مانداكيني غاهلوت

الهند... بلد منقطع الأنفاس!

30 نيسان 2021

المصدر: The Atlantic

02 : 01

تبدو نهاية العالم وشيكة في نيودلهي! تطلق سيارات الإسعاف صفارات الإنذار طوال الليل لتذكير الجميع بالمأساة المريعة التي تشهدها هذه المدينة. تواجه الهند في الوقت الراهن موجة ثانية كارثية وقياسية من وباء "كوفيد - 19"، وكانت العاصمة الأكثر تضرراً من هذا الوضع. يتنقل المرضى اليائسون من مستشفى إلى آخر ويتوسلون المسعفين لتلقي الأوكسجين، لكن ترفض المستشفيات استقبالهم. ينشر أقاربهم وأصدقاؤهم مناشدات عاجلة على مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن الأوكسجين لكن بلا جدوى. تخلو المدينة من الأوكسجين حرفياً!

ما كان يُفترض أن يصل الوضع إلى هذه المرحلة الكارثية. لقد افتعلت حكومة "حزب بهاراتيا جاناتا" الحاكم هذه المجزرة بسبب تعتيمها الإعلامي وإخفاقاتها المتلاحقة وإصرارها على التفاخر بإنجازات وهمية. في شهر شباط، أصدر الحزب موقفاً لتهنئة قادته على إظهار الهند أمام العالم كدولة فخورة بنفسها بعد انتصارها على فيروس كورونا. لكن تجاهل رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، وحكومته عدداً من المؤشرات التحذيرية في أول ثلاثة أشهر من السنة واستخفوا بآراء العلماء. اجتمعت عوامل عدة لتأجيج الموجة الوبائية الثانية، لكن يبقى عجز الحكومة عن توقع الأحداث أساس هذه الكارثة.

دعا رئيس الوزراء الجميع إلى توخي الحذر وأصرّ على ضرورة الاستعداد لموجة وبائية ثانية، لكنّ خطابه لم يكن يتماشى مع تصرفاته. في العام 2020، أنشأ مودي صندوقاً لمحاربة الوباء، فتلقى هذا الأخير تبرعات من جميع أنحاء العالم. أصرّ المسؤولون على استعمال هذه الأموال لإنشاء 162 مصنعاً لأسطوانات الأوكسجين. احتاجت الحكومة إلى أكثر من ستة أشهر للبدء بتلقي العروض لبناء تلك المصانع. وحتى هذا الشهر، بَنَت الحكومة 33 مصنعاً منها فقط. كذلك، صدّرت الهند كمية مضاعفة من الأوكسجين بين نيسان 2020 وآذار 2021 مقارنةً بالسنة السابقة، ولم تنتج مخزوناً يكفي الاستهلاك المحلي تحسباً للموجة الثانية.

ترافقت مواقف مودي المتغطرسة مع عواقب كارثية. ضخّمت الشبكات الإعلامية والصحف الموالية للحكومة الفكرة القائلة إن الهند تغلبت على فيروس كورونا. ورغم الذعر الذي شعر به العلماء وخبراء الصحة، بدأ الهنود يتخلون عن أقنعتهم ويتجاهلون قواعد التباعد الاجتماعي. نتيجةً لذلك، تصاعدت الإصابات الجديدة وسجلت الهند أكثر من 11 ألف إصابة في 1 شباط، وبدأ منحنى الإصابات يرتفع منذ ذلك الحين.

لكن لم تتنبه الحكومة الهندوسية القومية لتحذيرات الأوساط العلمية، بل تجاهلت آراء العلماء دوماً وفضّلت التدجيل على الناس. في 19 شباط، ظهر وزير الصحة الهندي، هارش فاردهان، إلى جانب زعيم روحي لا يضع قناعاً على وجهه، اسمه بابا رامديف، لإطلاق علاج "كورونيل" الذي أنتجته شركة رامديف لمعالجة كورونا. تابعت الإصابات تصاعدها في ظل تخبط الحكومة. كشفت الصحفية فيديا كريشنان في تقرير استقصائي جديد في مجلة "ذا كارافان" أن فريق العمل العلمي الوطني المختص بأزمة كورونا لم يجتمع ولو مرة واحدة بين شباط ومنتصف نيسان.

