في ظلّ أزمة اقتصاديّة وماليّة خانقة تعصف بالدولة التركيّة، يشهد حزب "العدالة والتنمية" الحاكم معضلة داخليّة عميقة، تتمثّل بتمرّد عدد من مؤسّسي الحزب وأركانه الأساسيين، على "تسلّط" الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واستفراده في اتخاذ القرارات. وتقاطعت مصادر داخل الحزب "الإخواني" على التأكيد، أن موجة انشقاقات كبيرة في صفوف قيادات الحزب ونوّابه ستتوالى تباعاً في المرحلة المقبلة، التي وصفوها بأنّها ستكون أسوأ فترة يمرّ بها الحزب الحاكم منذ تأسيسه. وفي آخر المستجدّات، أنهى رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو مسيرته في صفوف "العدالة والتنمية"، والتي امتدّت لنحو عقدين، بقوله: "لحماية القاعدة المخلصة من حزب "العدالة والتنمية" من حزن مشاهدة زعيمهم السابق وهو يُعزل، قرّرنا الاستقالة من حزبنا الذي أعطيناه أعواماً من الجهود الكبيرة".
داود أوغلو، الذي يُعتبر من الشخصيّات البارزة في الحزب الحاكم، تحدّث خلال مؤتمر صحافي عقده في مكتبه في أنقرة أمس، برفقة أعضاء آخرين في الحزب، عن أسباب الاستقالة التي جاءت قبيل قرار منتظر من جانب قيادة الحزب بفصله. وأعلن رئيس الوزراء السابق في عهد أردوغان، أنّه سيُشكّل قريباً حزباً سياسياً منافساً، معتبراً أنّ "مسؤوليّتنا التاريخيّة وواجبنا تجاه الأمة إنشاء حزب سياسي جديد".
وعندما غادر رئاسة الوزراء، كان قد تعهّد داود أوغلو بعدم انتقاد أردوغان علناً، لكنّه كسر صمته في تموز خلال مقابلة صحافيّة طويلة، اتّهم خلالها حزب "العدالة والتنمية" بالانحراف عن أهدافه، وندّد بقرار الحزب إجراء انتخابات جديدة في اسطنبول، بعدما خسر بفارق ضئيل في آذار لصالح المعارضة. وخلال الانتخابات الجديدة التي أجريت في حزيران، مُنِيَ مرشّح أردوغان بهزيمة كبيرة. ومطلع الشهر الجاري، قرّرت اللجنة التنفيذيّة في حزب "العدالة والتنمية"، بالإجماع، إحالة داود أوغلو على لجنة تأديبيّة تمهيداً لفصله. وإثر إعلانه الاستقالة، وصف داود أوغلو قرار قيادة الحزب بأنّه "خطر جداً ولا يتلاءم مع المبادئ التأسيسيّة للحزب".
ويأتي إعلان داود أوغلو، في وقت نأت شخصيّات حزبيّة أخرى بارزة، مثل الرئيس السابق عبد الله غول ونائب رئيس الوزراء السابق علي باباجان، وكلاهما من الأعضاء المؤسّسين لحزب "العدالة والتنمية"، بنفسها عن أردوغان. وباباجان، الذي كُلّف الإشراف على الاقتصاد التركي، أعلن مطلع تموز استقالته من الحزب، بسبب "تباينات عميقة والحاجة إلى رؤية جديدة". وفي مقابلة مع صحيفة "كرار" هذا الأسبوع، أشار إلى أنّه سيُنشئ حزبه بحلول نهاية العام، لافتاً أيضاً إلى أن غول يدعم جهوده. لكنّه أكّد في المقابل أنّه لن ينضمّ إلى داود أوغلو، لأنّ "أولويّاتهما السياسيّة ووسائلهما مختلفة". ويرى مراقبون أن ثمّة سباقاً بين المجموعتَيْن الكبيرتَيْن ليؤسّس كلّ منهما حزبه في شكل يُعزّز تصويت المنشقين عن "العدالة والتنمية".