الدكتور أنور صيّاح

سلسلة "نحو الإنسانية" (31)

إنسانيةٌ لكلّ حياة... هل نكتشف الأرض التي فينا حين ندرك أننا لسنا وحدنا أحياء؟

17 دقيقة للقراءة

المقدمة

قد نمرّ بشجرةٍ كل يوم، ولا ننتبه إليها إلا حين تُقطع؛ عندها تبدو الطريق مكشوفةً أكثر مما اعتدنا، ويصل الضوء قاسيًا إلى موضعٍ كان الظلّ يلطّفه؛ نتوقّف أمام الفراغ، ونكتشف أن شيئًا كان يرافق أيامنا من دون أن نلتفت إليه.

وقد يغيب صوت طائرٍ عن نافذتنا، فنشعر أن الصباح ينقصه شيء؛ لم نكن نعرف مواعيد حضوره، لكن غيابه يكشف أننا كنّا ننتظره؛ هكذا نكتشف أحيانًا صلتنا بالحياة من حولنا متأخرين؛ حين يصمت ما اعتدنا سماعه، أو يختفي ما حسبناه جزءًا ثابتًا من المشهد.

وفي أوقاتٍ أخرى، يكفي أن نرى غصنًا أخضر يخرج من جذعٍ يابس، أو مخلوقًا صغيرًا يتردّد قبل أن يطمئن إلى يدنا، حتى يهدأ فينا شيء؛ نتأنّى، ونراقب، ونشعر بأن ما يحدث يعنينا، من دون أن نعرف تمامًا لماذا.

ما سرّ هذه الصلة التي توقظها فينا شجرةٌ أو نظرةُ مخلوق؟ وكيف يمكن أن تكون الحياة قريبةً منّا إلى هذا الحدّ، ثم تغيب كلّ هذا الغياب عن حساباتنا؟

أثر الخالق

أمام شجرةٍ معمّرة، أو جناحٍ صغير يحمل طائرًا، أو بذرةٍ تنفتح في عتمة التراب، يستيقظ في الإنسان سؤالٌ يتجاوز ما يراه: كيف اجتمع في هذه الحياة كلّ هذا التعقيد الدقيق والجمال؟ وفي الإيمان، تصبح الدهشة بابًا إلى الخالق؛ نرى في المخلوقات أثر عطيّةٍ سبقت وجودنا، ولم نصنع نحن شروطها الأولى.

ولا تظهر عظمة الخلق في المشاهد المهيبة وحدها؛ قد يوقفنا جبل، وقد توقفنا زهرةٌ تكاد تخفيها الأعشاب؛ ما يبدو صغيرًا أمام أعيننا يحمل من دقّة التكوين ما يتجاوز معرفتنا به؛ وجهلنا باسمه أو دوره لا ينتقص من وجوده. نحن الذين نحتاج إلى أن نتعلّم كيف نراه؛ فهو لا يحتاج إلى معرفتنا به كي يكون من خليقة الله.

وأذكر فكرةً طرحها أستاذي قديمًا، وبقيت تفتح في ذهني بابًا للتأمّل: "الإنسان لا يخترع؛ إنه يكتشف، لأن الخالق أوجد كل شيء." ولعلّ عمقها أن الإنسان، مهما بلغ إبداعه، لا يبدأ من العدم؛ يكتشف خصائص المادّة، ويفهم قوانينها، ويجمع بين إمكاناتها ليصنع ما لم يكن موجودًا بهذه الصورة من قبل؛ إنجازه حقيقي، لكن إمكانه كان مودَعًا في عالمٍ سبقه؛ وكلما اكتشف الإنسان شيئًا من قدرته، اكتشف أيضًا شيئًا من غنى الخليقة التي جعلت هذه القدرة ممكنة.