شاركت الحكومة في نشر الوباء على نطاق أوسع حين سمحت بتنظيم مهرجانات دينية ضخمة واستمرار رحلات الحج. في 11 آذار، حين وصل عدد الإصابات اليومية الجديدة إلى عتبة الخمسين ألفاً تقريباً، رحّب مودي، عبر تغريدة على تويتر، بالحجاج على ضفاف نهر الغانج في ولاية "أوتارانتشال" خلال مهرجان "كومبه ميلا". هذا المهرجان مهم لدرجة أنه يجذب في أيام معينة ملايين الحجاج الذين يحتشدون في مساحات مغلقة على ضفاف النهر المقدس. تفشى وباء كورونا وسط المجتمعين كما كان متوقعاً. توفي عرّاف بارز بسبب كورونا، وجاءت فحوصات آلاف الحجاج إيجابية، وأصرّت السلطات التي يديرها "حزب بهاراتيا جاناتا" على أنها لا تستطيع فعل الكثير لوقف انتشار الوباء.


كانت هذه المقاربة تتعارض بشدة مع ردة فعل الحكومة تجاه مؤتمر مسلم في آذار 2020، في بداية انتشار الوباء. ساهم ذلك الاجتماع في نشر كورونا (لكن على نطاق أصغر مما فعله مهرجان "كومبه ميلا" المستمر)، فأبدت الحكومة ردة فعل عنيفة تجاهه واعتقلت السلطات المشاركين فيه واحتجزت بعضهم لأكثر من سنة. حتى أن بعض وسائل الإعلام وممثلي "حزب بهاراتيا جاناتا" يعتبر "كوفي د- 19" مرضاً مسلماً بطبيعته. لكن بعد مرور سنة على ذلك الحدث وفي ظل تصاعد الإصابات اليومية وتجاوزها عتبة المئتَي ألف في منتصف نيسان، أطلق مودي أضعف شكل من المناشدات ودعا منظّمي "كومبه ميلا" إلى إعطاء طابع "رمزي" للمهرجان.

أزمات متراكمة

كانت الضرورات السياسية جزءاً من العوامل التي أدت إلى تفشي الموجة الثانية من الوباء أيضاً. في بداية شهر آذار، حوّلت الحكومة تركيزها إلى الانتخابات في خمس ولايات أساسية، فتنقل مودي شخصياً من ولاية إلى أخرى وألقى الخطابات خلال تجمعات حاشدة حيث امتنع المشاركون عن وضع الأقنعة على وجوههم. وفي منتصف نيسان، حين كانت الهند تسجّل أكثر من 200 ألف إصابة جديدة يومياً، تفاخر رئيس الوزراء بحجم المشاركين في تجمعاته الانتخابية في ولاية البنغال الغربية. ظهر نوابه وحلفاؤه على التلفزيون الوطني لنفي أي رابط بين الموجة الثانية وهذه التجمعات العامة الضخمة. كان "حزب بهاراتيا جاناتا" آخر حزب يُعلّق حملاته في البنغال الغربية، فلم يقرر إلغاء تجمعاته إلا حين بات مستحيلاً تجاهل وفاة آلاف الهنود يومياً بسبب نقص الأوكسجين.

تفاقمت أزمة الصحة العامة الراهنة بسبب أزمة معرفية أخرى، إذ لا يمكن الوثوق ببيانات الحكومة. يزعم الخبراء أن الهند لا تكشف عن حجم المأساة الحقيقية، لكنّ الكارثة باتت واضحة للناس على أرض الواقع. وذكرت صحيفة "فاينانشل تايمز" في أواخر نيسان أن التقارير الإخبارية المحلية في سبع مقاطعات تشير إلى وفاة 1833 شخصاً على الأقل بسبب فيروس كورونا خلال بضعة أيام، مع أن الأرقام الرسمية اقتصرت في تلك الفترة على 228 حالة وفاة. في مقاطعة "جامناجار" مثلاً، توفي 100 شخص بسبب كورونا، لكن ذكرت المصادر الرسمية وفاة شخص واحد فقط.

