الدكتور أنور صيّاح

سلسلة "نحو الإنسانية" (32)


الوجود والموت... هل تُقاس الحياة بطول البقاء، أم بالغاية التي نعيش من أجلها؟

20 دقيقة للقراءة


المقدمة

يبدأ السؤال بعد أن يفرغ البيت من المعزّين؛ تسكت الأصوات، وتبقى أشياء صغيرة في أماكنها: كرسيٌ فارغ، نظّارةٌ قرب كتاب، وثوبٌ خلف الباب، وفنجانٌ نعرف اليد التي كانت تحمله؛ يبدو كلّ شيءٍ مستعدًّا ليومٍ آخر، إلا صاحبه.

نستعيد آخر حديثٍ معه، كان يتكلّم عمّا سيفعله، وعمّن يريد أن يراه، وعن أمرٍ تركه للأسبوع المقبل؛ كنّا نصغي إليه مطمئنّين إلى أن للحكاية بقيّة؛ ثم نجد أنفسنا أمام غيابٍ لم يستأذن ما بقي من الكلام.

ويشتدّ السؤال حين يكون الراحل إنسانًا منح وجوده للآخرين، نشعر أن مكانه كان هنا، وأن أيدي كثيرة ما زالت تحتاج إلى يده، وأنه كان يستحقّ مزيدًا من الحياة، ننظر إلى ما لم يفعله بعد، ونقول من وجعنا: لم يكن أوانه.

لكن بأيّ ميزانٍ نعرف أن حياةً اكتملت، أو أن الرحيل جاء مبكرًا؟ هل نعرف الإنسان بكلّ ما جاء إلى هذا الوجود من أجله، أم نعرف منه ما دخل في حكايتنا نحن؟

وربما، قبل أن نسأل لماذا انتهت حياته، علينا أن نقترب من السؤال الذي تركه غيابه في حياتنا: ما الذي نحن هنا من أجله؟


أن نكون هنا

لم يختر أحدٌ منّا لحظة مجيئه إلى الحياة؛ وجدنا أنفسنا هنا، ثم بدأنا نتعلّم كيف نعيش؛ لكن هل جئنا لنقضي سنواتٍ ونرحل، أم أن لكلّ واحدٍ منّا رسالةً جاء إلى هذا الوجود ليعيشها؟

الفكرة التي ننطلق منها، هي أن الخالق يمنح كلَّ إنسانٍ، مع وجوده، رسالةً تخصّه؛ قد يكتشفها، وقد يعيشها من دون أن يعرف أنها رسالته؛ وحين تكتمل، ينتهي وجوده المادي ويعود إلى خالقه؛ هذه هي الرؤية التي نتأمّل من خلالها الوجود والموت، وما بينهما من حياة.

كلُّ إنسانٍ كيانٌ قائمٌ بذاته؛ له شخصيّته وحمضه النووي الخاص وطريقته في الفهم والمحبّة، ولا يستطيع أحدٌ أن يعيش حياته بدلًا منه؛ ولهذا، فإن رسالته تخصّه أيضًا؛ قد ترتبط برسالة أمٍّ أو ابنٍ أو صديق، وقد تصل إلى أناسٍ لا يعرفهم؛ لكنها لا تذوب في رسالاتهم، كما أنه لا يصبح مجرّد امتدادٍ لهم؛ فنحن نتشارك الحياة، ولكلٍّ منّا ما يضيفه إليها.

والمقصود بالرسالة بسيط: ما الذي جاء وجود هذا الإنسان ليحقّقه؟ قد يرعى إنسانًا، أو ينقل معرفةً، أو يحمي حياةً، أو يترك في آخرين محبّةً تمنحهم القدرة على الاستمرار؛ وقد تتحقّق رسالته عبر أفعالٍ صغيرة موزّعة على عمره، فلا يرى كيف اجتمعت، ولا يعرف إلى أين وصل أثرها.

ولا يحتاج الإنسان إلى بطولةٍ يعرفها العالم كي تكون لحياته قيمة؛ فقد يترك أعمق أثره في حياة شخصٍ واحد؛ وقد يبحث طويلًا عمّا جاء من أجله، فيما يكون قد بدأ بعيشه في محبّةٍ يمنحها أو مسؤوليةٍ يحملها.

لكن كيف نكتشف رسالتنا إذا كانت حياتنا تُقاد بما يريده الآخرون، أو بما تفرضه علينا مخاوفنا ورغباتنا؟ هنا تصبح الحرّية في صلب وجودنا؛ فكلّما تحرّرنا ممّا يستعبدنا، أصبحنا أقدر على فهم ما نحن هنا من أجله.


