مايز عبيد

طرابلس تحتاج إلى قيادة منقذة في زمن الإنهيار الإقتصادي

4 دقائق للقراءة
ساحة النور

كشفت الأحداث الجارية منذ ما قبل تشرين الأول 2019 وما بعده، حجم الفقر والمعاناة والإهمال الحاصل بحقّ مدينة طرابلس. هي عاصمة لبنان الثانية وباستطاعتها أن تكون عاصمته الإقتصادية. وإذا تحدّثنا عن مدينة على ساحل البحر الأبيض المتوسط ولديها المرفأ والمعرض والمصفاة، ويجاورها المطار، وتجاورها محافظة عكار بكل ما فيها من مقومات طبيعية أي ما يعرف بـ"طرابلس الكبرى"؛ لكنها في الوقت نفسه المدينة الأفقر على الساحل المتوسطي، والمدينة التي تحيط بها أحزمة البؤس من كل جانب، أو بالأحرى اقتحمتها هذه الأحزمة في عقرها فضربها الفقر وعمّت البطالة في كل جانب من جوانبها.

صحيح أن الوضع الإقتصادي اليوم سيّئ على جميع الأصعدة في لبنان، وعلى كل اللبنانيين بمختلف فئاتهم ومشاربهم، لكنّ معاناة الطرابلسيين كانت أكبر والآن تفاقمت وانحدرت الأمور فيها نحو الهاوية الإقتصادية. هناك من يتساءل بالفعل: لماذا انتظر الطرابلسيون ثورة "17 تشرين" حتى يثوروا؟ كان يتوجب عليهم الثورة والإنتفاضة منذ سنوات بعيدة بسبب كل هذا الإجحاف القائم. وهناك من يرى أنّ الثورة اللبنانية انطلقت شرارتها من طرابلس بالفعل، التي كانت تجري فيها أحداث تشبه "ميني ثورة" قبل 17 تشرين في أكثر من حي ومنطقة وساحة. كثيراً ما يُطرح هذا السؤال وباستمرار: لماذا كل هذا الفقر في طرابلس بالرغم من أنّها تملك الموارد والمرافق التي باستطاعتها أن تجعل منها الحاجة الوطنية لكل لبنان، والرافد الإقتصادي للبلد بشكل عام وليس فقط لها ولأبنائها وسكانها؟

يرى متابعون أنّ مشكلة طرابلس المدينة وطرابلس الكبرى بشكل عام، هي مع الدولة في الأساس، والسلطة التي حكمت البلد في زمن النفوذ السوري، والتي لم تنظر في يوم من الأيام إلى هذه المدينة أكثر من صندوق بريد لتوجيه الرسائل الداخلية والخارجية. ربما كان النفوذ السوري وقتها يريد تدفيع طرابلس، العصيّة عليه، الثمن من إنمائها وخدماتها. فالدولة، وبدل أن تنمّي المرافق والقطاعات الاقتصادية المنتجة في هذه المدينة، عمدت إلى تعطيلها وإرباكها، بينما في كل دول العالم المتقدّم، يتمّ استغلال موارد البلد في أي مدينة أو منطقة كانت إلا في لبنان.

يرى الباحث والكاتب السياسي الطرابلسي شادي نشابة أن "مدينة طرابلس تعاني بشكل أساسي من أزمة قيادة وأزمة المركزية عبر الدولة. فلقد مرّ على تاريخها الشهيد رشيد كرامي والمرحوم أبو عربي وغيرهما من قيادات كانت تهتم لشؤونها فتأخذ في الإعتبار مصالح المدينة وأهلها. بعد الطائف ومرحلة الوجود السوري، مُنع الرئيس الشهيد رفيق الحريري من زيارة المدينة وإنشاء المشاريع فيها والعمل على تنميتها. تفاعلت طرابلس بقوة مع اغتيال رجل بحجم رفيق الحريري كانت تعقد عليه الآمال. وبعد هذا الإغتيال توالت الأحداث الأمنية على المدينة وصولاً حتى جولات العنف المتكررة، ناهيك عن الأحداث الأخرى المتلاحقة، وكل هذه الأحداث جعلت المدينة تخسر دورها كحاضنة إقتصادية لشمال لبنان وتخسر دورها الإقتصادي والريادي الوطني".

ويضيف نشابة: "الأوضاع الأمنية غير المستقرة جعلت المناطق الأخرى المجاورة لطرابلس تفكر في اقتصادها الذاتي وتنشئ المصالح والحرف الإنتاجية ضمنها".

وبحسب نشابة، فقد عانت طرابلس من أزمة النظام في لبنان ومن مركزية السلطة "التي لم تفكّر في طرابلس والأطراف كمرحلة أولى، حتى أنها أهملت بيروت العاصمة نفسها أيضاً عندما تركت أطرافها من دون إنماء.. وهناك أزمة قيادة حقيقية في المدينة، تستطيع أن تحصّل حقوقها من الدولة".

ويخلص نشابة إلى القول إنّ "طرابلس تستطيع أن تكون الرافد الإقتصادي لكل لبنان، وكل ما نحتاجه اليوم هو تطبيق اتفاق الطائف بشكل صحيح والذي نصّ على اللامركزية الإدارية، والحاجة اليوم إلى لامركزية إدارية موسّعة لأنّ النظام المركزي أثبت فشله، كما نحتاج إلى قيادة طرابلسية حقيقية تعمل لتأمين مصالح المدينة وتسيير مرافقها عبر الدولة".