مايا الخوري

صالح بركات: المنظومة الحاكمة فاشلة وإذا خضعنا يسقط الوطن

22 نيسان 2021

02 : 00

تتخبّط القطاعات المهنية كافّة منذ عام ونيّف في دوامة إنهيار مالي إقتصادي فضلاً عن الوضع الصحي الذي فرض الإقفال العام على مراحل عدّة. وكأن هذا الواقع المرير ما كان كافياً لتأتي جريمة 4 آب وتقضي على ما تبقّى من إرادة صمود وقدرة على الوقوف بوجه العاصفة خصوصاً في العاصمة، التي تضمّ أهم المراكز الثقافية ومن ضمنها صالات عرض اللوحات الفنية والمنحوتات التراثية. عن تأثر هذا القطاع وكيفية الصمود بوجه الأزمات، تحدّث صالح بركات الناشط في حقل الفنون التشكيلية وصاحب صالتي عرض أجيال" و"صالح بركات" إلى "نداء الوطن".

إثر إنفجار "4 آب"، تضررت مدينة بيروت وضواحيها ومن بينها صالات عرضك، كيف تخطيتم هذه الأزمة؟

لم نتعرّض كسائر مباني مار مخايل إلى دمار كبير في الحجر، إنما لأضرار كثيرة أجبرتنا على إقفال الصالات لشهرين. بالنسبة إلينا، موت أهم أعواني وأقربهم إليّ ضحية في الإنفجار، كانت الخسارة الأكبر التي لا تُعوّض.


لا تزال آثار الكارثة محفورة في قلوب جميع اللبنانيين، هل انعكســــــت على محتوى اللوحات الفنية؟


ما من شكّ في ظهور آثار إنفجار بيروت في لوحات الفنانين. حكى معرض سمر مغربل عن هذا الإنهيار الكبير، وكذلك إنتاج معظم الفنانين الذي عبّر مباشرة عن هذا الانفجار. برأيي لن يضمحلّ هذا الأثر بل سيبدو أكثر وضوحاً وتفاعلاً مع الوقت، ففي البداية يقاوم الإنسان للإستمرار والنهوض مجدداً إنما تأتي التداعيات تدريجاً لأن ما حصل حدث جلل لا يمرّ بسهولة.


منذ عام ونيّف نعاني من إنهيار مالي إقتصادي، كيف تأثّر قطاع المعارض بشكل عام؟


تأثرنا كسائر القطاعات بهذه الأزمة، ففي نهاية المطاف، حُجزت أموالنا، لا نستطيع تحويلها ولا التصرّف بها. فحصلت إشكالية في كيفية دفع التكاليف لفنانين عاشوا في الخارج، لذا نشأت ظروف جديدة، حيث هناك من لا يقبل البيع إلا بالدولار وآخر يقبل باللبناني وآخر لا يقبل سوى "الكاش". لذا، بعدما تعاونا سابقاً مع فنانين لبنانيين مغتربين، بتنا نكتفي بالفنان اللبناني المقيم، الذي لا يحتاج إلى تحويل أمواله إلى الخارج.

كيف تمت إدارة هذه الإشكالية؟

لأنه وجب الإستمرار في الحياة، إتخذنا قراراً بعدم الخضوع لفكرة الإقفال. مرّت مؤسستنا التي تحتفل بعامها الثلاثين بمطبّات كثيرة، عاشت الإزدهار والخير تارة، والأزمات طوراً. لذا يجب مواجهة هذه الأزمة والتكاتف مع مجتمعنا لأننا إذا استسلمنا وخضعنا مع غيرنا للإقفال سيسقط الوطن.



هذه الإرادة الصلبة هي ميزة اللبناني الذي اعتاد لملمة جروحه والوقـــــوف مجدداً!

برأيي الحيّ أبقى من الميت. تضمّ هذه المؤسسة 30 فناناً إضافةً إلى موظفين يعملون ويعتاشون مع عائلاتهم منها، لذا يجب الإستمرار. لا أحبّذ شخصياً تبجيل فكرة الصمود، بل يجب رفض هذا الواقع وتحقيق التغيير اللازم. نضطر للتأقلم من أجل إستمرار الحياة لأن سلاحنا فنّ وأدب وقلم ولا نملك جيشاً.


هل من مشاريع مشتركة حاليـــــــاً مع معارض دولية أو عربية؟


نسعى لتأمين الحدّ الأدنى من الإستمرارية، لذا شاركنا في "Art Dubai" وسنشارك في باريس، كما نتطلع نحو لندن واسطنبول، لأن أي دخل ممكن تأمينه من الخارج يساهم بشكل كبير في تقويتنا.


