أورنيلا سكر

لبنان بين "الانفجارات" و" الخيارات" أي مصير ينتظرنا ؟

27 شباط 2021

10 : 58

أحدث الإنفجار الذي وَقَع في مرفأ بيروت في 4 أغسطس الجاري، صدمةً عميقة في لبنان، مما ولّد "انقلاباً دولياً وداخلياً حول كيفية مقاربة الملف اللبناني وبشكل خاص الفساد والإهمال، وتسبَّب في حدوث زلزالٍ سياسي داخلي، بدءاً بالتحرك العنيف للشارع اللبناني المناهِض للطبقة الحاكمة بمجملها، ومروراً باستقالة حكومة حسان دياب في 10 من الشهر نفسه، وانتهاءً بطرح الخيارات والسيناريوهات المتعددة التي تنتظر لبنان وبخاصة بعد مناشدة صرح البطريرك مار بشارة الراعي المجتمع الدولي بشأن تدويل لبنان بفعل انعدام الحلول في الأفق، وعدم التوافق على مبدأ مشترك لإنقاذ لبنان من المأزق الإقتصادي والسياسي وبشكل خاص الصحي حيث تم اختراق المعايير المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي حول أولية توزيع اللقاحات مما خلق بلبلة عارمة في لبنان تشكو من المحسوبيات والواسطة .


من هنا، كان لا بد من توصيف المشهد اللبناني المعقد والمتداخل والمتشابك من أجل عرض الحلول الواقعية والفعّالة . فلبنان لم يعد قادراً على البقاء اسير الرٍّهانات الاقليمية والدولية، فهو بحاجة إلى الحسم والتّحييد من خلال بناء دولة قادرة، ذات إمكانية تمّكنه من النهوض ولملمة الجراح. لكن، عقبات عديدة تحول دون تحقيق هذا الهدف بفعل الإنقسامات العميقة والمتباينة حول مفهوم الولاء والإنتماء الخاصة بالوطنية، والطائفية، والمذهبية، والهوية، والعلمانية. إنها إشكالية لاتزال مبهمة لا تعالج بشكل جدّي وحقيقي بل مجرد ترقيعات مصبوغة بمبادرات التجميل التي لم تلامس حقيقة الأزمة وعمق المشكلة.

تمثل كارثة انفجار 2750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم كانت مُخزَّنة في أحد عنابر مرفأ بيروت (العنبر رقم 12)، واجهةً لحالة الفساد والتسيُّب التي تنخر المؤسسات الحكومية اللبنانية على مدى العقود التي تلت نهاية الحرب الأهلية (1990). كما يعكس الغموض الذي أحاط بقضية وصول هذه الشحنة من المواد القابلة للانفجار وظروف تخزينها منذ عام 2014، تواطؤ منظومة الفساد مع الأمر الواقع الذي يفرضه حزب الله على الدولة ومؤسساتها عبر سلاحه الذي بات عبئاً إقتصادياً ودولياً بفعل ما يسبٍّبه من توتُّر في العلاقات الخارجية من جهة، وهيمنة الحزب على مرفأ ومطار بيروت ومنافذ البلد الشرعية وغير الشرعية واستحكامه بقرار الحرب والسلم.

وتطرح قضية الكارثة التي ألمت بالعاصمة اللبنانية خطورة تحالف السلاح والفساد على نحو سبّب ما يشبه الإبادة لمدينة مثل بيروت، كما تطرح خطورة خيارات حزب الله في تحقيق أمن واستقرار لبنان . فلو كان فعلا ً مصدر مقاومة لما تم اختراق مربعه الامني عبر اغتيال لقمان سليم ولما استطاع العدو الاسرائيلي قصف مرفأ بيروت ليصبح لبنان خاضعاً حكما للتدويل بفعل انكشافه دوليا عبر المبادرات الفرنسية والعربية أي، (المصرية) ، والامريكية والايرانية وذلك من خلال إنتظار ما قد تؤول إليه مفاوضات الايراينة –الأمريكية من جهة المتزامن مع تشابك التنافس الفرنسي-التركي في البحر الابيض المتوسط .

نحن لا ننفي أن المشكلة في لبنان تمتد منذ عام 1994 زمن الحريرية السياسية الى 1975 الحرب اللبنانية الى حين خروج الوصاية السورية من لبنان واغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري عام 2005 و عام 2020 حيث استفحلت فيه الانتهيارات المتتالية بفعل التراكمات القائمة على أساس النظام السياسي الذي يغذي فيه المحسوبيات، والمحاصصات، والتمذهب والإستزلام للخارج، وللطائفة، بسبب الشعور بالتهميش والإمتيازات والولاءات غير الوطنية، والفساد الاداري بفعل الطائفية وصراع الهويات القاتلة التي منعت لبنان من تحقيق كيان قائم بذاته،إنما جعل منه حالة نموذجية للارتداد والولاء، كلما استدعت المخاوف الوجودية والتهديد الديمغرافي جرّاء الصراعات والتحالفات الجديدة التي تحصل في المنطقة سواء على خلفية العلاقات العربية –الاسرائيلية، أو الصعود التركي في المنطقة، أو النفوذ الايراني-الشعي .