أحرارٌ وأمناء

لم نختر الدخول إلى الوجود، لكننا نشارك، باختياراتنا، في صنع الحياة التي نعيشها؛ قد نملك المال أو السلطة أو المعرفة، وتظهر حرّيتنا فيما نفعله بها: هل نخدم بها إنسانًا، أم نجعلها وسيلةً لإخضاعه؟ وهل نستطيع التخلّي عن منفعةٍ حين نعرف أنها تؤذي غيرنا؟

ما يستعبدنا لا يأتي دائمًا من الخارج؛ قد يكون أخطره ما نختاره بأنفسنا لأنه يلبّي رغباتنا؛ نتمسّك به، وندافع عنه، ونسمّيه حرّية، فيما نعجز عن الاستغناء عنه. قد يستعبدنا المال فنطلب المزيد مهما امتلكنا، أو إعجاب الناس فنقول ما يرضيهم، أو حبّ السيطرة فلا نشعر بقيمتنا إلا حين يطيعنا غيرنا.

ولا تصبح الرغبة عبوديّةً لمجرّد أننا نحبّها؛ يبدأ استعبادها لنا حين نعرف أذاها، ثم نعجز عن رفضها؛ فالحرّية ليست أن أفعل كلّ ما أريد؛ إنها أيضًا أن أستطيع القول لرغبتي: لا، حين تقودني إلى ما يناقض ضميري.

وهذا الاستعباد لا يأخذ من حرّيتنا فقط؛ يشدّنا بعيدًا عن الرسالة التي نحملها؛ مَن ينشغل بإعجاب الناس قد لا يسمع إنسانًا يحتاج إليه، ومَن يجعل الربح غايته قد يتخلّى عن حقٍّ جاء دوره في حمايته؛ نستهلك حياتنا في إرضاء ما نرغب، فلا ننتبه إلى ما يدعونا إليه وجودنا.

ولا يعني ذلك أن مَن سُلبت حرّيته فقد قيمة وجوده أو رسالته؛ فالظلم الذي يقيّده لا يختصره؛ حديثنا هنا عن الحرّية التي نستطيع ممارستها، وعن القيود التي نملك مراجعتها، لكننا نفضّل أحيانًا الاحتفاظ بها.

كلّما تحرّرنا ممّا يستعبدنا، أصبحنا أقدر على اكتشاف رسالتنا واختيار الوفاء لها؛ فالخالق يمنحنا الوجود، لكن الرسالة تحتاج إلى حرّيتنا كي نفهمها ونعيشها بوعيٍ ومحبّة.

لكن التحرّر ممّا يستعبدنا لا يكفي وحده؛ فقد شدّدنا، منذ مقالاتنا الأولى في "نحو الإنسانية"، على أن الأخلاق أساسٌ لكلّ ما نبنيه من قيم؛ وهنا تظهر أهميّتها في توجيه حرّيتنا: ليس كلّ ما أستطيع فعله يحقّ لي أن أفعله؛ فالحرّية التي تنفصل عن الأخلاق تصبح تفلّتًا مؤذيًا، وتُبعد الإنسان عن رسالته بدل أن تساعده على عيشها؛ فكيف أحقّق الغاية من وجودي على حساب كرامة إنسانٍ آخر؟

ان الحياة عطيّةٌ نحياها، وأمانةٌ نصونها؛ في رعاية أنفسنا، وفي استعمال قدراتنا، وفي الأثر الذي نتركه في حياة غيرنا؛ وحسن رعايتها أن نمنحها من المعنى بقدر ما نطلب منها من عمر.

لا يكفي أن نكون موجودين كي نعرف لماذا نحن هنا؛ نحتاج إلى أن نكون أحرارًا بما يكفي لنقبل جوابًا قد يختلف عمّا نرغب فيه، وأمناء بما يكفي لنعيشه.


كيف نعرفها؟

لا تصلنا رسالةٌ تخبرنا لماذا جئنا إلى الحياة؛ نبحث عن رسالتنا ونحن نعيشها؛ قد نلمحها في قدرةٍ نحسن استعمالها، أو مسؤوليّةٍ نشعر أنها تعنينا، أو خيرٍ نفعله ونجد فيه معنىً يتجاوز مصلحتنا. وليس كلّ ما ننجح فيه هو رسالتنا؛ لذلك نسأل: ما الخير الذي يحقّقه ما أفعله؟ ولِمَن يصل؟ وهل أبقى مؤمنًا بقيمته إن غاب التصفيق؟

اكتشاف الرسالة المرتبطة بغاية وجودنا، يحتاج إلى حرّيةٍ تسمح لنا بسماع ما يتجاوز رغباتنا؛ فقد ندعو الله أن يدلّنا، فيما لا نقبل جوابًا يختلف عمّا قرّرناه مسبقًا؛ لهذا يحتاج البحث إلى تحرر في الإصغاء والمراجعة؛ فقد نجد ما جئنا من أجله في طريقٍ لم نخطّط له.