علامَ يرتكز التعاون مع الخارج؟

نحفّز مشاريع مختلفة حالياً، إمّا نعرض لوحات فنانينا أو نشارك في معارض لتقديم أعمالنا. ومن شأن هذه المشاريع تأمين مداخيل خارجية تفسح في المجــال أمــــام شراء المواد المستوردة.

من أعمال يزن حلواني


هل خففّ العرض الإفتراضـــــــــــــي عبر الـ"سوشيل ميديا" وطأة الغياب القسري بسبب الإقفال العام في البلد؟

لقد عزّزنا حضورنا الإفتراضي بسبب توافر متابعين دائمين لهذا الفضاء، ما غطّى نوعاً ما عملية إقفال أبواب صالات العرض بسبب الحجر. إنما يحتاج الفنّ إلى تفاعل مباشرٍ خصوصاً أننا لا نعمل في التقنيات الجديدة بل نقدّم لوحات وتراثاً ما يتطلّب الإحساس الجسدي.

هل إستعدتم نشاطكم الحضـــوري بعد إعادة فتح البلد؟

نعم، إستعدنا نشاطنا الحضوري مفتتحين معرضيْن، إنما لم ننظّم حفل إفتتاح كما كنا نفعل في السابق بسبب الإلتزام بالتباعد الإجتماعي.

ماذا تعرضون حالياً؟

نحن أساساً نقدّم فنّاً لبنانياً معاصراً. نظّمنا معرضاً للفنان يزن حلواني، ومعرضاً للفنان جوزف حوراني والفنانة سمر مغربل. لديّ 3 صالات عرض متفاوتة الحجم. واحدة كبيرة للمشاريع الواسعة، وواحدة متوسّطة هي معرض "أجيال"، وصالة صغيرة "Upper Galery" لتقديم مشروع محدد مثل معرض مغربل.

كيف تقيّمون حركة الزوّار؟

نلحظ أخيراً مزيداً من الحضـــور في المعرض.


جوزيف حوراني


هل يتأثر المبيع بلا استقرار سعــــــــر صرف الدولار؟

طبعاً. من جهة نلمس تردداً لدى الناس في شراء اللوحات ومن جهة أخرى ثمة تفاوت في سعر اللوحات بحسب الفنان، حيث يحدد بعضهم السعر بالدولار وآخر باللبناني وهناك من يقبل فقط الشيك المصرفي.

ما هي إجراءات السلامة المتبعــــة في صالات العرض؟

منعنا منذ الأساس، الدخول من دون كمّامة، فضلاً عن توافر آلات التعقيم في مختلف الصالات، كما نحترم التباعد الإجتماعي.

هل تأمل في استعادة بيـــــروت دورها كعاصمة جامعة للشرق والغرب ووجهها الحضاري والثقافي؟

بيروت حاضنة مهمّة يجب أن نسعى جميعاً للمحافظة على مكانتها وقدرتها على الإبتكار وإيجاد الحلول الذاتية في هذا الإطار. ولكن ما لا يقبل الجدل أنه تنتظرنا أيّام صعبة جداً في ظلّ غياب الرؤية. إذا أعلن رئيس الجمهورية ذهابنا إلى جهنم، يعني أن الرؤية قبيحة. لا تتوافر قيادة سياسية تعلن مساعدتها البلد في الخروج من هذا النفق المظلم بل يكتفي الجميع بالمزايدة على بعضهم البعض. بات واضحاً أن هذه المنظومة التي تحكمنا منذ زمن بعيد هي مفلسة وفاشلة غير قادرة على إيجاد الحلول لذا مـن الصعب التفاؤل.


سمر مغربي


كيف تتشجّع إذاً للإستمرار في لبنان؟

لا يتعلق الأمر بإرادة الصمود بل بواجباتنا تجاه الوطن. لا نستطيع جميعنا المغادرة، يجب أن يبقى أناس هنا ويستمرّوا. إنها واجباتي كمواطن لبناني، إذ يجب أن أسعى بكل قوّتي للدفاع عن هذه الهوية التي أؤمن فيها حتى أُطرد خارجاً.

تأمل خيراً رغم الظروف؟

لست متأمّلاً بالمستقبل، لكنني مضطر. ليؤدّ كل منّا الدور المنوط به في هذا الوطن. أرفض مقولة "سأهاجر حتى يتحسّن البلد"، لأن لبنان لا يستقيم بمفرده، يجب أن نسعى ونعمل لتحقيقه. صحيح أن ثمة من يهاجر لتأمين مستقبله، إنما هذه المنظومة تدفع بالشباب إلى الهجرة حتى يرسلوا المال إلى أهلهم فيسرقونها مجدداً. حوّلتنا هذه المنظومة إلى الطاعة، لذا لم تعد نسبة الهجرة تستفزها أبداً بل على العكس هي التي تدعو الشباب إن لم يعجبهم الوضع إلى المغادرة، حتى يسرقوا جنى عمرهم مجدداً.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.