات ليوصل المواقع ببعضها. قرّر أن يعمل حربًا كبيرة ويحتلّ عين الرمّانة بعد حادث مدرسة قمر. كانت عين الرمّانة بالنسبة إليه هدفًا أساسيًا عليه أن يتخلّص منه لأنّه كان يعرف قوتنا فيها.
- "القوات" سيطرت على كسروان وجبيل وعون سيطر على عين الرمانة. حصل توازن عسكري على الأرض. انتهت الحرب في 13 تشرين. بعدها ما كانت خيارات "القوات"؟
كانت مرحلة صعبة. المناطق التي كنّا نحلم نحن والجيش ما نخلّي حدا يفوت عليها وتضلّ منطقة حرة مع قوة عسكرية ضخمة بين الجيش و"القوات"، ما حدا كان بيحلم يفوت عليها. صارت.
- وُضعت "القوات" أمام خيار الحلّ السياسي والحلّ العسكري. تم حلّ "القوات" على المستوى العسكري وتسليم السلاح للجيش. كنت مشرفًا على عملية الستليم؟
صحيح.
- ماذا سلّمتم الجيش؟
طلع قرار من مجلس الوزراء يسمح بردّ السلاح الذي أخذناه من إسرائيل والسلاح الباقي شوفوا شو بدّكم تعملو فيه. الأميركان لم يقبلوا أن يُعطى السلاح الذي أخذناه من الجيش لإسرائيل. الـ أم 48 والـ أم 113 السلاح الذي أخذناه في معارك جبيل وكسروان. لم يكن عندنا مانع. حضّرنا قوافل لإعادة السلاح إلى إسرائيل ضمن بواخر كانت مواكبة من الجيش إلى جونيه حيث تنقل في البحر. العتاد الذي أخذناه من الجيش جمعناه في حالات وكانت دبابات الـ أم 48 بأحسن حالاتها والـ أم 113 وكل العتاد المسلّم من الأميركان أعيد إلى الجيش وزيادة لم يكن عندهم طائرات هليكوبتر أخذوا طائرات الغازيل التي كانت معنا وكانت صالحة للطيران كلها.
- عام 1992 تركت إلى العمل الخاص. ابتعاد عملاني عن الأرض. عدت عام 2007. كنت في الهند عندما اتصل بك الدكتور جعجع؟
نعم. تلقّيت اتصالا من الحكيم. قال لي: وينك؟ بدّي ياك معنا. قلت له: أنا في جزيرة في المحيط الهندي اشتغل على برنامج إذا تركت عليَّ أن أدفع بدل البند الجزائي مبلغًا كبيرًا. قال: عندما تعود إلى لبنان اتصل بي. بدي شوفك. وهيك صار. لما خلص البرنامج رجعت إلى لبنان. اتصلت به. قال لي: بدّنا نشتغل. قلت له: شو بدّك أنا مستعدّ. قال: بدّنا نشوف شو فينا نعمل. نحن في مرحلة جديدة غير عسكرية ولكن مرحلة فيها كثير شباب وعالم وبدنا نشوف شو فينا نعمل. صرت إطلع لعندو على الأرز وعلى بزمّار. لكن فعليًا كان صار بمعراب وقرّرنا أن أبقى ضمن التركيبة الجديدة واستلمت منصب مستشار له للشؤون التنظيمية ورجعنا قلّعنا وبعدنا.
- تنام وتقوم في معراب؟
متل أيام المجلس. العائلة كبرت. والأولاد كبروا وصار عندنا أحفاد. معوّدين على حياة المجلس والحرب، نوعًا ما تغيّر العمر فقط.
- أسماء كثيرة كانت معك في المجلس. هل هناك محاولات لإعادتهم إلى القوات؟
في عالم بَقيَت. جرّبنا محاولات كثيرة. جمعناهم عدّة مرات مع الحكيم وما حدا منهم عندو رفض. ولكن العمر مش هيّن. كلهم عندهم التزامات وأعمال خاصة. كثيرون قريبون منا. في كل المراحل موجودين معنا وهم كثيرون فعليًا. بالعمل اليومي الموجودين معنا قلال. من كانوا قبل آخر مرحلة في حرب الإلغاء وما بعدها أغلبيتهم لا يزالون موجودين.
لقراءة الجزء الأول من الحوار
لقراءة الجزء الثاني من الحوار
لقراءة الجزء الثالث من الحوار
لقراءة الجزء الرابع من الحوار
لقراءة الجزء الخامس من الحوار