نقترب من مشروع وجودنا حين تصبح حرّيتنا أقدر على الاستجابة لما يستحقّ، بدل أن تُستهلَك كلّها في إرضاء ما نرغب.


ما لم نعشه

قد يرحل إنسانٌ وهو ما زال يبحث عن رسالته، أو يترك عملًا لم ينجزه، واعتذارًا لم يقله، وحلمًا لم يحقّقه؛ فهل يعني ذلك أنه رحل قبل أن يتمّ ما جاء من أجله؟

نحن نرى ما بقي من خططه، لكننا لا نرى كلّ ما تحقّق من وجوده؛ قد يحسب أنه لم يفعل الكثير، فيما يكون قد منح إنسانًا سببًا للاستمرار، أو ترك أثرًا امتدّ أبعد ممّا عرف؛ فما لم يكتمل من مشاريعنا لا يعني بالضرورة أن مشروع وجودنا لم يكتمل؛ ليست كلّ خططنا هي الغاية من وجودنا.

وفي الرؤية الإيمانية التي ننطلق منها، يعرف الخالق تمام الرسالة، وإن لم يعرف الإنسان نفسه كيف أتمّها؛ لكن ذلك لا يجعل كلّ اختياراتنا صحيحة، ولا يعفينا من مسؤوليّة خيرٍ امتنعنا عنه أو أذى تسبّبنا به؛ فالإيمان بمعنى وجودنا لا يمنحنا براءةً من أخطائنا.

ولهذا لا نستطيع أن نحكم على حياةٍ من ظاهرها، ولا أن نعلن أننا فهمنا سبب نهايتها؛ ما نرجوه للراحل يبقى إيمانًا نحمله، لا معرفةً نملكها بتفاصيل قصد الخالق.

لسنا مطالبين بأن نعرف متى تكتمل رسالتنا؛ نحن مسؤولون عمّا نستطيع أن نعيشه منها اليوم.


فرصةٌ لا تتكرّر

وماذا عن الإنسان الذي لا يؤمن بخالق، ولا ينتظر وجودًا بعد الموت؟ إن كان يرى أن هذه الحياة هي كلّ ما سيُتاح له، فإن سؤال ما يفعله بها يصبح أشدّ إلحاحًا؛ فالمحبّة التي لم يعشها، والحقّ الذي لم ينصفه، والأذى الذي لم يصلحه، لا ينتظر لها فرصةً في حياةٍ أخرى.

من داخل هذا الفهم، تزداد مسؤوليته عن المعنى الذي يمنحه وجوده؛ عليه أن يجعل ما يؤمن بقيمته واقعًا هنا، وأن ينجز من الخير ما يستطيع، ما دامت له القدرة على الاختيار؛ فلا يكفي أن يقول إن الحياة تنتهي؛ يبقى السؤال: ماذا سيفعل قبل نهايتها؟

ويصبح التحرّر ممّا يستعبده أكثر إلحاحًا أيضًا؛ فإذا كانت حياته الوحيدة تُستهلَك في الخوف والطمع وإرضاء الآخرين، فإن ما يخسره هو جزءٌ من وجودٍ لا يتوقّع استعادته؛ كلّ ما يؤجّله من عيشٍ صادق قد يبقى، حسب رؤيته، غير معاشٍ إلى الأبد.

ولا يعني الإنجاز هنا أن يترك اسمًا مشهورًا أو أعمالًا عظيمة؛ فقد يحقّق الكثير في حياة إنسانٍ واحد، أو في أمانةٍ يحفظها، أو ظلمٍ يرفضه؛ ليست المسألة أن يفعل أكبر عددٍ من الأشياء، بل أن يمنح وجوده ما يستطيع من صدقٍ ومحبةٍ وأثر.

مَن يؤمن بالعودة إلى الخالق مسؤولٌ عن عيش الرسالة التي منحه إيّاها؛ ومَن يؤمن أن لا حياة بعد الموت، فهذه فرصته الوحيدة ليمنح الحياة كلَّ ما يستطيع من أثر.

