أعادنا جان الحواط، في كتابه "تجربتي"، سنوات إلى الوراء، إلى محطات النضال السياسي من أجل استعادة دولة المؤسسات والسيادة، وإلى مرحلة "الكتلة الوطنية" الأصيلة التي كان أمينها العام. يومها، كنّا مجموعة من الشباب نتنقّل بين لبنان وباريس، حيث كان العميد ريمون إده يتّخذ من العاصمة الفرنسية أكثر من مكان إقامة، جعل منها مساحةً للقاء اللبنانيين الطامحين إلى استعادة بلدهم، الرازح بين الاحتلالين الإسرائيلي والسوري.
كان جان الحواط في مسيرته وطنيًّا حكيمًا، مبادرًا وجامعًا. واليوم، بعد مرور كلّ هذه السنوات، واستخلاصًا للعبر، أقول، شهادةً للتاريخ: كان جان الحواط على حق حين قرّر كسر مقاطعة الانتخابات النيابية عام 1996، وخوض الاستحقاق في جبيل، تثبيتًا للموقف الوطني السيادي، ورفضًا لترك الساحة خالية أمام من لا يملكون تمثيلا حقيقيًّا، ولا يستطيعون ملء المواقع بحضور مسيحي وازن، ينطلق من أصالة المبادئ والإيمان بالقضية اللبنانية.
لقد أدّت مقاطعة القوى المسيحية في تلك المرحلة، وسط همسات أصحاب المصالح، إلى إخلاء مواقع في الدولة من أصوات مسيحية سيادية، ما زال كثيرون يسعون اليوم إلى تعويض ما فاتهم منها. فالمشاركة لم تكن سعيًا إلى موقع أو مكسب، بل محاولة للحفاظ على الحضور، وإيصال صوت وطني مستقل إلى المؤسسات الدستورية.
ولو أُتيحت للحواط فرصة شرح موقفه بشفافية أمام عميدنا الراحل، لربما تبدّلت المعطيات والقرار. فالعميد ريمون إده، الصلب في لبنانيته والمتمسّك بمبادئه، كان قادرًا، بالتعاون مع الحواط، على إيصال الصوت السيادي النظيف والمتجرّد إلى مجلس النواب، للدفاع عن لبنان وحقّه في تقرير مصيره.
وهكذا كانت "الكتلة الوطنية" الأصيلة، وهكذا فعل طبيب الفقراء، الدكتور ألبير مخيبر، بعد سنوات. لم يكن يبحث عن موقع أو "نمرة زرقاء"، بل عن فرصة يقف فيها تحت قبّة البرلمان ليطالب بخروج الجيش السوري من لبنان، في وقت كان كثيرون لا يجرؤون حتى على الهمس بذلك.
إنّ كتاب "تجربتي" ليس مجرّد استعادة لمحطات مضت، بل شهادة على خيارات اتُّخذت في ظروف صعبة، ودعوة إلى قراءة التاريخ بإنصاف. ومن هذا المنطلق، يبقى موقف جان الحواط عام 1996 دليلا على أنّ الحضور في المؤسسات، حين يكون مبدئيًّا ومسؤولا، قد يكون بحدّ ذاته جزءًا من معركة السيادة.


*محامٍ - الأمين العام للرابطة المارونية