حين يصنع إنسانٌ عملًا جميلًا، نحفظ فيه أثر جهده، ويؤلمنا أن نراه يُشوَّه باستخفاف؛ فكيف نعلن إجلالنا للخالق، ثم نتعامل باستهانةٍ مع ما نؤمن أنه خلقه؟ وكيف نشكره على الحياة، ثم نؤذي مخلوقًا لمجرّد أن إيذاءه سهل، أو نتلف جمالًا لأن بقاءه يعترض رغبةً عابرة لنا؟

لا يعني احترام الخليقة أن نكفّ عن الانتفاع بها؛ لكنه يغيّر نظرتنا إلى ما نأخذه بين أيدينا؛ أمامنا وجودٌ له صلته بالخالق قبل أن تكون له منفعةٌ لنا؛ ومن هذه الصلة يستمدّ احترامًا لا نمنحه نحن ثم نسحبه متى شئنا.

إذا كنّا نرى في المخلوقات أثر عظمة الله، فلا بدّ أن يظهر شيءٌ من احترامنا له في طريقة تعاملنا معها؛ فتعظيم الخالق يحمّلنا مسؤوليةً تجاه ما خلق.

ثم يقترب السؤال أكثر: أين نقف نحن من هذه الخليقة؟ هل نحن أمامها نتأمّلها، أم أننا، بأجسادنا وحاجتنا وحياتنا، جزءٌ منها أيضًا؟

الأرض التي فينا

نقول إننا نخرج إلى الطبيعة، كأننا نغادر عالمنا إلى عالمٍ آخر؛ نمشي بين الأشجار، ونجلس قرب الماء، ثم نعود إلى بيوتنا معتقدين أننا تركناها خلفنا؛ لكن الهواء يدخل معنا، والماء يجري في أجسادنا، وما أنبتته الأرض يصبح جزءًا من لحمنا ودمنا؛ نبتعد عن مشهد الطبيعة، ولا نخرج من صلتنا بها.

الشجرة التي نراها واقفةً أمامنا تمدّ جذورها في التراب لتبقى حيّة؛ ونحن أيضًا لنا صلةٌ بما يغذّينا، وإن حجبتها عن أعيننا المسافات والمتاجر والجدران؛ تصل الثمرة إلى مائدتنا فننسى الشجرة، ويصل الماء إلى بيتنا فننسى الينبوع؛ لكن اختفاء الطريق لا يلغي الأصل الذي جاء منه ما يُبقينا أحياء.

ثم تأتي العودة الأخيرة لتكشف عمق هذا الانتماء؛ فالجسد الذي نما ممّا أخذته الحياة من الأرض يعود إليها بعد الموت، وتدخل مادّته من جديد في دورات الطبيعة. نحن لا نعبر فوق التراب فقط؛ نحمل منه ما يتكوّن به جسدنا، ثم نردّ إليه ما حملناه.

وقد سبقنا إلى هذه العودة أهلنا وأجدادنا؛ الأيدي التي حملتنا، والوجوه التي انحنت لتقبّلنا، والأجساد التي تعبت كي نكبر؛ عاد شيءٌ من مادّتهم إلى الأرض، وبقي شيءٌ من حضورهم فينا؛ فكأن صلتنا بهم تستمرّ في جهتين: فيما تركوه في حياتنا، وفي التراب الذي استقبل أجسادهم.

لا تختصر هذه العودة الإنسان في جسده، لكنها تمنح علاقتنا بالأرض تواضعًا وعمقًا؛ فما نظنّه تحت أقدامنا يحمل شروط حياتنا، واحتضن أجساد مَن أحببناهم، وسيستقبل جسدنا يومًا.

الطبيعة ليست خارج حكايتنا؛ منها يتكوّن جسدنا، وبها يستمرّ، وإليها يعود؛ لكن هذا القرب كلّه لا يمنعنا من أن نأخذ منها كل يوم، ونعيش كأننا لا ندين لها بشيء.