حب البقاء

نتمنّى عمرًا أطول لأن في الحياة ما نحبّه، ولأننا لم نعش بعد كلّ ما نريده؛ لكننا نطلب البقاء أيضًا لأننا نخاف الموت؛ نخاف الفراق، والألم الذي قد يسبقه، والمجهول الذي لا نعرفه من تجربةٍ عشناها.

وقد صوّرت الأسطورة اليونانية هذا التعلّق بالبقاء في حكاية تيثونوس (Tithonus)؛ طلبت له إيوس (Eos)، إلاهة الفجر، الخلود، لكنها لم تطلب الشباب الدائم؛ فظلّ حيًّا، وظلّ يشيخ؛ نال البقاء الذي طلبته له، لكن البقاء وحده لم يمنحه الحياة التي تمنّياها.

وحاول أبيقور (Epicurus) تخفيف الخوف من طريقٍ آخر؛ رأى أننا، ما دمنا أحياء، لم نختبر موتنا، وحين نموت لن نكون موجودين لنشعر به؛ أراد أن يحرّر الإنسان من الانشغال الدائم بنهايته، كي يمنح حياته اهتمامًا أكبر.

يطلب الإنسان المزيد من الحياة لأنه يخاف الموت؛ لا لأنه يفصله عمّن يحبّ فقط، بل لأنه يجهل ما وراءه؛ لكن المؤمن يجد في العودة إلى خالقه ما يطمئنه؛ وغير المؤمن يرى أن الموت ينهي وجوده، فلا يبقى بعده ليشعر بألمٍ أو خوف؛ ولهذا، فإن الأجدى لكليهما أن يحوّل خوفه من الموت إلى حرصٍ على الحياة: أن يحبّ قبل أن يفوت اللقاء، ويعتذر قبل أن ينقطع الكلام، ويفعل الخير ما دام قادرًا عليه، ويترك أثرًا يبقى بعد رحيله.

ليس المطلوب أن نتوقّف عن حبّ البقاء، بل أن نسأل عمّا نريد أن نملأه به؛ فقد ننشغل طويلًا بتأجيل النهاية، ونؤجّل معها الحياة نفسها.

لا نملك أن نمنع الموت من إنهاء حياتنا؛ لكننا نستطيع ألّا نترك الخوف منه يمنعنا من عيشها.


ما يستحقّ البقاء

نتمسّك بالحياة، وهذا حقّ؛ لكن ماذا لو طُلب من الإنسان أن يخون ضميره كي يبقى؟ هل يحفظ حياته إذا خسر ما يعيش من أجله؟ وقف سقراط أمام هذا السؤال؛ ففي "دفاع سقراط"، كما كتبه أفلاطون، تصوّر أن يُعرَض عليه الإفراج بشرط أن يتوقّف عن الفلسفة ومساءلة الناس؛ فأعلن أنه سيواصل ما دام حيًّا وقادرًا؛ كان يرى في ذلك رسالته؛ فلم يكن مستعدًّا للتخلّي عنها ثمنًا للنجاة.

لم يكن سقراط يطلب الموت، بل كان يرفض أن يصبح الخوف منه سيّد حياته؛ وهنا يعود السؤال إلينا: كم مرّةً نسكت عن حقّ، أو نقبل ظلمًا، أو نتخلّى عمّا نؤمن به، خوفًا على مالٍ أو مكانةٍ أو أمان؟

قد نعرف رسالتنا، ثم يمنعنا الخوف من الوفاء لها؛ لذلك نحتاج إلى الحرّية لا لنكتشف ما جئنا من أجله فقط، بل لنظلّ أوفياء له حين يصبح الاختيار صعبًا.

ولا يعني ذلك الاستخفاف بالحياة أو البحث عن الموت؛ فحماية الحياة واجب؛ لكن حبّ البقاء يحتاج إلى ضميرٍ يسأل عن ثمنه، حتى لا يصبح عذرًا لقبول كلّ شيء.

ليست الشجاعة ألّا نخاف الموت، بل ألّا نمنح خوفنا منه سلطةً على كلّ ما نعيش من أجله؛ ومع ذلك، يبقى الحديث عن الموت أسهل حين يكون فكرة؛ فماذا يحدث حين يحمل اسم إنسانٍ نحبّه؟


يحمل اسمًا

نعرف أن كلّ إنسانٍ سيموت، لكن هذه المعرفة لا تهيّئنا لموت مَن نحبّ؛ فهناك فرقٌ بين أن نفهم أن الموت يصيب الجميع، وأن نجد أنفسنا أمام اسمٍ لن يجيب حين نناديه.

