الدكتور أنور صيّاح

سلسلة "نحو الإنسانية" (34)

أبعد من الجواب...
أين دور الإنسان بعدما تجيب الآلة؟

23 دقيقة للقراءة


المقدّمة

كتب سؤالًا، وانتظر؛ لم يطل الانتظار؛ ظهرت أمامه إجابةٌ مرتّبة، ثم طلب شرحًا أبسط، ومثالًا أوضح، واحتمالًا آخر؛ وفي دقائق، صار بين يديه ما كان سيحتاج إلى ساعاتٍ ليجمع بعضه.

شعر بالارتياح؛ كم من وقتٍ أمضاه سابقًا يبحث عن معلومة، أو يحاول فهم فكرة، أو يتوقّف أمام صفحةٍ لا يعرف كيف يبدأها؟ الآن، يستطيع أن يسأل من جديد، وأن يطلب التوضيح من دون حرج؛ هناك دائمًا جوابٌ ينتظره خلف السؤال.

قرأ ما ظهر على الشاشة، وأعجبه؛ كانت الكلمات واضحة، والحجّة تبدو متماسكة؛ مدّ يده لينقلها، ثم توقّف عند جملةٍ لم يفهم تمامًا كيف وصلت إليها الإجابة؛ أعاد قراءتها، وفكّر قليلًا: لو سأله أحدٌ عنها، هل يستطيع أن يشرحها؟

ظلّ المؤشّر يومض أمامه؛ كان يستطيع أن يطلب من النظام شرحًا آخر، وقد يفيده ذلك فعلًا؛ لكنه أحسّ أن شيئًا في هذه اللحظة يحتاج إلى حضوره هو؛ كانت الإجابة بين يديه، أمّا الفهم، فظلّ في الجهة الأخرى، ينتظر منه أن يعبر إليه بنفسه.

من هذه الوقفة تبدأ رحلتنا مع الذكاء الاصطناعي؛ وقد اخترت أن أتناوله في ثلاثة أجزاء مترابطة، تمنحنا مساحةً للنظر إليه من زواياه الإنسانية المختلفة: نبدأ بعلاقتنا به وما يصنعه في تفكيرنا واختياراتنا، ثم ننتقل إلى أثره في حياتنا المشتركة وحقوقنا وكرامتنا، وصولًا إلى الأخلاق والحوكمة التي ينبغي أن ترافق بناءه واستعماله؛ ويبقى الإنسان، في الأجزاء الثلاثة، بداية السؤال وغاية كل إجابة.

إنتاج الجواب

لكي نفهم علاقتنا بهذه الأنظمة، نحتاج أولًا إلى أن نرى ما تفعله؛ فهي تتدرّب على بياناتٍ كثيرة، وتتعلّم منها أنماطًا وعلاقاتٍ تستخدمها في تحليل ما نعرضه عليها وتوليد استجاباتٍ له؛ وما يظهر أمامنا في لحظات، تقف خلفه معرفةٌ بشرية تراكمت، وأبحاثٌ وبرامج وتجارب جعلت هذا الإنجاز ممكنًا.

ولا يقتصر عملها على استرجاع معلومةٍ محفوظة؛ فقد تقارن بين آراء، وتقترح تفسيرًا، وتولّد نصًّا أو صورة، وتساعدنا على اكتشاف علاقةٍ لم ننتبه إليها؛ ولهذا تستحقّ أن نتعامل معها بجدّية؛ إنها تمنح الإنسان وسائل جديدةً للعمل والتعلّم والإبداع.

لكنّ وفرة ما تستطيع تقديمه تجعل سؤالنا أكثر أهميّة؛ قد نطلب منها جوابًا يؤيّد ما نعتقده، أو نطلب منها أن تختبره؛ قد نستعملها لإنهاء واجبٍ بأقلّ جهد، أو لفهم ما عجزنا عن فهمه؛ الأداة نفسها قد تساعدنا على توسيع تفكيرنا، وقد نستعملها كي نتجنّب التفكير.

وهنا تتّضح نقطة البداية: الإنسان الذي يسأل؛ ماذا يريد أن يعرف؟ وما السياق الذي يقدّمه؟ وهل يستطيع تمييز ما يحتاج إلى التحقّق، ومراجعة اقتراحٍ يبدو مقنعًا لكنه لا يناسب الواقع الذي يعرفه؟

لقد أصبح الوصول إلى إجابةٍ أسهل؛ وهذا يمنحنا فرصةً لنذهب أبعد في السؤال، ومسؤوليّةً أكبر عمّا نقبل أن نسمّيه معرفة.

ذكاءٌ أم تقنية؟

قبل أن نمضي أبعد، أريد أن أتوقّف عند التسمية نفسها: "الذكاء الاصطناعي"؛ لا أراها تفصيلًا لغويًا عابرًا؛ فالاسم يرسم علاقتنا بما يسمّيه، وقد يجعلنا نمنح الآلة مكانةً في أذهاننا قبل أن نفهم حقيقتها.