نأخذ وننسى

كل يومٍ نعيشه يحمل شيئًا أخذناه من الطبيعة؛ ماءً نطفئ به عطشنا، وغذاءً يقوّي أجسادنا، وهواءً نتنفّسه، وموادّ نبني بها بيوتنا ونصنع منها أدواتنا؛ وحتى حين نطلب الراحة من تعب الحياة، نبحث عن بحرٍ ننظر إليه، أو شجرةٍ نجلس تحتها، أو طريقٍ يعيد إلينا هدوءنا؛ فهي تسند بقاءنا، وتمنح عيشنا شيئًا من جماله؛ وتوقظ في إنسانيتنا القدرة على الدهشة والامتنان والرحمة؛ تضعها أمام الامتحان: كيف نعامل ما يمنحنا القدرة على أن نحيا؟

ننسى أحيانًا مصدر ما يصل إلينا؛ نعرف ثمن الثمرة ولا نفكّر فيما احتاجته لتنمو، وندفع فاتورة الماء فنحسب أننا سدّدنا الحساب كلّه؛ ما نشتريه يمنحنا حقّ الانتفاع، لكنه لا يعوّض وحده ما أُخذ من الأرض، ولا يعفينا من مسؤولية المحافظة على ما يُبقيها قادرةً على العطاء. والمفارقة أننا كثيرًا ما نؤذي في الطبيعة ما نطلبه منها؛ نبحث عن هواءٍ نقيّ ثم نلوّثه، ونقصد الغابة لنستريح ونترك فيها نفاياتنا، ونعجب بمجرى الماء ثم نلقي فيه ما لا نريده قرب بيوتنا؛ نريد منها أن تبقى ملجأً لنا، فيما نتصرّف كأنها قادرةٌ على احتمال كل ما نفعله بها.

يشبه ذلك أن نأكل من ثمر شجرة، ثم نجرح جذعها؛ ننشغل بما تمنحنا اليوم، ونضعف ما سيسمح لها بأن تمنح غدًا؛ وقد نفعل الأمر نفسه مع مَن يرعانا: نعتاد حضوره حتى نتوقّف عن رؤية تعبه، ونأخذ من عطائه كأنه واجبٌ لا ينفد؛ فالاعتياد قد يحجب عنّا قيمة ما تعتمد عليه حياتنا.

لهذا يبدأ ردّ الجميل من تصرّفٍ يحفظ العطيّة: ألّا نهدر ما نحتاج، وألّا نترك أذانا حيث وجدنا راحتنا، وأن نصلح ما نستطيع إصلاحه، فالامتنان الذي لا يغيّر طريقة أخذنا يبقى إحساسًا عابرًا.

لكن لو لم تمنحنا شجرةٌ ثمرًا أو ظلًّا، هل تصبح حياتها أقلّ استحقاقًا للحماية؟ هنا يبدأ سؤالٌ يتجاوز ردّ الجميل: هل قيمة الطبيعة فيما تعطينا وحده، أم أن للحياة فيها قيمةً حتى حين لا تكون لنا منها منفعة.

حق لغيرنا

في غابةٍ بعيدة، تنمو شجرةٌ لن نجلس في ظلّها، ويعبر طائرٌ لن نسمع صوته، وتتفتّح زهرةٌ لن يراها أحدٌ منّا؛ لا يدخل شيءٌ من ذلك في يومنا، لكن الحياة هناك تمضي؛ فهل تحتاج إلى أن تنفعنا كي نعترف بقيمتها؟

اعتدنا أن نسأل عمّا نستطيع أخذه من الموجودات، حتى صار نفعها لنا يكاد يكون مبرّر وجودها؛ هذه شجرةٌ مثمرة، وهذا حيوانٌ مفيد، وتلك أرضٌ تصلح للبناء؛ وهذه أوصافٌ تخبرنا بما نريده منها، لكنها لا تخبرنا بكل ما هي عليه؛ فالشجرة التي لا تعطينا ثمرًا قد تؤوي أعشاشًا، والأرض التي تبدو فارغةً قد تحتضن حياةً لم نتعلّم أن نراها.