في رواية "The Death of Ivan Ilyich" يصوّر ليو تولستوي (Leo Tolstoy) رجلًا يعرف منذ صغره أن الإنسان فانٍ، لكنه لا يستطيع أن يفهم كيف تنطبق هذه الحقيقة عليه هو؛ على طفولته وذكرياته وحياته التي لا تشبه، في نظره، حياة أيّ إنسانٍ آخر؛ ما كان واضحًا في الفكرة أصبح عسيرًا حين صار مصيره.

وهذا ما يحدث لنا أمام رحيل الأحبّة؛ لا نفقد "إنسانًا" على نحوٍ عام، بل وجهًا نعرفه، وصوتًا ننتظره، وعلاقةً لا يستطيع أحدٌ أن يحلّ محلّها؛ لهذا لا تكفي عبارة "هذه سُنّة الحياة" كي يهدأ القلب؛ نحن نعرفها، لكن معرفتنا لا تلغي اشتياقنا.

وفي إيماننا بالعودة إلى الخالق، نحزن لأننا سنفتقد الراحل، فيما نؤمن أنه أتمّ رسالته وعاد إلى مَن منحه الوجود؛ وجعنا هو وجع الفراق؛ نفتقد قربه منّا، ونرجو له تمام القرب من خالقه؛ نطمئنّ عليه، ونتمنّى لو بقي بيننا.

ولا يجعل ذلك الحزن أنانيًّا، ولا البكاء ضعفًا في الإيمان؛ فالمحبّة التي جمعتنا به هي نفسها التي تتألّم لغيابه؛ لا تُناقض دموعنا رجاءنا له؛ قد نبكي ونحن نؤمن أنه في مكانٍ أفضل، لأن الطمأنينة عليه لا تعوّض حضوره معنا.

نحن لا نبكي لأننا نريد أن نحرم الراحل سلامه؛ نبكي لأننا ما زلنا نبحث عن حضوره في أيامنا.

من جهة الفراق

هناك رحيلٌ يأتي من دون إنذار؛ نؤجّل اتصالًا لأننا سنلتقي غدًا، ونترك كلامًا لوقتٍ آخر، ثم نكتشف أن الغد جاء ولم يأتِ اللقاء؛ يؤلمنا الغياب، ويؤلمنا معه ما بقي معلّقًا: كلمةٌ لم نقلها، وزيارةٌ لم نقم بها، ووداعٌ لم نعرف أنه كان الأخير.

وهناك رحيلٌ نرى اقترابه؛ نرافق المرض، ونراقب التعب، ونتعلّق بكلّ تحسّن؛ قد تتاح لنا فرصة الكلام والإمساك باليد، لكن انتظار النهاية لا يجعل وقوعها سهلًا؛ نعرف أنها تقترب، ولا نعرف كيف ستكون الحياة بعدها.

المفاجأة هنا تصف معرفتنا نحن؛ أمّا في إيماننا، فلا يأتي الرحيل على غفلةٍ من الخالق؛ ما لم نكن مستعدّين له، لم يكن مجهولًا عند مَن يعرف الرحلة كاملة؛ نحن نفاجأ بانقطاع اللقاء، ونؤمن أن رسالة الراحل قد اكتملت، وإن بقيت لنا معه أحلامٌ لم تتحقّق.

ولا يعفينا هذا الإيمان من مسؤوليّتنا عن أسباب الموت؛ فالعنف والإهمال والظلم تبقى أفعالًا تستوجب المحاسبة؛ لا يحقّ لأحدٍ أن يتذرّع باكتمال رسالة إنسانٍ ليبرّر التسبّب في موته.

ولأننا لا نعرف أيَّ لقاءٍ سيكون الأخير، نستطيع أن نقلّل ما نتركه مؤجّلًا بيننا: أن نقول المحبّة، ونصلح الخصام، ونمنح مَن نحبّ حضورًا لا نضمن تأجيله.

لا نستطيع أن نتهيّأ لكلّ فراق، لكننا نستطيع أن نكون أوفى للقاء ما دام ممكنًا.


بأيّ ميزان؟

لماذا يرحل إنسانٌ خيّر يحتاج إليه كثيرون، ويبقى مَن يؤذيهم؟ نقف أمام هذا السؤال كأن سنوات الحياة تُوزَّع بحسب الاستحقاق؛ نريد للمحبّ عمرًا أطول، ونستغرب أن يُمنح الظالم مزيدًا من الوقت.

لكن طول العمر ليس شهادةً بالصلاح، وقِصَره ليس حكمًا على صاحبه؛ مَن بقي لم ينل بذلك براءةً، ومَن رحل لم يُحرَم بالضرورة ممّا يستحقّ؛ نحن نقيس الخسارة بما انقطع من خيره؛ أمّا ما اكتمل من رسالته فقد يكون أوسع ممّا نراه.

