د. هشام حمدان

في الذكرى الأربعين لاغتيال المفكّر لقمان سليم

23 آذار 2021

02 : 00

العدالة ستبقى مؤجّلة

يستمر مصير لبنان محجوراً في مختبرات الذين يرسمون خريطة الشرق الأوسط الجديد. الخريطة التي رسم بداياتها الرئيس الفرنسي ماكرون فشلت. فتحركت الديبلوماسيّة الروسيّة. يقال ان وزير الخارجية الروسي لافروف، تواصل مع الحكومة الإيرانية لمناقشة الوضع في لبنان، فأحالته إلى حزبها في لبنان. خطوة ذكيّة من الجانب الإيراني كي يبعد عنه مواجهة مباشرة مع الحليف الروسي اللدود. حزب إيران أوفد ممثليه إلى موسكو. تضاربت المعلومات حول المواضيع التي شملها النقاش بينهما. لكنّ خطاب أمين عام الحزب، سرعان ما كشف أنّ ثمة ضغوطاً على حزبه لتسهيل مهمة رئيس الحكومة المكلّف بتشكيل الحكومة. وهذا الخطاب لم يحسم الأمور. ولن يحسمها. فالأمين العام يعلم أن قادة إيران لا يريدون أيّة مساومة سوى مع الولايات المتحدة الأميركية. هو كان عليه تسويف الأمور وأيضاً، رمي وزر تعطيل تشكيل الحكومة على حليفه المسيحي الجالس على كرسي الرئاسة. لم تنجح المحاولة الروسية، ولن تنجح. إيران تعلم أن حزبها في لبنان هو الرافعة الأساسية الباقية في هذه المنطقة، لتعزيز موقعها في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركيّة.

تضاعفت معاناة اللبنانيين في هذه المرحلة، فقد دخلت لعبة الضغوط الإقتصادية المرافقة لحركة تشكيل الحكومة، على مسار سعر الدولار. ومن الواضح أنّ هذه المرحلة ستستمر من دون نتيجة. إيران تعلم جيداً أن روسيا أدارت لها ظهرها، وأنها وافقت على القرار بشأن إخراجها من سوريا الذي اتخذ منذ حزيران عام 2019، عندما اجتمع مسؤولو الأمن القومي في الولايات المتحدة والإتحاد الروسي وإسرائيل، في القدس. وحزبها في لبنان يدرك أن خدماته في سوريا قد إنتهت. فهو قدّم المطلوب منه، وساهم في تثبيت خريطة تفتيت سوريا، وإيقاعها في البراثن الروسيّة، وتمهيد الطريق بالتالي، لنهاية قريبة لحكم حليفه بشار، تفتح الباب أمام تسوية في سوريا تعيدها إلى حضن الشرق الأوسط الجديد، من خلال بوابة الخليج إقتصادياً وبوابة إسرائيل سياسياً. إيران وحزبها لم يبق أمامهما إلا لبنان، ففيه يبدو أن خدماتهما لم تنته بعد. إيران تعلم أن الولايات المتحدة والإتحاد الروسي وإسرائيل لا ترغب في زعزعة النظام فيها بل باحتوائها. لذلك تتابع ضغوطها في لبنان عبر حزبها بانتظار ما سيقدمه لها هؤلاء هدية للدور الذي قامت به.

وفي ظل هذه الظروف الصعبة، تأتي الذكرى الأربعون لاغتيال المفكر سليم. وقد أعلنت شقيقته عن عدم ثقتها بان القضاء سيمكنه كشف اللثام عن المسؤولين. وهذا أمر بديهي. فالقضاء ينتظر معطيات التحقيقات التي تجريها الأجهزة الأمنية. وهذه الأجهزة لن تستطيع تحقيق اي تقدم ما لم يرفع الغطاء عن القتلة. وحتى ذلك الحين نعتقد أن العدالة ستبقى مؤجلة. كل أصحاب الحقوق الذين يتطلعون إلى القضاء لتحقيق العدالة لن يحصلوا عليها قبل ان يرفع الغطاء عن القتلة والمجرمين. ولن يرفع هذا الغطاء إلا إذا رفع الخارج غطاءه عن اللاعبين الذين يحمون القتلة والمجرمين في الداخل. ولن يرفع الغطاء حتى نرى الأمم المتحدة قد بدأت تستجيب لدعوة غبطة البطريرك بعقد مؤتمر خاص بلبنان، برعايتها، كي تنظر جديّاً في تنفيذ قراراتها بشأنه.