وفي كتابه "أجزاء الحيوان"، دعا أرسطو (Aristotle) إلى دراسة المخلوقات حتى تلك التي تنفّرنا أشكالها؛ ففيها ما يستحقّ المعرفة والدهشة؛ ومن هذه الدعوة نستطيع أن نتعلّم التريّث أمام ما نحكم عليه سريعًا: جهلنا بقيمة كائنٍ لا يعني أنه بلا قيمة، ونفورنا منه لا يجعل وجوده خطأً.

ثم منح القديس فرنسيس الأسيزي هذه الصلة لغةً وجدانية في "نشيد المخلوقات"؛ خاطب الشمس والماء والريح والأرض بأسماء الأخوّة، ورأى الإنسان مشاركًا في تسبيح الخالق، بين مخلوقاتٍ تشترك معه في الوجود. وفي هذه النظرة ما يدعونا إلى محبّةٍ تتجاوز الامتلاك؛ كما نفرح أحيانًا بإنسانٍ وجد طريقه، وإن لم يعد يمرّ في حياتنا، نستطيع أن نفرح بحياةٍ تستمرّ بعيدًا عن منفعتنا.

ولا يعني ذلك أن نتوقّف عن الانتفاع بالطبيعة؛ بل أن نعرف، ونحن ننتفع بها، أن ما أمامنا يتجاوز الغرض الذي نريده منه؛ فحياة المخلوق لا تبدأ حين نحتاج إليه، ولا تفقد قيمتها حين تنتهي حاجتنا منه.

حين نعترف بذلك، يصبح السؤال أكثر جدّية: إذا كانت للحياة قيمةٌ تتجاوز منفعتنا، فأين ينبغي أن تقف قدرتنا على التصرّف بها؟

نقدر، فهل يحقّ؟

لا يكفي أن نعترف بقيمة الحياة، ثم نتصرّف كأن قدرتنا عليها تمنحنا الحقّ في كل شيء؛ فقد تستطيع اليد أن تقطع في دقائق شجرةً احتاجت إلى عقودٍ لتنمو؛ سهولة الفعل لا تكشف مقدار خسارته، وسرعة الربح قد تحجب بطء ما نحتاج إليه لتعويضه؛ نحن نحتاج إلى الأخذ من الطبيعة؛ نزرع ونحصد، ونبني ونستهلك، ونغيّر محيطنا كي نستطيع العيش فيه؛ والمسؤولية تبدأ داخل هذه الحاجة: كم نأخذ؟ وكيف؟ وما الذي نؤذيه ونحن نأخذ؟ وهل نترك لما نعتمد عليه فرصةً كي يتجدّد، أم نستهلك قدرته على الاستمرار؟

فالفرق كبير بين أن نقطف الثمر وأن نكسر الغصن للوصول إليه؛ بين أن نستعمل الماء وأن نهدره، وبين أن نحمي أنفسنا من حيوانٍ يهدّدنا وأن نجعل إيذاءه تسليةً؛ في كل حالةٍ قدرة، لكن الحاجة والعواقب والبدائل هي ما ينبغي أن يوجّه استعمالها.

وقد نبرّر قسوتنا بأن الطبيعة نفسها قاسية؛ فيها افتراسٌ وجوعٌ وموت، وقد يهلك الضعيف أمام الأقوى؛ لكن ما يحدث في الطبيعة لا يصبح، لمجرّد حدوثه، قاعدةً أخلاقية لنا؛ فنحن نستطيع أن نفهم الأذى، ونتوقّع بعض نتائجه، ونختار وسيلةً أقلّ ضررًا؛ ومعرفتنا بما قد نُحدثه تجعلنا مسؤولين عمّا نختار إحداثه.

كذلك لا تنتهي هذه المسؤولية عند حدود الملكية؛ قد تكون الشجرة في أرضنا، لكن أغصانها تؤوي حياةً أخرى، وقد يمرّ الماء في ملكنا، لكن أذانا له يمضي إلى ما بعده؛ وكما لا تمنحنا قرابتنا بإنسانٍ حقّ التحكّم بحياته، لا تجعل ملكيتنا مكانًا كلَّ ما يحيا فيه مباحًا لنا.