لا تكون عودة الإنسان الخيّر إلى خالقه هزيمةً له، وإن كانت خسارةً موجعةً لمَن أحبّوه؛ وقد يبقى المسيء أمام فرصةٍ ليراجع نفسه، ويصلح ما يستطيع إصلاحه؛ فالأيام الإضافية لا تثبت رضا الخالق عن أفعاله، بل تبقي مسؤوليّته قائمةً عمّا يختاره.

ولا يعني هذا أننا نعرف لماذا مات هذا وبقي ذاك؛ إنّه فهمٌ نرجو به المعنى، لا جوابٌ نضعه في وجه كلّ مفجوع؛ أمام مَن فقد طفلًا أو شابًّا، قد يكون الإصغاء ومشاركة الألم أصدق من تفسيرٍ ندّعي به معرفة قصد الخالق.

ليس السؤال عمّن بقي: لماذا استحقّ عمرًا أطول؟ بل: ماذا سيفعل بما بقي له من عمر؟ نحن نرى مَن بقي ومَن غاب؛ أمّا ما اكتمل بين الإنسان وخالقه، فلا يُكشف لنا بعدد السنوات.


ما زال بين أيدينا

حين نسأل عمّا سنفعله بما بقي من عمرنا، قد نفكّر في إنجازٍ كبير؛ لكن ما ينتظرنا قد يكون أقرب: حقًّا نستطيع إعادته، أو مسؤوليّةً تهرّبنا منها، أو قرارًا نعرف أنه يحتاج إلى شجاعة.

وقد نظنّ أن أخطاءنا حسمت مَن نكون، وأن ما مضى لم يترك لنا فرصةً أخرى؛ لكننا، ما دمنا قادرين على الاختيار، نستطيع أن نغيّر شيئًا؛ لا نلغي الأذى الذي وقع، لكن يمكن أن نعترف به، ونصلح ما نستطيع، ونتوقّف عن تكراره؛ ليس في أيدينا أن نغيّر بداياتنا، لكننا نشارك في كتابة ما يأتي بعدها.

كذلك لا تنتهي قيمة وجودنا حين تقلّ قدرتنا على العمل والعطاء؛ قد يأتي يومٌ نحتاج فيه إلى مَن يرعانا؛ قبول المساعدة لا يجعلنا بلا دور؛ ففي الثقة التي نمنحها لغيرنا، وفي المحبّة التي نتلقّاها، تبقى لنا علاقةٌ بالحياة لا يختصرها ما ننجزه.

لهذا لا يصبح الإيمان بالعودة إلى الخالق انتظارًا للرحيل؛ فما زالت بين أيدينا حياةٌ تستحقّ العناية، وأشخاصٌ يعنيهم وجودنا؛ ولسنا مطالبين بأن نعرف كم بقي لنا، كي نعرف أن ما بقي يستحقّ أن نعيشه بأمانة.

لا نملك بقيّة العمر كلّها؛ لكننا نملك الآن فرصةً لأن نكون أصدق ممّا كنّا.


ما عندي الا اليوم

حين نرجو حياةً بعد الموت، هل نتخيّل أيامًا تشبه أيامنا، لكنها لا تنتهي؟ وهل ما نطلبه هو مزيدٌ من الوقت، أم حياةٌ لا يهدّدها الفقد؟

في رسالته "بالرجاء خُلِّصنا"، يستعيد البابا بندكتوس السادس عشر (Benedict XVI) تأمّل القديس أوغسطينوس (Saint Augustine) في الحياة السعيدة التي يتوق إليها الإنسان؛ ثم يقرّب معنى الأبديّة: ليست تعاقبًا بلا نهاية لأيام التقويم، بل امتلاءً بالحياة والمحبّة، يتجاوز ما نستطيع تصوّره بالساعات والسنوات.

بهذا المعنى، لا يرجو المؤمن أن يستمرّ به التعب إلى الأبد؛ يرجو لقاءً لا يخشى نهايته، ومحبّةً لا يقطعها رحيل؛ فما يؤلمنا في أجمل لحظاتنا ليس قِصَرها وحده، بل معرفتنا بأنها ستنتهي؛ ولعلّ توقنا إلى الأبديّة يحمل هذه الرغبة العميقة: أن يبقى ما نحبّ، من دون الخوف الدائم من خسارته.