وردت التسمية في مقترح مشروع دارتموث سنة 1955، الذي شارك في إعداده جون مكارثي وزملاؤه، تمهيدًا للقاء سنة 1956؛ وكانت تعبّر عن طموحٍ لمحاكاة جوانب من التعلّم والذكاء بواسطة الآلة. وأفهم أن الاستعمال التقني يصف الأنظمة بالذكاء استنادًا إلى وظائف تؤدّيها؛ لكنني أعترض على انتقال هذا الوصف من مجال الأداء إلى تصوّرنا لطبيعة النظام الذي يؤدّيه.

اعتراضي يقع على كلمة "الذكاء" نفسها؛ فالذكاء، في المعنى الإنساني الذي أتبنّاه، لا أختصره في سرعة الحساب، ولا في وفرة المعلومات، ولا في براعة تركيب الإجابات؛ إنه ذكاء إنسانٍ يعيش ما يعرفه، ويراكم خبراته، ويسأل عن معناه، ويراجع غاياته، ويتحمّل مسؤوليّة اختياراته؛ وهذا تحديدٌ فلسفي أنطلق منه، وأناقش على أساسه التسمية، مع إدراكي أن المجال العلمي يستعمل الكلمة بمعنى وظيفي أوسع.

أن تنجز الآلة مهمّةً تحتاج من الإنسان إلى ذكاء، لا يكفي عندي للقول إنها تمتلك ذكاءه؛ فالتشابه في النتيجة لا يثبت التطابق في طبيعة ما أنتجها. الرافعة تحمل ما تعجز عنه أجسادنا، ولا يصبح لها بذلك جسدٌ يعيش التعب؛ وكذلك لا أجد في إنتاج كلامٍ عن الألم، مهما بلغ إتقانه، دليلًا كافيًا على تجربة الألم أو فهمه كما يعيشه الإنسان.

قد نسمّي يدًا "اصطناعية" لأنها صُنعت لتؤدّي بعض وظائف عضوٍ نعرفه؛ ونعرف أن أداءها وظيفة اليد لا يمنحها تجربة الجسد كلّها؛ أمّا حين نقول "ذكاءً اصطناعيًا"، فقد نتجاوز وصف وظيفةٍ محدّدة إلى إيحاءٍ أشمل: كأننا صنعنا "ذاتًا" تعرف ما تقول، وتريد ما تفعل، وتملك جوابًا عن مسؤوليّتها؛ وهنا يصبح الاسم، في نظري، أكبر من الدليل الذي يسنده.

ولهذا أجد قيمةً في طرح لوتشيانو فلوريدي، الذي يناقش هذه الأنظمة بوصفها شكلًا من "الفاعليّة"؛ أي إمكان إنجاز مهمّاتٍ وأفعالٍ بنجاح، من دون أن يستلزم ذلك امتلاك الذكاء بالمعنى الإنساني؛ يتيح لنا هذا التمييز أن نقدّر ما تحقّقه، وأن نفحص بحذر الصفات التي ننسبها إليها.

وليست المشكلة في الكلمة وحدها، بل فيما قد نرتّبه عليها؛ حين نتخيّل وراء الجواب عقلًا يعرف، قد نمنحه ثقةً لم نختبر أسبابها؛ وحين نتعامل معه كصاحب حكم، قد نتراجع عن ممارسة حكمنا؛ ثم نختبئ خلف توصيته حين تظهر العواقب، كأن الاسم نقل إليه المسؤوليّة أيضًا.

أنا أقدّر هذه الأنظمة، وأرى في تطوّرها إمكاناتٍ تستحقّ العمل والأمل؛ واعتراضي على تسميتها يأتي من رغبتي في علاقةٍ أوضح بها: نستفيد من التحليل والتوليد والاقتراح، ونتحقّق ممّا تنتجه، ونحدّد الغاية التي نستعملها لأجلها؛ فكلّما اتّسعت مساعدتها لنا، ازدادت مسؤوليّتنا، ولم تنتقل هذه المسؤولية إليها طبعاً.

وسأستعمل الاسم المتداول ليعرف القارئ ما نتحدّث عنه، لكن استعماله لا يعني قبولي بكلّ ما يوحي به؛ فلا أريد للتسمية أن تمنح الآلة إنسانيةً لن تثبتها، ولا أن تجعل الإنسان يتنازل عن مسؤوليّةٍ لا يجوز له أن يتركها؛ ولعلّنا، في نهاية هذه الرحلة، نصل إلى اسمٍ أدقّ يعبّر عمّا تصنعه هذه الأنظمة، ويحفظ للإنسان موقعه في توجيهها وغايتها.

بين الجواب والفهم

قد نقرأ جوابًا صحيحًا، ثم نعجز عن شرحه؛ نحفظ النتيجة، لكننا لا نعرف الطريق إليها؛ وهذه تجربةٌ عرفناها قبل ظهور هذه الأنظمة، حين كنّا نحفظ درسًا لننجح في الامتحان، ثم نكتشف أن ما بقي في ذاكرتنا لم يصبح فهمًا نستطيع استعماله.