تنضج القوّة حين تصبح القدرة على الفعل مصحوبةً بالقدرة على الامتناع أي الانضباط؛ أن نترك ما نستطيع أخذه، حين نعرف أن أخذه سيؤذي حياةً لا ضرورة لإيذائها.

ويصبح هذا الاختيار أشدّ وضوحًا حين لا يكون الضرر احتمالًا بعيدًا، بل ألمًا حيًّا أمامنا: ماذا نفعل بقوّتنا حين تقابل مخلوقًا لا يستطيع أن يدافع عن نفسه.

أمام الضعف

قد تكون المسافة بين الأذى والرحمة حركةَ يد؛ مخلوقٌ جريح على جانب الطريق، أو حيوانٌ أضناه العطش، أو صغيرٌ ارتبك أمام اقترابنا؛ في تلك اللحظة، تصبح قوّتنا قرارًا يمسّ حياةً أمامنا؛ نستطيع أن نزيد خوفها، أو نتوقّف كي نفهم حاجتها.

لا يشترط فهم الألم أن نتشابه في كل شيء؛ يكفي أن نرى محاولة الإفلات منه، أو نسمع الأنين، أو نلاحظ جسدًا لم يعد يقوى على الوقوف؛ وقد نجهل كثيرًا مما يشعر به الحيوان، لكن هذا الجهل يدعونا إلى التأنّي؛ فعجزه عن شرح وجعه لا يجعل وجعه أقلّ حقيقة.

وفي حديثٍ رواه البخاري، حكى النبي محمد عن رجلٍ اشتدّ عليه العطش فشرب من بئر، ثم رأى كلبًا يعاني ما عاناه، فعاد وسقاه، فغفر الله له؛ وحين سُئل عن أجر الإحسان إلى الحيوان، قال: "في كلّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ".

ما يستوقفنا في الحكاية أن الرجل حمل تجربته إلى خارج نفسه؛ عرف العطش، فاستطاع أن يراه في مخلوقٍ مختلف عنه؛ لم ينتهِ إحساسه بالحاجة حين ارتوى؛ صار ارتواؤه فرصةً لأن يسأل عمّن بقي عطشانًا.

وهنا تلتقي الرحمة بما بحثنا عنه طوال رحلتنا نحو الإنسانية: أن يساعدنا ضعفٌ عرفناه على فهم ضعف غيرنا، وأن يمنعنا ألمٌ عانيناه من الاستخفاف بالألم؛ فنحن أيضًا مررنا بأوقاتٍ كانت فيها حاجتنا أكبر من قدرتنا على التعبير، وكان أماننا متوقّفًا على انتباه مَن هو أقوى منّا.

أحد أصدق امتحانات إنسانيتنا أن تكون حياةٌ أضعف في متناول أيدينا، فلا يصبح ضعفها فرصةً لأذانا، بل سببًا لعنايتنا. لكننا لا نرى دائمًا العين التي أخافها فعلنا، ولا الجسد الذي وصل إليه ضررنا؛ فقد نؤذي من بعيد، عبر ماءٍ أفسدناه أو هواءٍ لوّثناه؛ فهل تنتهي مسؤوليتنا حيث تنتهي قدرتنا على رؤية مَن يتألّم.

أذًى لا نراه

قد نلقي ما يؤذي في نهرٍ ثم نغادر ضفّته؛ يختفي المشهد من أمامنا، لكن أثر الفعل يواصل طريقه؛ يصل إلى أرضٍ تُروى، وكائنٍ يعيش في الماء، وبيتٍ ينتظر ما يشربه؛ ما تركناه خلفنا قد يدخل حياة آخرين، من دون أن نراهم أو يعرفوا مَن أوصل إليهم الضرر.