وهذا الرجاء يغيّر معنى العودة إلى الخالق؛ فلا نتصوّرها مجرّد استمرارٍ لما عشناه هنا، بل لقاءً بمَن منح وجودنا معناه، وانكشافًا لما لم نفهمه من رحلتنا.

نحن لا نرجو وقتًا لا ينتهي فحسب؛ نرجو حياةً لا نخاف فيها نهاية ما نحبّ؛ ومن اصدق واجمل ما قيل "ان النجاح في الحياة هو لقاء الله دون خوف".


موعدٌ لا نعرفه

نعرف متى جئنا إلى الحياة، ولا نعرف متى نغادرها؛ وبين الموعدين نعيش كأن الوقت الذي نحتاج إليه سيكون متاحًا دائمًا؛ نقول: لم أنتهِ بعد، ولم أقل كلّ ما عندي؛ لكن هل يأتي الرحيل حين ننتهي نحن من طلب الحياة، أم حين يتمّ ما جئنا لنمنحها إيّاه؟

لا يتحدّد موعد الموت بمقدار ما بقي لنا من رغبات، بل بتمام مشروع وجودنا؛ قد تبقى لنا خططٌ كثيرة، فيما يكون وجودنا قد حقّق معنىً لم نُحط به؛ نحن نرى ما كنّا نريد أن نفعله، والخالق يعرف ما فعله وجودنا.

ولا تعني هذه الثقة أن نعرف الموعد أو نستسلم للموت؛ فنحن مسؤولون عن حماية الحياة، لا عن إعلان اكتمالها؛ إنّها تدعونا إلى التواضع أمام ما لا نعرفه: قد يبدو العمر ناقصًا لأننا نعدّ ما لم يحدث، فيما يغيب عنّا مقدار ما تحقّق.

أن نعيش كلّ يومٍ كأنه قد يكون آخر أيامنا، لا يعني أن نقضيه في انتظار الموت، بل أن نمنحه ما يستحقّ من حياة؛ أن نسأل: لو كان الرحيل اليوم، فما الكلمة التي أندم لأنني لم أقلها، وما الحقّ الذي ما زلت أؤجّله، وما الذي يشغلني الآن ولن يستحقّ عندها شيئًا؟ قد لا نغيّر حياتنا كلّها في يوم، لكن هذا السؤال يكشف لنا ما يستحقّ أن نعيش من أجله، وما يستعبدنا بلا معنى.

موعد الرحيل مجهولٌ عندنا، لا عند مَن منحنا الوجود؛ وما نرجوه هو ألّا تكون نهايتنا انقطاعًا بلا معنى، بل عودةً تحمل معنى الرحلة كلّها.


لقد تم

حين نصل إلى يسوع، لا نصل إلى مَن شرح الموت من خارجه؛ نصل إلى صديقٍ وقف أمام قبر صديقه وبكى. يختصر يوحنا المشهد بكلمتين: "بكى يسوع" (يوحنا 11: 35)؛ وفي هاتين الكلمتين مكانٌ لكلّ مَن آمن ثم وجد نفسه عاجزًا عن حبس دموعه؛ فالمحبّة التي ترجُو الحياة لا تصبح أقلّ صدقًا حين تتألّم للفراق.

يسوع لم يجعل الرجاء مسافةً تفصله عن وجع البشر؛ دخل إلى الحزن، وشارك الذين يحبّونه انكسارهم؛ لذلك أستطيع أن أحمل إليه سؤالي واشتياقي واعتراضي، من دون أن أتظاهر بأن الإيمان جعل الغياب سهلًا عليّ.

لكن حياته تفتح أمامنا أيضًا الصلة التي بحثنا عنها بين الوجود والحرية والرسالة؛ ففي صلاته إلى الآب، قال إنه أتمّ العمل الذي أُعطي له أن يعمله (يوحنا 17: 4)؛ عاش أمينًا للرسالة التي جاء من أجلها، وما يمنح هذه الأمانة عمقها هو أن بذله ذاته كان فعلًا حرًّا، كما يعبّر عنه قوله إنه يضع حياته من ذاته (يوحنا 10:18).

هنا تبلغ الحرية معنىً يتجاوز إرضاء الرغبة؛ يستطيع الإنسان أن يكون حرًّا وهو يقبل كلفة المحبّة، وأن يكون مستعبدًا وهو يحصل على كل ما يشتهيه؛ وفي يسوع نرى حريةً لا تجعل حماية الذات الغاية الوحيدة للوجود؛ تظلّ قادرةً على العطاء حين يصبح العطاء صعبًا، وعلى الوفاء حين يصير التراجع أقلّ ألمًا.