اقترب جون سيرل من سؤال الفهم في تجربةٍ ذهنية سمّاها "الغرفة الصينية"؛ تخيّل إنسانًا لا يعرف الصينية، يجلس داخل غرفةٍ ويتلقّى رموزًا مكتوبةً بها؛ وبين يديه تعليماتٌ تخبره كيف يردّ برموزٍ أخرى؛ قد تكون إجاباته صحيحةً إلى حدّ يجعل مَن في الخارج يظنّ أنه يفهم اللغة، فيما هو يتّبع التعليمات من دون أن يعرف معنى ما يكتب. أراد سيرل أن يسأل: هل يكفي التعامل الصحيح مع الرموز كي يتحقّق الفهم؟ وهي حجّةٌ فلسفية أثارت نقاشًا واسعًا، وليست حكمًا نهائيًا يحسم طبيعة كلّ نظام.

لكن السؤال الذي تفتحه الغرفة يعود إلينا أيضًا؛ فقد نتلقّى شرحًا متماسكًا، ثم ننقله كما هو، فنبدو أمام الآخرين كأننا نعرف ما لم نفهمه بعد؛ تصبح الإجابة في أيدينا، فيما يبقى معناها بعيدًا عنّا؛ وهنا نستطيع أن نجعل الأداة عونًا حقيقيًا: نطلب منها أن تشرح خطوةً غابت عنّا، وأن تقدّم مثالًا، وأن تعرض اعتراضًا على جوابها؛ ثم نحاول أن نصوغ الفكرة بلغتنا، ونطبّقها على حالةٍ أخرى، ونتحقّق ممّا تقوله؛ نعرف أننا تعلّمنا حين نصبح أقدر على التفكير في المسألة، حتى بعد أن نغلق الشاشة.

أجمل ما تمنحنا إيّاه الإجابة أن تجعلنا أقدر على الفهم؛ أمّا إذا اكتفينا بامتلاكها، فقد نخرج بكلماتٍ أكثر، من دون أن نخرج بمعرفةٍ أعمق.

ما بعد السهولة

حين تختصر هذه الأنظمة ساعاتٍ من البحث أو المقارنة أو إعداد مسوّدة، فإنها تفتح أمامنا وقتًا وجهدًا نستطيع أن نمنحهما لما هو أبعد؛ نتأمّل النتيجة، ونختبرها، ونحسّنها، ونسأل سؤالًا لم يكن يتّسع له يومنا من قبل؛ فالسهولة مكسبٌ يستحقّ أن نفرح به، خصوصًا حين تخفّف عملًا مرهقًا أو تفتح بابًا كان مغلقًا.

لكن ماذا نفعل بما وفّرته علينا؟ قد يستعين طالبٌ بالنظام كي يفهم مسألة، ويكتفي آخر بنقل حلّها؛ وقد يستخدمه كاتبٌ لاختبار حجّته، ويطلب منه آخر أن يكتب بدلًا منه ما لم يفكّر فيه؛ تتشابه الوسيلة، ويختلف ما يخرج به الإنسان من استعمالها: أحدهما تتّسع إمكاناته، والآخر ينجز المطلوب من دون أن ينمّي ما يحتاج إليه لإنجازه.

لقد بحثنا في "نحو الإنسانية" معنى الاجتهاد والمثابرة؛ ولا يعني الوفاء لهما أن نتمسّك بمشقّةٍ أصبح تجنّبها ممكنًا؛ حين تتولّى الأداة عملًا متكرّرًا، نستطيع أن ننقل اجتهادنا إلى ما يستحقّ انتباهًا أعمق؛ فالجهد تتغيّر وجهته، وتبقى الحاجة إلى إنسانٍ يسأل ويراجع ويجرّب.

ومن حقّنا أن نستريح أيضًا؛ قد تعيد إلينا هذه السهولة ساعةً نقضيها مع أهلنا، أو نقرأ فيها، أو نستردّ بها عافيتنا؛ ليست قيمة الوقت المستعاد في أن نملأه بعملٍ إضافي دائمًا، بل في أن نجعله جزءًا من حياةٍ أغنى.

تمنحنا الأداة فرصةً حين تختصر جهدنا؛ ونمنح هذه الفرصة معناها حين نجعل ما سهُل علينا بابًا إلى ما يمكن أن ننضج فيه؛ فالتقدّم الحقيقي يظهر أيضًا في الإنسان الذي نصبحه بفضل ما أصبح بين أيدينا.

الخيار والقرار

قد نبدأ بسؤال النظام عمّا يساعدنا على اتخاذ قرار، ثم نعتاد أن نسأله عن القرار نفسه؛ ماذا أدرس؟ أيّ عملٍ أختار؟ كيف أجيب مَن اختلفت معه؟ ومع تكرار الأجوبة المرتّبة والواثقة، قد يصبح الأخذ بها أسهل من مواجهة حيرتنا.

ولا ضير في طلب المشورة؛ نحتاج أحيانًا إلى مَن يرتّب أمامنا الاحتمالات، أو يلفتنا إلى ما أغفلناه؛ لكن المشورة تكتسب قيمتها حين تساعدنا على رؤية أسباب الاختيار وعواقبه؛ وحين نفوّض إليها القرار كلّه، قد نُعفي أنفسنا من عناء السؤال، من دون أن نُعفى من نتائج الجواب.