هنا تتجاوز علاقتنا بالطبيعة حدود المكان الذي نقف فيه؛ فالماء يصل بين ضفافٍ متباعدة، والهواء لا يقف عند سور، وما نفعله في موضعٍ قد يُحمّل موضعًا آخر عواقبه؛ وكما قد تستمرّ كلمةٌ جارحة في إنسانٍ بعدما ننساها، قد يستمرّ أذانا في الحياة بعدما يغيب عن وعينا.

لكن الناس لا يملكون القدرة نفسها على الاحتمال أو الحماية؛ مَن يستطيع شراء ماءٍ نقيّ قد يتجنّب بعض الضرر، فيما يبقى غيره أمام خيارٍ قاسٍ بين العطش والماء الملوّث؛ وقد ينتقل المقتدر من مكانٍ أُفسد هواؤه، بينما تبقى عائلةٌ لا تملك كلفة الرحيل؛ يصبح الأذى أشدّ ظلمًا حين ينتفع به طرفٌ، ويتحمّل عواقبه مَن لم يختاروه.

لهذا رأى البابا يوحنا بولس الثاني، في رسالته ليوم السلام العالمي سنة 1990، أن الأزمة البيئية مشكلةٌ أخلاقية تستدعي التضامن؛ ثم شدّد البابا فرنسيس، في "كُنْ مُسبَّحًا"، على الإصغاء إلى صرخة الأرض وصرخة الفقراء معًا؛ فالعناية بما يحمل الحياة مرتبطةٌ بالعدالة بين الذين يعيشون منه.

والمسؤولية هنا تحتاج إلى أكثر من نوايا حسنة؛ تحتاج إلى أن نعرف أين يذهب ما نطرحه، ومَن يتأثّر بما ننتجه، وما إذا كان الربح الذي نحتفل به يخفي كلفةً تُقتطع من صحة غيرنا ورزقه؛ فما نُبعده عن بيوتنا لا يختفي بالضرورة؛ قد يصبح قريبًا من بيتٍ آخر.

لا تتوقّف مسؤوليتنا عند آخر وجهٍ نراه؛ تمتدّ إلى حيث يصل أثر ما نفعله. وهذا الأثر قد يتجاوز المسافة إلى الزمن؛ قد نبقى اليوم بمنأى عن نتائجه، ثم يجدها طفلٌ لم يولد بعد. فكيف نحفظ حقّ مَن سيعيشون في عالمٍ نشارك الآن في صنعه لهم.

حقّ مَن سيأتي

قد تُقطع غابةٌ في أيام، ويحتاج تعويضها إلى أجيال؛ وقد يستمرّ أثر ما نلوّثه بعد رحيل مَن لوّثوه؛ لا تنتهي نتائج أفعالنا بانتهاء منفعتنا منها؛ بعضها يبقى في العالم، ينتظر مَن سيصل لاحقًا ويجد نفسه مضطرًّا إلى العيش معه.

والذين سيأتون بعدنا لن يختاروا البدايات التي نتركها لهم؛ سيولدون أمام ماءٍ حفظناه أو أفسدناه، وأرضٍ رعينا خصوبتها أو استنزفناها، ومخلوقاتٍ سمحنا باستمرارها أو أسهمنا في اختفائها؛ وقد ينفقون جزءًا من أعمارهم لإصلاح ما كان في وسعنا ألّا نتلفه.

نحن أيضًا تلقّينا حياةً سبقتنا؛ أكلنا من أشجارٍ غرسها غيرنا، وعشنا ممّا حفظته أيدٍ لم نعرف أصحابها؛ وربما جلس أحدنا يومًا في ظلّ شجرةٍ زرعها جدٌّ لم يدرك ولادته؛ لم يلتقيا، لكن فعل أحدهما وصل إلى حياة الآخر.

في الغرس شيءٌ من هذا الوفاء الممتدّ: أن تعمل لحياةٍ لن تشهدها، وأن تمنح مجهولًا ما كنت ممتنًّا لأن غيرك منحه لك.