ثم تأتي على الصليب عبارة "لقد تم" (يوحنا 19: 30)؛ يمكننا أن نسمع فيها اكتمال الرسالة وسط ما يبدو للواقفين نهايةً وانكسارًا؛ فقد رأى محبّوه رحيله، وحملوا وجع خسارته، بينما يفتح الإيمان المسيحي، من خلال القيامة، رجاءً يتجاوز ما استطاعت أعينهم رؤيته يومئذٍ.

ولا يمنحنا هذا حقّ تفسير موت كل إنسان، أو معرفة اللحظة التي اكتملت فيها رسالته؛ لكنه يمنحنا لغةً نحمل بها ما لا نفهمه: قد تكون حياتُه قد بلغت عند خالقه اكتمالاً، لا نراه نحن من مكان الفراق.

ولعلّ هذا ما أتعلمه من يسوع: أن أعيش رسالتي بما أستطيع من حريةٍ ومحبّة، وأن أحفظ للحياة قيمتها، ثم أضع ما يتجاوز معرفتي في يد الآب؛ فالأمانة لما جئنا من أجله هي ما نستطيع اختياره؛ أمّا تمام الحكاية عند الخالق، فنرجوه ولا نحيط بسرّه.


أن نكون أوفياء

حين يفرغ البيت من المعزّين، تبقى النظّارة قرب الكتاب، والثوب خلف الباب، والفنجان الذي نعرف اليد التي كانت تحمله؛ لن يعيد التأمّل صاحبه إلى مقعده، ولن يمنحنا جوابًا عن كل ما يوجعنا؛ لكنه قد يساعدنا على أن نرى من حياته أكثر من لحظة رحيله، ومن وجوده أكثر من الفراغ الذي تركه في وجودنا.

فقد كانت له رحلةٌ لم نعرفها كاملة؛ محبّةٌ منحها، واختياراتٌ كابدها، وأثرٌ وصل إلى أشخاصٍ لا نعرفهم؛ ويحقّ لنا أن نشتاق ونبكي؛ فالمحبّة لا تتوقّف عن طلب مَن تحبّ، حتى وهي تضعه في رحمة الله.

أمّا نحن، فما زال بين أيدينا وجودٌ ينتظر جوابنا؛ وهنا تلتقي الأسئلة التي رافقتنا: ما الرسالة التي نعيشها؟ وما مقدار الحرية التي نمنحها لأنفسنا كي نفهمها؟ وما الذي يستعبدنا، فنحسبه جزءًا لا نستطيع التخلّي عنه، بينما يأخذنا كل يومٍ بعيدًا عمّا نؤمن أنه حقّ؟

قد يرحل الإنسان عن حياته الداخلية قبل أن يرحل عن العالم؛ ينشغل بما يملكه حتى ينسى مَن هو، ويخشى خسارة مكانته حتى يخسر صدقه، ويطيع رغباته حتى تصبح هي صاحبة القرار؛ ولهذا يحتاج الوفاء للرسالة إلى تحرّرٍ متجدّد؛ إلى شجاعةٍ تجعلنا نراجع ما نقبله، وما نسعى إليه، وما ننفق وجودنا في خدمته.

تلتقي هنا رحلتنا "نحو الإنسانية" بسؤال الموت؛ فالكرامة التي دافعنا عنها تحتاج إلى موقف، والمحبة تحتاج إلى حضور، والعدالة إلى اختيارٍ قد يخالف مصلحتنا؛ ما نؤمن به من قيم هو ما يمنح رسالتنا صورتها الإنسانية، وما نختاره بحرّية هو ما يجعل هذه الصورة حياة.

قد يختلف المؤمن والملحد في ما ينتظر الإنسان بعد الموت، لكن كليهما يقف أمام يومٍ يستطيع أن يخفّف فيه ألمًا، أو يصلح أذًى، أو يقول كلمةً كان يؤجّلها؛ والوجود الذي بين أيدينا الآن يستحقّ منّا هذا الانتباه، مهما اختلف فهمنا لأصله ومصيره.

لا نعرف كم بقي لنا، وقد لا نعرف كلّ ما جئنا من أجله؛ لكننا نستطيع أن نتحرّر ممّا يمنعنا من عيشه، وأن نكون أوفياء لما يتّضح لنا منه. وحين يحين الرحيل، لعلّ أصدق ما نحمله إلى خالقنا حياةٌ جعلنا وجودنا فيها محبّةً، وحرّيتنا مسؤوليةً، ورسالتنا خيرًا وصل إلى غيرنا.

والأهمّ أن نملأ وجودنا بالحياة، حتى لا يأخذ الموت منّا حضورنا.