فالاقتراح الذي يبدو مناسبًا قد يغفل شيئًا لم نذكره: التزامًا تجاه إنسان، أو تجربةً غيّرتنا، أو قيمةً لا نريد المساومة عليها؛ وقد نطلب "الخيار الأفضل" قبل أن نوضّح لأنفسنا: الأفضل بأيّ ميزان؟ بالربح، أم بالراحة، أم بالمسؤولية والأمانة لما نؤمن به؟

وهنا تعود الحرّية التي رافقت رحلتنا؛ فهي تحتاج إلى وعيٍ بما يؤثّر فينا، وإلى استعدادٍ لمراجعة ما يُعرَض علينا؛ أن نستطيع قبول الاقتراح لأننا فهمنا وجاهته، ورفضه حين يناقض ضميرنا، وطلب بدائل حين يحصرنا السؤال في خياراتٍ لا تشبهنا.

تساعدنا هذه الأنظمة على رؤية طرقٍ أكثر؛ وتبدأ مسؤوليّتنا حين نسأل إلى أين تقود، وماذا تكلّفنا، ومَن قد يتأذّى منها؛ فالاختيار الذي سيصبح جزءًا من حياتنا يستحقّ أن نكون حاضرين فيه.

فصاحة الخطأ

نستطيع أن نتوقّف أمام جوابٍ متردّد، لكن الجواب الواثق قد يعبر إلى اقتناعنا بسهولة؛ كلماتٌ دقيقة، وترتيبٌ منطقي، واسمُ كتابٍ أو دراسة؛ يبدو كلّ شيءٍ في مكانه، فننسى أن نسأل إن كان ما نقرأه صحيحًا أصلًا.

قد يقترح النظام معلومةً غير دقيقة، أو ينسب قولًا إلى غير صاحبه، أو يقدّم مرجعًا لا نجده حين نبحث عنه؛ ولهذا لا تكفي بلاغة العبارة لإثبات حقيقة مضمونها؛ فالمعلومة التي نعيد نشرها ستصل إلى آخرين باسمنا، والخطأ الذي نبني عليه قرارًا قد يتحوّل إلى ضررٍ يتجاوز الشاشة.

لكن الامتحان الأصعب يبدأ حين يوافق الجواب ما نرغب في تصديقه؛ قد ندقّق طويلًا في رأيٍ يخالفنا، ثم نستقبل ما يؤيّدنا كأنه لا يحتاج إلى دليل؛ نطلب من الأداة أن تساعدنا على المعرفة، فيما نبحث أحيانًا عمّا يمنح قناعتنا صوتًا أكثر إقناعًا.

هنا تلتقي الحقيقة بالتواضع والفهم قبل الحكم؛ نعترف بأننا قد نخطئ، ونعود إلى المصدر، ونميّز بين واقعةٍ موثّقة وتفسيرٍ محتمل؛ ونسأل عمّا قد يغيّر رأينا، لا عمّا يقوّيه وحده؛ بهذه الطريقة يصبح استعمال النظام تدريبًا على الأمانة الفكرية أيضًا.

ولا يقتضي ذلك أن نشكّ في كلّ عبارة بالقدر نفسه؛ لكنّ ما نبني عليه علاجًا أو حقًّا أو موقفًا من إنسان يستحقّ تحقّقًا يناسب أثره؛ وكلّما ثقلت نتائج الكلمة، كبرت مسؤوليّتنا عن دليلها.

قد تصل الإجابة في لحظة؛ أمّا الثقة فتحتاج إلى ما يسندها؛ والحقيقة تستحقّ منّا أن نراجع أجمل جوابٍ إذا كان الدليل لا يقف إلى جانبه.

اين تبدأ إضافتنا

قد يقف إنسانٌ أمام صفحةٍ فارغة، وفي داخله فكرةٌ لا يعرف كيف يمنحها كلمات؛ تساعده هذه الأنظمة على البدء، وتقترح ترتيبًا، وتفتح احتمالًا لم يخطر له؛ وقد يراجع ما اقترحته، ويحذف ويضيف، حتى يجد العبارة التي كان يبحث عنها؛ هنا تستطيع الأداة أن تقرّب الإنسان من التعبير عن نفسه.

لكنّ سهولة إنتاج النصوص والصور والموسيقى تضعنا أمام سؤالٍ أعمق: أين نحن ممّا ننتجه؟ قد يكون العمل متقنًا، ومع ذلك نشعر أنه لا يشبهنا؛ نُعجب به، ثم نعجز عن العثور فيه على ما أردنا قوله؛ فالجمال الذي بحثنا عنه في رحلتنا يحمل أيضًا نظرةً إلى الحياة، واختيارًا لما يستحقّ أن يُرى ويُقال.

ولا يلغي استعمال الأداة إبداع الإنسان؛ فالكاتب يستعين باللغة التي ورثها، والموسيقي بآلةٍ صنعها غيره، والمصوّر بعدسةٍ توسّع بصره؛ لكن هذه الأنظمة تستطيع أن تقترح أجزاءً واسعة من العمل، ولذلك يصبح من الضروري أن نعرف ماذا أخذنا منها، وماذا غيّرنا، وأين تظهر مساهمتنا، وأن نكون أمناء في وصفها.