إن هذه الهواجس تجعل المسيحي دائماً في صدارة الرفض وعدم قبول الصيغة العلمانية لان ذلك قد يهدد وجوده وحضوره في لبنان والمشرق بسبب عدم ثقة المسيحيين بالشريك المسلم، ولانه تراوده شكوك عديدة متعلقة بالذاكرة التاريخية ذات دلالات تعبّر عن إكراهات وصراعات لم تندمل بحكم طبيعة العلاقات المسيحية –الاسلامية المهدّدة بالانفجار كلّما استدعى الواقع ذلك . إن تركيبة النظام اللبناني منذ نشأته عام 1920 ، بني على أساس الولاء للخارج، ولم يكن يوما ً مؤمناً بالولاء الوطني بقدر ما كان المسيحيين متمسكين بالفرنسيين والمناصب والامتيازات، والمسلمين داعمين لسوريا . إضافة إلى عناصر أخرى، مرتبطة بالاستعمار القديم نتيجة ترسيمات سايكس بيكو، ووعد بلفور، والجغرافيا المشاغبة التي حالت دون بناء لبنان الوطن الكبير القائم على أساس الوطنية وليس العروبة والقومية التي كرّست خلل بنيوي وإجتماعي وجغرافي ذات أثار لانزال ندفع ثمنها إلى يومنا هذا بسبب الإرتماء وراء الزعيم والشخصانية وليس الفكر والبراغماتية التي تقتضي مراجعة العلاقات اللبنانية –السورية بفعل تحولات عديدة احتكمت لها اجتماعات حميميم الروسية- الامريكية –السورية .

وبالتالي ، إن زيارات ماكرون إلى لبنان لم تأتي انشغالاً بهموم اللبنانيين بل تحقيقاً ًلمصالح فرنسا بعد انكسارها في ليبيا، بفعل النفوذ التركي في القارة الافريقية حيث تحاول من خلاله تحيق مكاسب استراتيجية وضغط سياسي عبر جماعة الاخوان المسلمين ، فكان لبنان الناذة التي يطل من خلالها ماكرون لمخاطبة استفراد وتوسع السيد اردوغان في البحر الابيض المتوسط ولضمان وتمكين تفوق اسرائيل في المنطقة عبر تقليب اللبنانيين واستغلالهم من خلال استمالة بعض الموارنة والتفاوض مع الحزب . فلماذا لم تقدم فرنسا صور الاقمار الاصطناعية حول انفجار مرفأ بيروت حتى اليوم مع العلم أن كل المؤشرات تؤكد أن اسرائيل قامت بضرب المرفأ وذلك، بسبب تزامن الاحداث مع بعض . فلو سألنا من هي الجهة التي استفادت من كل مأساة لبنان منذ ثورة 17تشرين غلى ارتفاع سعر الصرف وتدهور العملة الوطنية، واستشراء الفساد وتابيده الى حرب ناغورنو كرباخ، وترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل إلى الصراع في المتوسط إلى انفجار مرفأ بيروت ، نجد أن المستفيد الأول هي اسرائيل من خلال وكلاء داخليين تم استخدامهم بهدف تمكين هذا الواقع وتاكيده والاستحكام به من خلال التأكيد على الفساد والمنظومة الفاسدة وتثبيتها، دون إيجاد تسوية لحل هذا الواقع والتأسيس لمرحلة انتقالية تؤدي إلى التجديد وتغير واقع الحال في لبنان.

وبالختام، أنا لا أعتقد أن الاصلاح في لبنان ينبغي استراده من الخارج ،فهو ليس صناعة خارجية بل صناعة وطنية تحتاج الى مسؤولية ووعي وانتماء وطني، يؤسس لخريطة طريق عبر مشروعاً وطنياً وليس مشروع طائفي قائم على أساس المحميات الطائفية بل على أساس الكفاءات والمبادرات الوطنية . وذلك عبر مكافحة الفساد وإقفال المعابر غير الشرعية وسيطرة الدولة على منافذ البلاد الشرعية والتقيد التام بالمعايير التي يفرضها صندوق النقد الدولي قبل الإفراج عن أي مساعدات مالية أو إنسانية للبنان وبشكل خاص اللقاحات جراء جائحة كورونا .

لا يمكن أن نستمر في ظل هذه التركيبة وهذا النظام القائم ، لأن تغيير النظام ليس شرطاًً لتغيير الواقع، بل ثقافة المدنية هي المشروطة بتغير الواقع عبر الحد من الاستعلاء الايديولوجي والعقائدي والبحث في الهواجس المشتركة الانسانية، والصحية، والرفاهية والاكتفاء الذاتي والامني. من هنا، تاتي مبادرة البطريرك مار بشارة الراعي حول مسألة الحياد واقع قائم بذاته.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.