لهذا لا يكفي أن نسأل عمّا نتركه لأبنائنا من مالٍ وبيوت؛ علينا أن نسأل عن العالم الذي ستقوم فيه بيوتهم، والماء الذي سيشربونه، والأرض التي ستطعمهم؛ فلا تكتمل العناية بمستقبلهم إذا جمعنا لهم أسباب الراحة، وأضعفنا شروط الحياة التي ستجعل تلك الراحة ممكنة.

ويمتدّ هذا الحقّ إلى غير أبنائنا أيضًا؛ فالطفل الذي لا يحمل اسمنا سيحتاج إلى الماء نفسه، والمخلوقات التي ستولد بعدنا تحتاج إلى موضعٍ تستطيع أن تعيش فيه؛ المستقبل ليس امتدادًا لعائلتنا وحدها؛ إنه حياةٌ واسعة تتلقّى نتائج اختياراتنا.

نحن مسؤولون عمّا نتركه ممكنًا بعدنا؛ عن فرصةٍ في الحياة لا يحقّ لنا استهلاكها كلّها لأن أصحابها لم يصلوا بعد.

وبعد أن عرفنا انتماءنا إلى الطبيعة، وقيمة الحياة فيها، ومدى أثرنا عليها، يبقى الامتحان الأهم: كيف يصبح هذا الفهم طريقةً نعيش بها، لا كلامًا نوافق عليه ثم نمضي؟

على خطى نظرته

يبدأ التغيير حين لا يعود ما عرفناه غائبًا عمّا نفعله؛ حين نتوقف أمام حياةٍ كانت تمرّ على هامش يومنا، ويصبح وجودها مؤثّرًا في قرارنا. فقد نعرف حاجة الشجرة إلى الماء، ثم نتركها تيبس؛ ونفهم ألم الحيوان، ثم نمضي لأننا مستعجلون؛ المعرفة تفتح أعيننا، لكن العناية تحتاج إلى أن نمنح ما رأيناه شيئًا من وقتنا وجهدنا.

وحين قال يسوع: "تأمّلوا طيور السماء"، و"تأمّلوا زنابق الحقل كيف تنمو" (متى 6: 26، 28)، دعا الإنسان القلق إلى أن يرفع نظره عن حساباته، ويرى حياةً تجري بقربه؛ دخل الطائر والزهرة في حديثه عن الثقة بالله؛ صار الانتباه إلى المخلوقات طريقًا لفهم شيءٍ من حياتنا نحن.

لكن التأمّل يواجه امتحانًا آخر حين تكون الحياة أمامنا متألّمة؛ ففي حديثه عن الشفاء يوم السبت، سأل يسوع عن خروفٍ يقع في حفرة: أفلا يمسكه صاحبه ويخرجه؟ انطلق من استحقاق الخروف للإنقاذ، بوصفه أمرًا يفهمه سامعوه، ليؤكّد أولوية فعل الخير للإنسان أيضًا (متى 12: 11–12)؛ في هذا التشبيه ما يستحقّ التوقّف: حياة المخلوق العاجز تستدعي يدًا تمتدّ إليه؛ فالرحمة التي تنقذ الخروف وتُعين الإنسان تكشف أن اختلاف المخلوقات لا يُسقط حاجتها إلى الرفق والرعاية.

ومن هذين المشهدين نستطيع أن نحمل إلى علاقتنا بالطبيعة موقفًا متكاملًا: نتأنّى لنرى، ونتعلّم لنفهم، ثم نتحرّك حين نستطيع تخفيف الأذى؛ فالزهرة التي توقظ دهشتنا تحتاج إلى شروط نموّها، والمخلوق الذي يحرّك عاطفتنا يحتاج إلى رفقٍ يصل إليه؛ لا يكفي أن يبقى أثرهما جميلًا في داخلنا.