توقّع علماء الأوبئة أن يصل معدل الوفيات إلى مستوى يفوق الرقم الذي تم الإعلان عنه بعشر مرات، وهم يفترضون الآن أن تصل الهند إلى عتبة قاتمة، فتُسجّل مليون حالة وفاة بسبب فيروس "كوفيد - 19" بحلول شهر آب المقبل. قد لا تتضح حصيلة الوباء الحقيقية مطلقاً، وهذا ما يصعّب محاسبة الحكومة.

يعني امتناع الحكومة عن تعقب المتغيرة الفيروسية B.1617 أن العلماء بدأوا للتو دراستها وتحديد قدرتها على نقل العدوى وقتل الناس وتحليل تفاعلاتها مع اللقاحات المتاحة. يظن علماء الفيروسات والأوبئة أن هذه المتغيرة هي التي أجّجت الموجة الثانية من الوباء. الأسوأ من ذلك هو قدرة المتغيرة على تجاوز المناعة الناشئة ضد المرض. كان عدد كبير من المرضى المتواجدين اليوم في مستشفيات نيودلهي قد تلقى جرعة أو جرعتَين من لقاح "أسترا زينيكا"، وهو وضع مقلق لأنه ينذر بأن هذا اللقاح لا يستطيع احتواء المرض المتبدّل.

مع ذلك، يبقى التلقيح أفضل طريقة لتجنب تصاعد الوفيات وحالات الاستشفاء في أي بلد مكتظ سكانياً حيث يصعب فرض تدابير التباعد الاجتماعي والإقفال التام لأنها لا تحظى بشعبية واسعة سياسياً. بدأ الفيروس ينتشر الآن بوتيرة سريعة في مختلف المدن والمناطق الريفية. كانت نصف الفحوصات إيجابية مثلاً في مدينة «كولكاتا» في الأسبوع الماضي. التزمت حكومة مودي بتأمين لقاحات «كوفيد - 19» لجميع الهنود فوق عمر الثامنة عشرة بعد 1 أيار. كانت أي سياسة حكومية منطقية لتقضي بتوفير لقاحات مجانية عامة، لكن لا يستطيع الهنود أن يتلقوا اللقاحات مجاناً إلا في أماكن محددة. نتيجةً لذلك، سيضطر عدد كبير من الهنود في نهاية المطاف لدفع ثمن أحد اللقاحَين المتاحَين في البلد («كوفاكسين» و»كوفيشيلد» المصنوعين محلياً، وهما النسخة الهندية من لقاح «أسترا زينيكا») بموجب نظام تسعير مربك. ويُرسّخ هذا النظام مظاهر اللامساواة الهائلة في الهند، إذ سيتلقى الهنود الأثرياء اللقاح بسهولة بينما يضطر الفقراء للانتظار طويلاً.

لقد أصبح الهنود معتادين على دفع ثمن أخطاء حكومتهم. حين أصدر رئيس الوزراء قراراً بإقفال البلد قبل أربع ساعات فقط من البدء بتنفيذه في آذار 2020، جاع آلاف المشردين والعمال المياومين. وفي ظل غياب أي مساعدات حكومية فورية، اضطر المواطنون العاديون للتعاون في ما بينهم ومساعدة بعضهم البعض.

اليوم، يموت الناس بسبب نقص الأوكسجين ويتكاتف المواطنون مجدداً لتبادل الدعم. هم يطلقون آلاف الدعوات لإيجاد الأوكسجين، ويحملون الأسطوانات الثقيلة بين مختلف محطات إعادة التعبئة ويسلمونها إلى منازل الناس، وينقلون المرضى إلى المستشفيات والجثث إلى المحارق عند الحاجة. حتى أنهم يطبخون وجبات الطعام لمن يتعافون في منازلهم، وينتظرون في صفوف طويلة أمام الصيدليات بحثاً عن الأدوية المفقودة. يقول هؤلاء الناشطون إنهم ما عادوا يستطيعون التمييز بين الليل والنهار ولا تتوقف هواتفهم عن الرنين. لهذا السبب، يبقى الشعب الهندي بصيص النور الوحيد في نهاية هذا النفق الطويل والمظلم.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.