مايز عبيد

ساحة النور في طرابلس: قبلة كلّ مضطهد أو محتجّ

3 دقائق للقراءة
مركز تاريخي لأي شكل من أشكال الإعتراض في وجه الإضطهاد

تُعدّ ساحة عبد الحميد كرامي أو ساحة النور في مدينة طرابلس اليوم، الملاذ الأوّل والأخير لكلّ محتجّ على سياسات الدولة، وقبلة كل مواطن طرابلسي معترض. فهل هذا الدور الذي تؤدّيه هو جديد عليها أم هو دور تاريخي اتّصفت به عبر العقود والسنوات؟

ساحة النور اليوم هي وجهة كل مواطن طرابلسي وحتى شمالي، لا سيّما الفقراء من أبناء هذه المدينة، الذين يعانون اليوم أشدّ المعاناة في تأمين احتياجاتهم وقوتهم اليومي. كان ذلك قبل ثورة 17 تشرين الأول 2019 وأثناءها وما زال بعدها. لكنّ ساحة النور هذه اشتهرت في زمن الثورة باستقطابها الثوّار والمحتجين من أبناء طرابلس وعموم الشمال وعموم لبنان أيضاً، حيث سطّروا أجمل صور الإحتجاج من خلالها حتّى سميت مدينة طرابلس بـ"عروس الثورة"؛ وسمّيت ساحة النور أيضاً بـ"ساحة الثورة". فالساحة ليست الوحيدة في مدينة كبيرة كطرابلس، فهل كان الناس يقصدون ساحة النور كساحة احتجاج فقط لأنها على مداخل المدينة، أم أن خلف الأمر أسباباً أخرى؟

تقول الأحداث التاريخية إنّ مدينة طرابلس لطالما كانت من أكثر المدن اللبنانية تفاعلاً مع القضايا العربية والقومية بشكل عام، ومع القضايا الوطنية في لبنان، لا سيّما منها القضايا المطلبية بشكل خاص. فعبر التاريخ يتذكّر كبار السنّ، والعارفون بأمور التاريخ في طرابلس، "أنّ المستديرة الواقعة على مدخل المدينة وتشكل بالنسبة إلى الكثيرين مدخل عاصمة الشمال، لطالما كانت تصدح بأناشيد دعاة القومية العربية والوحدة مع سوريا وبأناشيد الإستقلال في زمن عبد الحميد كرامي، وهو أحد زعماء الإستقلال والإنتفاضة في وجه الإحتلال الفرنسي، وقد سمّيت الساحة باسمه ونصب فيها تمثال له، قبل أن تصبح ساحة النور لاحقاً ويتمّ إزالة التمثال في زمن الحرب، ثم وضع لاحقاً عليها لفظ الجلالة. كما صدحت هذه الساحة في مرحلة من المراحل بالأناشيد الإسلامية، وبأناشيد الأحزاب وزعماء الحرب في زمن الحرب. وشكّلت ساحة النور مركزاً للإحتجاج الرئيسي لأهالي المفقودين من أبناء طرابلس في المعتقلات السورية في زمن الحرب اللبنانية، وكانت أيضاً ساحة الإعتصام الدائم لأهالي الموقوفين الإسلاميين في السجون اللبنانية في العام 2010 وما تلاه، لا سيّما في زمن جولات العنف الطرابلسية الواحدة والعشرين بين جبل محسن وباب التبانة". ويشير العارفون بالتاريخ الطرابلسي خاصة وبتاريخ لبنان عامة الى أنّ ساحة عبد الحميد كرامي (النور) أو مستديرة طرابلس كما كانت تسمّى في الزمن الغابر، كانت أيضاً وجهة الطلاب من أبناء المنطقة في ستينات وسبعينات القرن الماضي، لا سيّما تلك المسيرات الشبابية والطلابية والعمالية، التي كانت تجوب مدينة طرابلس حاملة شعارات العروبة والوحدة، وشعارات التحرّر والنهضة والشعارات الرافضة لقضم حقوق العمال والمعلمين وفئات المجتمع.

إذاً، ساحة الثورة اليوم وساحة الإنتفاضة والإحتجاج لم تأت تسميتها أو مسمّياتها عن عبث. وفي كل مرحلة تراها تأخذ الإسم الذي يناسب تلك المرحلة، لكنّ الطابع الغالب للساحة والمضمون الفكري والإستراتيجي والذهني لهذه المستديرة في أذهان الناس يبقى ثابتاً، على كونها مركزاً تاريخياً لأي شكل من أشكال الإعتراض في وجه الإضطهاد. هذا الدور ليس بجديد على ساحة النور وهذا اللبوس ليس وليد اليوم أو الصدفة، كما تشير كل المراحل التي عاشتها طرابلس. فأيّ دور ينتظر هذه الساحة في زمن السعي إلى الإستقلال الثالث؟