بطرس الخوري

دولة بلا كيمياء... وسلطة تنتظر الصدفة

3 دقائق للقراءة

في الكيمياء، يُسمّى الخليط الذي تبقى عناصره منفصلة «غير متجانس»، وفي لبنان، يُسمّى دولة.

مؤسسات متجاورة بلا انتظام، وصلاحيات متداخلة بلا مسؤولية. البرلمان في اتجاه، والحكومة في آخر، والعلاقة بين الرئاسات تحتاج إلى تسوية عند كل استحقاق. الجميع يملك قدرة التعطيل، ولا أحد يتحمّل نتيجة القرار.

الفصل بين السلطات تحوّل إلى ذريعة للتنصّل. والتوافق صار اسمًا مهذّبًا لحق النقض المتبادل. هكذا تُشلّ الدولة، ثم يخرج المسؤولون ليشتكوا من الشلل الذي صنعوه.

الجيش يقدّم تقديره المهني وينفّذ القرار السياسي ضمن القانون. الحكومة تقرّر وتتحمّل المسؤولية. هذه قاعدة دستورية، وليست موضوعًا للتفاوض. لذلك لا يملك الجيش أن يحوّل تقديره الخاص الى سياسة وطنية تعلو على قرارات الحكومة ويعلن ان من يخالفه الرأي أو ينتقده ليس بوطنياً.

قضية إيلي صليبا تكشف عطبًا فاضحًا. رجل موقوف بشبهات الاحتيال وانتحال صفة محامٍ استطاع الوصول إلى مسؤولين وبناء علاقات واسعة. كيف مرّ؟ من تحقّق من صفته؟ وكيف تحوّلت أبواب المؤسسات إلى منصّة لبناء صدقيته؟

ايضاً بالصدفة، اكتُشفت شحنة متفجرات كافية ان تفجّر البلاد بطولها وعرضها،

الأجهزة الأمنية مطالبة بالتحذير والاستباق والتدقيق. لا يكفي أن تتحرّك بعد انكشاف الفضيحة. الدولة التي تنتظر الصدفة لا تحمي الناس؛ تراهن بحياتهم، وما لا يُكتشف اليوم قد ينفجر غداً.

أما القضاء، فتحاصره التدخلات والحصانات والتعطيل، يُمدح حين يلاحق الضعيف، وتُستنفر الاعتراضات حين يقترب من صاحب نفوذ، يُرفع شعار احترام القضاء فقط ما دام بعيداً من أبواب المحميين.

أما الإدارة، فمصنع يومي للإذلال: المعاملة البسيطة تتحول الى رحلة اذلال بين المكاتب، المواطن مطلوب ان يُثبت للمؤسسة معلومة يُفترض أن تحصل عليها تلقائيا من مؤسسة أخرى، الطرقات اصبحت دفتراً مفتوحاً للحفر والترقيع. دولة تطلب من المواطن احترام الموجب العام، وهي لا تلتزم بما عليها لمؤسسة الكهرباء.

وفوق هذا الفشل، يحتفظ حزب الله بسلاح خارج سلطة الدولة، ويترك أمن البلاد ومستقبلها تحت ضغط قراره. تواجهه السلطة بالكلام، ثم تطلب من اللبنانيين تصديق أنها صاحبة السيادة. السيادة التي تحتاج إلى إذن من مسلّح لممارستها سيادة معطّلة.

هذه سلطة فاشلة في حماية الحقوق، وفاشلة في فرض القانون، وبارعة في توزيع الأعذار.

في الكيمياء، يكفي النظر لتمييز الخليط غير المتجانس. وفي لبنان، يكفي أن تحاول تحصيل حق واحد.

دولة تنتظر الصدفة كي تكشف الخطر، والتسوية كي تطبّق القانون، وموافقة المُسلّح كي تمارس سيادتها، لا تحكم البلاد؛ انها تترك اللبنانيين يدفعون ثمن بقائها.