عندما أعلن غبطة البطريرك عن الحاجة لمؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة، فرح الناس وأبشروا. فرد حزب إيران بنبرة قويّة، ثم أرسل وفداً لمقابلة غبطته. وبالمقابل إجتمع الألوف في صرح بكركي تأييداً لغبطته. وما زال الصرح يستقبل يومياً، الوفود المختلفة التي تعبر عن التأييد له. لكن من الواضح أن غبطته تريث في تحركه. فالصوت العالي بدا أنه أكثر تأثيراً على موقفه من حركة التأييد التي يشهدها.

يمكننا أن نفهم عدم قدرة غبطته على القيام بإندفاعة عمليّة نحو الأمم المتّحدة، ما لم يتأكد أن الطريق إلى نيويورك صارت معبّدة. لكننا لا نستطيع أن نفهم الغموض السائد لدى بكركي بشأن المطالب التي تريد أن تقدمها إلى الأمم المتحدة والمؤتمر الدولي. عندما ذهب البطريرك الحويك إلى فرساي كان واضحاً أنه سيطالب بإنشاء لبنان الكبير. كما أن البطريرك صفير كان واضحاً في مطلبه أمام المجتمع الدولي بإنهاء الوصاية السورية على لبنان، وبتطبيق إتفاق الطائف. فماذا يريد غبطة البطريرك الراعي من المؤتمر الدولي برعاية الأمم المتحدة؟

طالب الإعلامي والباحث السياسي قاسم قصير في حوار أجرته معي ومعه، قناة الغد الإماراتية، بأن يسبق المؤتمر الدولي مؤتمر وطني للإتفاق على المواضيع التي ستعرض أمام العالم. وأضاف: نحن نريد أن نعلم أي لبنان سنقيم معاً. قلت له، إذا كان من الممكن أن يقبل حزب إيران وحلفاؤه، الإلتزام بالقرارات الدوليّة، وتسليم سلاحهم، وترك الدولة تبسط سلطتها على كل الأراضي اللبنانية، وتنزع سلاح كل الميليشيات، وتضمن تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدوليّة، عندها تنتفي الحاجة حتى إلى المؤتمر الدولي. وقلت انه لا بديل عن الدستور. ولا حوار بشأن صيغة جديدة للبنان. المطلوب الإلتزام بالدستور... فهل يمكنه أن يضمن هذا الأمر؟

إلى غبطة البطريرك نقول: نرجوك ألّا تشعر بأن محبة الناس الذين جاؤوك من كل المناطق والطوائف تعني ولاء دائماً لكم وطويل الأمد. الناس يسودها الإحباط الشديد. وربما سمعتم التقرير الإعلامي الذي صدر اليوم، عن عدد الذين ينتحرون يومياً في لبنان. الناس تريد أن ترى تحركاً يمنحها الثقة بأن آلامها ومعاناتها تجد طريقها إلى المجتمع الدولي. من الضروري ان ترسم لهم بكركي أولاً خريطة الطريق التي تريد أن تضعها أمام المجتمع الدولي. هم يريدون رؤية خطوات ملموسة لتحقيق هذه المطالب. الناس لم تعد تخشى التهديدات، ولو كانت تمتلك السلاح لحملته وجعلته لسانها في مواجهة التهديدات. هي لا تخشى تهديدات القمصان السود، بل تنتظرهم أن يخرجوا. لعل خروجهم يسرّع في تحرك الأمم المتحدة لإنهاء معاناتهم.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.