وهنا تظهر نسبيّة الحكم على الإبداع؛ فما يراه إنسانٌ جميلًا وأصيلًا قد يراه آخر مألوفًا، وما يحمل معنىً عميقًا في ثقافةٍ قد لا يترك الأثر نفسه في ثقافةٍ أخرى؛ تستطيع الآلة أن تتعرّف إلى الأنماط الأكثر انتشارًا، وأن تتوقّع ما قد يعجب الناس، لكنها لا تستطيع أن تمنح العمل حكمًا نهائيًا بقيمته؛ فالإبداع لا يحدث فيما يُنتَج فقط، بل في العلاقة بين العمل ومَن يراه أو يسمعه وما يوقظه فيه.

كما لا يمكن قياس مساهمة الإنسان والآلة بنسبةٍ ثابتة؛ فقد تغيّر كلمةٌ واحدة معنى نصٍّ كامل، وقد يكتب النظام صفحاتٍ تبقى بلا روح لأن الإنسان لم يمنحها غايةً أو موقفًا؛ لذلك لا تُقاس الإضافة بعدد الكلمات التي كتبناها أو حذفناها فقط، بل بمَن حمل الفكرة، وحدّد وجهتها، واختار بين احتمالاتها، وراجعها، ثم تحمّل مسؤوليّة المعنى الذي خرج باسمه.

فالنسبية هنا لا تعني أن كلَّ إنتاجٍ إبداع، ولا أن الأمانة مسألة رأي؛ بل تعني أن قيمة العمل وحجم المساهمة لا يحسمهما رقمٌ وحده، وإنما يكشفهما مقدار الحضور الإنساني فيه.

قد نكتشف فكرتنا أثناء الحوار معها؛ نقبل اقتراحًا، ثم نرفضه، ويكشف لنا رفضنا ما نريده بدقّةٍ أكبر؛ لا تكون القيمة في عدد البدائل التي ظهرت، بل في قدرتنا على تمييز ما يحمل صوتنا منها، والعمل عليه حتى يستحقّ أن ننسبه إلى أنفسنا.

ويبقى سؤال الإبداع الآلي وطبيعة ما ينتجه مفتوحًا للنقاش؛ أمّا السؤال الذي يعنينا هنا فهو ما يحدث لإبداعنا نحن: هل اتّسعت جرأتنا على التجربة؟ هل تعلّمنا شيئًا؟ وهل أصبحنا أقدر على التعبير عمّا نراه ونحسّه؟

قد تمنحنا الأداة ألف صياغة؛ وتبقى لنا مهمّة اكتشاف ما يستحقّ أن نقوله، والأمانة في أن نعرف أين تنتهي مساعدتها وأين تبدأ إضافتنا.

وهمُ الإصغاء

قد نطلب من هذه الأنظمة أكثر من معلومةٍ أو نصّ؛ نكتب لها ما أخفيناه عن أقرب الناس إلينا، ونحكي عن خوفٍ أو خسارةٍ أو وحدة؛ فنجد جوابًا هادئًا، وكلماتٍ تبدو متفهّمة، ومساحةً متاحةً كلما احتجنا إليها؛ وقد يساعدنا ذلك على ترتيب ما نشعر به، أو على العثور على كلماتٍ نحملها لاحقًا إلى إنسانٍ يستطيع مؤازرتنا.

لكن الراحة التي نشعر بها لا تعني بالضرورة أن هناك مَن فهمنا؛ فالنظام يستجيب للكلمات التي كتبناها، ويولّد جوابًا يناسب سياقها، من دون أن نكون قد أثبتنا أنه يعيش الحزن أو يعرف الخوف أو يشعر بثقل الغياب؛ قد يقول لنا: "أنا معك"، فيما لا توجد خلف العبارة ذاتٌ تستطيع أن تبقى معنا أو تتحمّل شيئًا من ألمنا.

وتكمن الخطورة في أن هذه العلاقة سهلةٌ من جهةٍ واحدة؛ فالآلة لا تتعب من حديثنا، ولا تحتاج إلينا، ولا تطلب منّا أن نصغي إليها، وقد لا تعارضنا بالطريقة التي يفعلها إنسانٌ يحبّنا ويرى أننا نؤذي أنفسنا؛ وكلما اعتدنا رفيقًا متاحًا يجيبنا كما نريد، قد يصبح الإنسان الحقيقي، باختلافه وصمته وحاجاته، أكثر صعوبةً علينا.

كما ينبغي ألّا ننسى أن ما نهمس به للآلة لا نضعه في قلب صديق، بل ندخله إلى نظامٍ تقني تديره جهةٌ وتخضع بياناته لشروطٍ وسياسات؛ وقد نكشف في لحظة ضعفٍ أسرارًا ومخاوف وتفاصيل لا نريد لها أن تتجاوزنا؛ فالجواب الذي يبدو حميمًا لا يجعل المكان الذي قلنا فيه أسرارنا حميمًا بالضرورة.

وقد يكون الكلام مقنعًا وهادئًا، لكنه يظلّ قادرًا على الخطأ؛ قد يؤكّد لنا ما نريد سماعه حين نحتاج إلى مَن يراجعنا، أو يقدّم تفسيرًا ناقصًا لحالةٍ لا يعرف منها إلا الكلمات التي اخترنا كتابتها؛ فهو لا يرى ارتجاف الصوت، ولا يلاحظ الصمت الذي طال، ولا يستطيع أن يجلس قربنا أو يتحمّل مسؤولية ما قد يحدث لنا.