وتبدأ هذه الرعاية من اختياراتٍ قريبة: ماءٍ لا نهدره، وشجرةٍ نحفظ لها مكانها، وألمٍ لا نجعله تسليةً، وضررٍ نراجع عاداتنا كي نتجنّبه. وتمتدّ إلى قراراتنا المشتركة، حين نطالب بأن تُصان المياه والأراضي ومواطن المخلوقات، وأن يتحمّل مَن يسبّب الأذى مسؤوليته.

الامتنان يصبح رعايةً حين نغيّر من أجله عادة، والرحمة تصبح فعلًا حين يصل منها إلى المتألّم ما يخفّف ألمه؛ عندها تدخل الطبيعة والمخلوقات في طريقة عيشنا، بعدما دخلت في وعينا.

الحياة بعد مرورنا

نعود إلى الشجرة التي بدأنا منها؛ تلك التي لم ننتبه إلى حضورها إلا حين قُطعت؛ لا نستطيع أن نعيدها بكلمة ندم، لكننا نستطيع أن نرى الشجرة التي ما زالت واقفةً قربها، وأن نفهم ما كان غائبًا عن حساباتنا قبل أن يترك غيابه فراغًا في الطريق.

بدأت رحلتنا بسؤالٍ عن صلتنا بالحياة من حولنا، فاكتشفنا أنها تدخل في تكويننا، وتحمل بقاءنا، وتستقبل أجسادنا حين نرحل؛ لكن هذا الانتماء لا يمنحنا العالم ملكًا نتصرّف فيه بلا حدود؛ يمنحنا سببًا للتواضع، ثم يضع أمامنا مسؤولية الاختيار.

فنحن نأخذ من الطبيعة ما نعيش به، وقد اعتدنا عطاءها حتى نسينا مصدره؛ غير أن ردّ الجميل، على أهميته، لا يكفي وحده؛ للمخلوقات حياةٌ تتجاوز منفعتها لنا، ولألمها حقيقةٌ لا تتوقّف على قدرتها على الشكوى، ولوجودها مكانٌ لا يحقّ لنا محوه لمجرّد أنه يعترض رغبةً نستطيع مراجعتها.

وهنا تجد القيم التي رافقتنا في "نحو الإنسانية" امتحانها: التواضع أمام ما نعتمد عليه، والاعتدال فيما نأخذه، والرحمة تجاه ما يتألّم، والعدالة في توزيع الخيرات والأعباء، والمسؤولية عن أثرٍ وصلنا ممن لم نره وقد يصل إلى مَن لا نراهم، ومَن لم يولدوا بعد.

هذه القيم تلتقي في سؤالٍ نأخذه معنا إلى حياتنا اليومية: هل يترك ما نفعله فرصةً لغيرنا كي يعيش؟ قد يحتاج الجواب إلى أن نمتنع عن أذى، أو نتخلّى عن منفعة، أو نصلح ما أفسدناه، أو نرعى شيئًا لن يعود علينا بقاؤه بمكسب؛ هناك يصبح احترام الحياة التزامًا له كلفة، وتظهر جدّية ما نؤمن به.

وكما بقي أهلنا وأجدادنا فينا بما منحونا من حبٍّ وتعب، يمكن أن يبقى منّا عطاءٌ لا يحمل أسماءنا؛ شجرةٌ تظلّل عابرًا، وماءٌ يصل نقيًّا إلى بيت، ومخلوقٌ يطمئن إلى يد الإنسان لأن يدًا رفقت به؛ قد لا يعرف أحدٌ مَن حفظ ذلك، لكن الحياة ستعرف أثره.

لن نبقى إلى الأبد؛ سيعود جسدنا إلى الأرض، وستواصل الحياة طريقها بعدنا؛ وما زال في وسعنا اليوم أن نختار شيئًا ممّا ستجده في طريقها.

فلعلّ أجمل ما يبقى من إنسانيتنا أن تستمرّ حياةٌ أخرى لأننا مررنا بها.