جوزف إسكندر

1952... انسحاب ألفا روميو يمهّد لهيمنة فيراري

6 دقائق للقراءة
البيرتو اسكاري

نتحدث اليوم عن موسم 1952 وهو موسم بدأ بمفاجأة مدوية وشهد العديد من الأحداث الغريبة والمواقف التي تعكس طبيعة سباقات الخمسينيات والستينيات حين كانت الإثارة حاضرة داخل الحلبات وخارجها.


انسحاب ألفا روميو وغياب أبطال العالم

لنفهم ما حدث في موسم 1952 علينا العودة قليلًا إلى الموسمين السابقين ففي عام 1950 تُوّج جوزيبي فارينا ببطولة العالم الأولى للفورمولا 1 قبل أن يحرز خوان مانويل فانجيو اللقب في عام 1951 وكلاهما كان يقود لصالح فريق ألفا روميو. لكن المفاجأة جاءت قبل انطلاق موسم 1952 عندما أعلن الفريق انسحابه من البطولة. كان ألفا روميو مملوكًا للحكومة الإيطالية وكانت سياراته سريعة للغاية لكنها تعاني من استهلاك كبير للوقود لذلك طلب الفريق تمويلًا لتطوير المحرك وتحسين كفاءته إلا أن الحكومة الإيطالية رفضت تقديم الدعم المالي ليجد الفريق نفسه مضطرًا إلى الانسحاب.

انتقل فارينا إلى فيراري أما فانجيو فاختار المشاركة مع فريق بي آر إم في الفورمولا 1 ومازيراتي في الفورمولا 2 لكن الحظ لم يكن إلى جانبه إذ تعرض لحادث خطير في حلبة مونزا خلال سباق غير مصنف ضمن بطولة الفورمولا 1 وأصيب بكسر في رقبته ما أبعده عن الموسم بأكمله. وهكذا بدأ موسم 1952 من دون ألفا روميو ومن دون بطل العالم السابق فانجيو في وقت كانت فيه فيراري أمام فرصة ذهبية للسيطرة على البطولة.


تغيير القوانين يمنح الفرق الصغيرة فرصة

وجد منظمو البطولة أنفسهم أمام مشكلة كبيرة فبعد انسحاب ألفا روميو لم يتبقَّ سوى عدد محدود من الشركات المصنعة القادرة على المنافسة وفي مقدمتها فيراري وكان استمرار الوضع على حاله قد يجعل البطولة أقل تنافسية.

لذلك اتُّخذ قرار بتعديل القوانين الفنية بحيث تعتمد سيارات الفورمولا1 مواصفات قريبة من سيارات الفورمولا2

انخفضت سعة المحركات ذات التنفس الطبيعي من 4500 إلى 2000 سنتيمتر مكعب بينما انخفضت سعة المحركات المزودة بشواحن فائقة من 1500 إلى 500 سنتيمتر مكعب ونتيجة لذلك تراجعت قوة السيارات من نحو 400 حصان في عام 1951 إلى قرابة 185 حصانًا.

ورغم انخفاض القوة فتح هذا التغيير الباب أمام الفرق الصغيرة مثل جورديني وكوبر وإتش دبليو إم للمشاركة والمنافسة بصورة أفضل.

كما شهدت البطولة تحسينات في معايير السلامة أبرزها فرض استخدام الخوذ الصلبة بدلًا من الخوذ الجلدية أو القماشية التي كان بعض السائقين يستخدمونها سابقًا.


بداية الموسم: فوز تاروفي في سويسرا

انطلقت البطولة بسباق سويسرا الذي امتد على 62 لفة لمسافة إجمالية بلغت 451 كيلومترًا. انطلق فارينا من المركز الأول وحافظ على الصدارة حتى اللفة السادسة عشرة عندما تعرض محرك سيارته لمشكلة في نظام التشغيل. وبموجب القوانين السائدة آنذاك كان بإمكان السائق استخدام سيارة زميله فانتقل فارينا إلى سيارة سيمون الذي كان يحتل المركز الثاني لكن المشكلة نفسها ظهرت مجددًا واضطر فارينا إلى الانسحاب للمرة الثانية خلال السباق. استغل بييرو تاروفي الفرصة وحقق فوزه الأول والوحيد في الفورمولا 1 كما سجل أسرع لفة في السباق ومن أصل 22 سيارة شاركت لم تتمكن سوى ثماني سيارات من الوصول إلى خط النهاية.