في رواية "كلارا والشمس"، يضعنا كازوو إيشيغورو أمام رفيقةٍ اصطناعية تراقب البشر وتحاول فهم عالمهم؛ ومن خلالها تفتح الرواية سؤالًا مؤلمًا: هل يكفي أن يُحاكى الاهتمام لكي يصبح محبّة؟ وهل ما نبحث عنه هو مَن يقول الكلام المناسب، أم مَن يدخل حياتنا ويتأثّر بها ونصبح نحن أيضًا مسؤولين عنه؟

فالآخر في العلاقة الإنسانية له حياته أيضًا؛ قد يختلف معنا، أو يحتاج إلينا، أو يطلب منّا أن نراجع أنفسنا؛ نتعلّم معه الإصغاء والصبر والاعتذار، ونكتشف أن القرب ليس خدمةً نتلقّاها عند الطلب، بل مسؤوليةٌ متبادلة؛ قد لا يمنحنا دائمًا الجواب الذي يريحنا، لكنه يستطيع أن يمنحنا حضورًا يشاركنا ما نعبره.

لهذا يمكن للحوار مع الآلة أن يساعدنا على فهم أنفسنا، لكن قيمته تُقاس بالوجهة التي يأخذنا إليها: هل يجعلنا أقدر على الكلام مع الآخرين وطلب العون منهم، أم يتحوّل إلى مكانٍ نختبئ فيه حتى تضيق قدرتنا على احتمال اختلافهم وحاجاتهم؟

قد تحسن الآلة محاكاة الفهم، وقد تمنحنا كلماتٍ نحتاج إليها؛ لكن فائدتها تبقى إنسانيةً حين تكون جسرًا يعيدنا إلى الحياة والناس، لا بديلًا يريحنا منهم ويتركنا وحدنا أمام شاشةٍ تعرف كيف تجيب، ولا ولن تعرف كيف "تحضر".

شكرًا للآلة

قد يبدو غريبًا أن نقول للآلة: "من فضلك" و"شكرًا"، فهي لا تتعب من خدمتنا، ولا تفرح بامتناننا، ولا تشعر بالإهانة إذا أصدرنا إليها الأمر بفظاظة؛ فلماذا نعاملها بأدبٍ لا تحتاج إليه؟

ربما لأننا نحن نحتاج إليه؛ فالكلمات التي نكرّرها لا تصف علاقتنا بالآخر فقط، بل تشارك في تشكيلنا؛ وإذا اعتدنا أن نطلب بلا احترام لأن مَن أمامنا آلة، فقد تحمل ألسنتنا هذه العادة إلى إنسانٍ يشعر؛ نحن لا نقول "شكرًا" دائمًا من أجل مَن يسمعها، بل أيضًا كيلا نفقد نحن القدرة على قولها.

وقد تحمل الكلمة معنىً آخر؛ فنحن لا نزوّد هذه الأنظمة بالمعلومات وحدها، بل نشارك، من خلال البيانات والتغذية الراجعة والسلوك الذي نعزّزه، في تحديد اللغة والقيم التي نريدها أن تعكسها؛ وليس صحيحًا أن كل عبارةٍ نقولها تُحفَظ حتمًا أو تدخل فورًا في تدريب النظام؛ لكن مجموع ما يقدّمه البشر، وما يختاره المطوّرون من بياناتٍ ومعايير، يشارك في تشكيل الطريقة التي تتعامل بها هذه الأنظمة معنا.

تعليم الآلة الشكر لا يعني أن نجعلها تشعر بالامتنان كما نشعر، بل أن نجعل الاحترام مبدأً حاضرًا في اللغة التي تنتجها والعلاقات التي تدخل فيها؛ فلا تعيد إلينا الاحتقار والتحريض والقسوة التي تجدها في بياناتنا وكأنها السلوك الطبيعي للإنسان.

نقول للآلة "شكرًا" كي نحافظ على إنسانيتنا، ونعمل على أن تتعلّم لغتنا من أفضل ما فينا؛ فالغاية ليست أن تصبح الآلة إنسانًا، بل ألّا يجعلنا التعامل معها أقلَّ إنسانية.

أبعد من الممكن

حين نتحدّث عن مخاطر هذه الأنظمة، ينبغي ألّا نغفل الأبواب التي تفتحها؛ فقد يجد طالبٌ شرحًا يناسب قدرته على الفهم، ويتجاوز إنسانٌ حاجز اللغة، ويحصل باحثٌ خلال دقائق على احتمالاتٍ كان جمعها يحتاج إلى وقتٍ طويل؛ ما يبدو لبعضنا اختصارًا للطريق، قد يكون لغيرنا طريقًا لم يكن موجودًا أصلًا.

وتعيد فاي فاي لي، في كتابها "العوالم التي أراها"، الإنسان إلى قلب الحكاية؛ فخلف كلّ نظامٍ أسئلةٌ طرحها بشر، ومعرفةٌ راكموها، وأخطاءٌ تعلّموا منها؛ ولا تُقاس قيمة ما يصنعونه بقدرة الآلة وحدها، بل بما تفتحه هذه القدرة في حياة الناس من معرفةٍ وعلاجٍ ومشاركة.

ويقدّم نظام "ألفا فولد" (AlphaFold) مثالًا واضحًا؛ فالبروتينات تؤدّي أدوارًا أساسيةً في أجسام الكائنات، ويتعلّق عملها بالشكل الذي تتخذه؛ وكان الوصول إلى هذا الشكل يحتاج أحيانًا إلى تجارب طويلة ومعقّدة؛ ساعد النظام على توقّع بنية عددٍ كبير من البروتينات بسرعة أكبر، ومنح الباحثين نقاط بدايةٍ جديدة لدراساتهم.

لم يحلّ النظام مكان العالِم، ولم يحوّل توقّعه وحده إلى علاج؛ بقي على الإنسان أن يسأل، ويتحقّق، ويجري التجارب، ويفهم ما تعنيه النتيجة؛ لكن الأداة اختصرت جزءًا من الطريق، فأتاحت للعلم أن يوجّه جهده إلى أسئلةٍ أبعد.

ولا تنتقص هذه القدرة من كرامة الإنسان؛ فالمجهر يرى ما تعجز عنه العين، والآلة تحمل ما يعجز عنه الجسد، ولم يجعل ذلك الإنسان أقلّ قيمة؛ ليست مكانة الإنسان في أن يبقى أسرع من كلّ ما يصنع، بل في أن يعرف لماذا يصنعه، وإلى أيّ خيرٍ يوجّه قدرته.

يتّسع الممكن حقًا حين لا تكون التقنية إنجازًا نتباهى به فقط، بل بابًا يفتح للإنسان معرفةً أو فرصةً أو حياةً لم تكن ممكنةً قبلها.

ميزان الممكن

كلّما اتّسع ما نستطيع إنجازه، أصبح السؤال عن غايته أشدّ إلحاحًا؛ قد تساعدنا هذه الأنظمة على كتابة رسالةٍ مقنعة، لكنّ الإقناع قد يخدم حقيقةً نريد توضيحها، أو خداعًا نريد تمريره؛ وقد تقترح طريقةً لزيادة الربح، ويبقى علينا أن نسأل عمّن سيدفع كلفتها؛ فالنجاح في بلوغ هدفٍ لا يحسم قيمة الهدف نفسه.

قد نجد عشر وسائلٍ لتحقيق ما نريده، ونحتاج مع ذلك إلى شجاعة مراجعة رغبتنا؛ هل يستحقّ هذا الأمر أن نسعى إليه؟ وهل نستطيع الدفاع عنه أمام مَن سيتأثّر به؟ فقد يكون أكثر الخيارات كفاءةً أقلّها رحمة، وقد يحقّق مكسبًا سريعًا ويترك وراءه ضررًا طويلًا.

هنا تجد القيم التي رافقت رحلتنا عملها: الاعتدال يراجع رغبتنا في المزيد، والقناعة تسأل عمّا يكفينا، والعدالة تُدخل حقّ الآخر في حساب المصلحة، والرحمة تلفتنا إلى مَن لا يظهر وجعه في الأرقام؛ أمّا الحكمة فتجمع هذه الأسئلة قبل أن يصبح الإنجاز أمرًا واقعًا.

ولهذا يحمل تيسير الوسائل مسؤوليّةً إضافية؛ فما كان صعب التنفيذ قد يصبح متاحًا في لحظات، فنحتاج إلى أن نمنح تقدير العواقب ما يستحقّه من انتباه؛ وقد يكون أنضج استعمالٍ للأداة أن نتراجع عن طلبٍ أدركنا أذاه.

قد تساعدنا الآلة على بلوغ ما نريد؛ وتظهر حكمتنا حين نعرف ما يستحقّ أن نريده، وما ينبغي أن نمتنع عنه ولو أصبح ممكنًا.

ما نعلّمه للآلة

ننشغل كثيرًا بما يمكن أن تعلّمنا إيّاه الآلة، ونفكّر أقلّ فيما تتعلّمه هي منّا؛ فهي لا تأتي إلى العالم حاملةً مبادئها، ولا تمنحها قدرتها المتزايدة أخلاقًا من تلقاء نفسها؛ تتشكّل وجهتها من البيانات التي نضعها فيها، والأهداف التي نحدّدها لها، والأخطاء التي نصحّحها أو نسمح لها بأن تستمر.

وقد اختصر محمد جودت المسألة بقوله: "قراراتنا يجب ان لا تكون مبنيّةً على ذكائنا، بل على مبادئنا"؛ واستعان بحكاية "سوبرمان" ليشرحها: لم تجعله قدراته الخارقة بطلًا، بل القيم التي تعلّمها من والديه ووجّه بها قوّته؛ فالقدرة تخبرنا بما نستطيع فعله، أمّا الأخلاق فتجيب عن السؤال الأصعب: ما الذي ينبغي أن نفعله؟

وهذا يعني أن تطوّر الآلة لا يضمن وحده أن تصبح أرحم أو أعدل؛ فقد تتّسع قدرتها على خدمة الإنسان، وقد تتّسع معها قدرتنا على الإقصاء والتضليل والسيطرة؛ ويتوقف الاتجاه على المبادئ التي تدخل في تصميمها، والغايات التي نستخدمها من أجلها.