فيراري تفرض سيطرتها في بلجيكا وفرنسا وبريطانيا

انتقلت البطولة بعد ذلك إلى سباق الولايات المتحدة الذي شهد مشاركة الإيطالي ألبرتو أسكاري ممثل فيراري الوحيد تقريبًا بين السائقين الأوروبيين لكنه اضطر إلى الانسحاب في اللفة الأربعين من سباق امتد على 200 لفة. أما الفوز فكان من نصيب الأمريكي تروي روتسمان الذي حقق الانتصار بعمر 22 عامًا ليصبح أصغر سائق يفوز بسباق ضمن بطولة العالم للفورمولا 1 في ذلك الوقت واستمر رقمه القياسي حتى عام 2003 عندما تجاوزه فرناندو ألونسو.

وفي سباق بلجيكا على حلبة سبا التي بلغ طولها نحو 14 كيلومترًا بدأ أسكاري يفرض حضوره بقوة ورغم الأجواء الممطرة والحوادث التي شهدها السباق تمكن من الفوز أمام فارينا بينما انسحب تاروفي بعد حادث جمعه بالفرنسي جان بيرا. واصلت فيراري سيطرتها في فرنسا حيث انطلق أسكاري من المركز الأول وأنهى السباق متصدرًا جميع اللفات محققًا الفوز وأسرع لفة في إنجاز يُعرف باسم “الغراند سلام” وجاء فارينا ثانيًا وتاروفي ثالثًا بينما نجح فريق جورديني في تحقيق نتيجة جيدة بحصوله على المركزين الرابع والخامس.

وفي بريطانيا شاركت 32 سيارة وهو عدد كبير وفق معايير البطولة الحديثة وتمكن أسكاري مجددًا من تحقيق الفوز بينما حل تاروفي ثانيًا وجاء البريطاني مايك هوثورن ثالثًا في بداية مسيرة سائق سيعود اسمه بقوة إلى الواجهة في المواسم المقبلة.


أسكاري يحسم اللقب في ألمانيا

جاء سباق ألمانيا على حلبة نوربورغرينغ المعروفة باسم “الجحيم الأخضر” ليكون من أصعب سباقات الموسم فقد بلغ طول الحلبة نحو 22.8 كيلومترًا وامتد السباق على 18 لفة لمسافة تجاوزت 410 كيلومترات. وشهد السباق انسحاب عدد كبير من السيارات لكن أسكاري وفارينا واصلا المنافسة على الصدارة وقبل النهاية بلفتين تعرضت سيارة أسكاري لمشكلة في تسرب الزيت فدخل منطقة الصيانة لإصلاحها وعاد إلى الحلبة متأخرًا بنحو عشر ثوانٍ عن فارينا.

لكن أسكاري لم يستسلم ونجح في تجاوز زميله والفوز بالسباق بفارق 14 ثانية ليحسم بطولة العالم قبل نهايتها بسباقين ويمنح فيراري أول لقب لها في بطولة السائقين ضمن الفورمولا 1وكانت قوة فيراري واضحة إذ احتلت خمس سيارات من الفريق المراكز الستة الأولى في السباق.


ختام الموسم في هولندا وإيطاليا

في سباق هولندا على حلبة زاندفورت حقق أسكاري فوزه الخامس على التوالي بعدما تصدر السباق أمام فارينا بينما عاد الإيطالي لويجي فيلوريسي إلى المنافسات بعد غياب بسبب إصابات تعرض لها في حادث سابق. وصل الموسم إلى محطته الأخيرة في إيطاليا على حلبة مونزا حيث انطلقت ثلاث سيارات من فيراري من المراكز الثلاثة الأولى بقيادة أسكاري وفيلوريسي وفارينا. لكن السباق شهد مفاجأة تمثلت في قدرة خوسيه فرويلان غونزاليس بسيارة مازيراتي على انتزاع المركز الثاني في إشارة إلى أن الشركة ستصبح منافسًا مهمًا في السنوات المقبلة.

أما أسكاري فحقق الفوز مجددًا وأنهى الموسم متصدرًا ترتيب السائقين برصيد 36 نقطة وفق النظام الرسمي الذي احتسب أفضل أربع نتائج لكل سائق ولو احتُسبت جميع نتائجه لبلغ رصيده 53.5 نقطة وهو ما يوضح حجم هيمنته خلال الموسم. وجاء فارينا في المركز الثاني برصيد 24 نقطة وتاروفي ثالثًا برصيد 22 نقطة.

وهكذا انتهى موسم 1952 بتتويج ألبرتو أسكاري ببطولة العالم للسائقين وفيراري بلقب الصانعين في موسم أثبت أن تغيير القوانين وغياب المنافسين الكبار قد يفتحان الباب أمام أبطال جدد، لكنه أكد أيضًا أن التفوق الحقيقي يحتاج إلى سيارة قوية وسائق قادر على استغلال كل فرصة. وبهذا نصل إلى نهاية موسم استثنائي من تاريخ الفورمولا 1، شهد غياب بطل العالم السابق، وانسحاب أحد أبرز الفرق، وصعود أسكاري إلى قمة المجد مع فيراري.