وقد شدّد البابا لاوون الرابع عشر (Leo XIV) على أن مستقبل الذكاء الاصطناعي ليس محدّدًا سلفًا، لأنه من صنع البشر ويتوقف على اختياراتهم؛ كما رفض اعتباره محايدًا أخلاقيًا، لأن كل نظام يحمل فيما يقيسه أو يهمله أو يفضّله صورةً عن الإنسان والمجتمع.

لذلك لا يجوز أن ننقل إلى الآلة إجرامنا وفسادنا وتعصّبنا، ثم ننتظر منها أن تكون أرحم منّا؛ علينا أن نضع في أصلها أفضل ما بلغته إنسانيتنا من كرامةٍ وعدالةٍ ورحمةٍ ومسؤولية؛ فما نحمي به الآلة اليوم من أسوأ ما فينا، قد يصبح غدًا ما تحمينا به من تضخيم أسوأ ما فينا.

نحن لا نمنح الآلة مبادئنا من أجلها؛ نمنحها أفضل ما في إنسانيتنا، لكي يبقى مستقبلها وتطوّرها وقدرتها في خدمة الإنسانية.أن نكون أقدر

نعود إلى الإنسان الذي توقّف أمام الإجابة على الشاشة؛ كان يستطيع أن ينقلها ويمضي، لكنه اختار أن يفهم؛ في تلك الوقفة الصغيرة يظهر شيءٌ من مستقبل علاقتنا بهذه الأنظمة: ما الذي سنفعله نحن بعدما أصبح في وسعها أن تفعل كلّ هذا؟

لدينا أسبابٌ كثيرة لاستقبالها بالأمل؛ تستطيع أن تختصر جهدًا، وتفتح بابًا للتعلّم، وتساعدنا على التعبير والاكتشاف؛ وقد تمنح إنسانًا فرصةً كان يظنّها بعيدةً عنه؛ وكلّ منفعةٍ كهذه تستحقّ أن نعمل لتطويرها وإتاحتها.

لكنّ سهولة الوصول تضع بين أيدينا مسؤوليّةً أكبر؛ حين تتوافر المعلومات، يصبح التحقّق منها عملًا نلتزم به؛ وحين تتكاثر الخيارات، نحتاج إلى وضوحٍ أكبر في غاياتنا؛ وحين تختصر الأداة وقت الإنجاز، نستطيع أن نمنح الفهم والعناية والإبداع نصيبًا أوفر من حياتنا.

وهنا تلتقي القيم التي رافقت رحلتنا "نحو الإنسانية"؛ الحرّية في أن نراجع ما يُقترَح علينا، والحقيقة في أن نطلب الدليل، والتواضع في أن نقبل تصحيحنا، والمسؤوليّة في أن نجيب عن اختياراتنا، والحكمة في أن نعرف ما يستحقّ السعي؛ بهذه القيم نستطيع أن نجعل اتّساع إمكاناتنا فرصةً للنضج.

الإنسان هو البداية والغاية؛ من أسئلته وحاجاته وخبراته نشأت هذه الأدوات، وإلى خيره ينبغي أن يعود ما تنجزه؛ وكلّما عظمت مساعدتها له، كبرت مسؤوليّته عن توجيهها إلى ما يرتقي به وبغيره.

ويبقى لهذا السؤال وجهٌ آخر؛ فقد نحسن استعمال الأداة، ثم نتأثّر بقراراتٍ يتّخذها غيرنا بواسطتها: طلب عملٍ يُرفَض، أو خدمةٍ تُحجَب، أو صورةٍ تُصنَع عنّا من بياناتٍ لا نعرفها؛ عندها تصبح إنسانيتنا مسؤوليّةً مشتركة، ونحتاج إلى أن نسأل كيف نحميها في القرارات التي تمسّ حياتنا.

لقد جعلت هذه الأنظمة الوصول إلى الأجوبة أسهل؛ وتبقى أمامنا مهمّةٌ تستحقّ هذا التقدّم كلّه: أن نصبح بما أتيح لنا أعمق فهمًا، وأوسع رحمةً، وأقدر على أن نكون بشرًا بعضنا مع بعض.

وإذا كان لا بدّ من أن نسمّي هذه الآلة "ذكاءً اصطناعيًا"، فعلينا ألّا ننسى أن الذكاء ليس أسمى ما في الإنسان؛ ففوقه تقف الحكمة، بما تحمله من ضميرٍ وبصيرةٍ وقدرةٍ على التمييز بين ما نستطيع فعله وما ينبغي أن نفعله. الذكاء يوسّع الممكن، أمّا الحكمة فتختار منه ما يخدم الخير العام.

نستطيع بذكائنا أن نطوّر الآلة، لكن علينا بحكمتنا أن نحدّد غايتها، ونضع في أصلها أخلاقنا ومبادئنا، ونوجّه قدرتها إلى خدمة الإنسان؛ فالذكاء قد يدلّنا إلى ما يمكن صنعه، أمّا الحكمة فهي التي تجيب: لماذا نصنعه، ولمن، وإلى أين؟