في نهاية أيلول من العام 1968، أصبح النهج والحلف معاً بوجه حكومة عبدالله اليافي، فاستقالت. وبعدما رشّح النهج الرئيس كرامي، والحلف صائب سلام، عاد الرئيس شارل حلو ورشّح اليافي مجدّداً وكلّفه تشكيل الحكومة. ولمّا لم تسهّل الكتل النيابيّة مهمّة اليافي تقدّم الرئيس شارل حلو في 19 تشرين الأول من العام نفسه باستقالته إلى رئيس مجلس النوّاب كامل الأسعد. فرفض الرئيس الأسعد استقالة فخامته وعمل على تسهيل تشكيل حكومة رباعية من اليافي رئيساً، وحسين العويني، وبيار الجميل، وريمون إدّه وزراء، بحسب ما ورد في كتاب: فؤاد بطرس المذكّرات، من إعداد الباحث التاريخي أنطوان سعد، والصادر عن دار سائر المشرق 2017.
ونستذكر في هذه الفترة أيضاً السجال الذي كان دائراً في البلد حول حريّة العمل الفدائي بين يمين مسيحي الطابع رافض، ويسار إسلامي الهوى داعم ومؤيّد لهذه الفكرة. ليقفل هذا السجال في اتّفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969 الذي نزع من لبنان سيادته، وجعله ساحة مستباحة، وجبهة مفتوحة لمحاربة العدوّ الاسرائيلي آنذاك. وعلى أثر توالي الأحداث وقتذاك استقال الرئيس كرامي الذي كان رئيساً للحكومة بعد الصدامات التي جرت بين المتظاهرين وقوات الأمن حيث اعتبر أنّ البلد منقسم حول القضيّة الفلسطينيّة، وعلى اللبنانيّين أن يحدّدوا سياسة موحّدة حول هذه الأزمة، وإلا فلن تستطيع حكومته المواجهة. وتابع كرامي تصريف الأعمال على وقع تحريض سوري للشارع الاسلامي على معارضة الحكم، فضلاً عن تسهيل مرور المجموعات الفلسطينيّة والسلاح نحو الحدود الجنوبيّة. فما أشبه اليوم بالأمس !
حكومة تصريف أعمال مع الرئيس دياب، وضع متشنّج لتأليف حكومة مع تكليف الرئيس الحريري، يبدو أنّها لن تبصر النّور، وجبهة في الجنوب بالكاد مضبوط إيقاعها. مع فارق جوهريّ هو أنّ المؤيّد اليوم للعمل المسلّح لم يعد الفريق السنّي اللبناني بل صار الفريق الشيعي خدمة للأجندة الإيرانيّة في المنطقة، وعملاً للوصول إلى مبتغاه في تحقيق الهلال الشيعي المزعوم من طهران إلى بيروت، مروراً ببغداد والشام؛ ليعلن بعدها رسميّاً قيام ولاية الفقيه بقبول الفريق المسيحي الذي يتحالف معه، مقابل احتفاظ هذا الفريق بمفاتيح، ولو صُوَرِيَّة للحكم في لبنان الغد.
يبقى أنّ المشترَك ما بين المرحلتين هو المقاومة اللبنانيّة الحيّة التي لن تألو أيّ جهد في الدّفاع عن الكيانيّة اللبنانية كما أرساها دستور 1920، لا كما يريدها "حزب الله" اليوم ومَن معه. والمقاومة اللبنانيّة اليوم أقوى بكثير ممّا كانت عليه في تلك المرحلة لأنّها أصبحت أكثر لبنانيّة. ففي الماضي قاوم المسيحيّون عن لبنان كلّه. أمّا اليوم فاللبنانيّون الكيانيّون سيقاومون معاً عن أيّ مشروع يعيد مشاريع الأمس إلى الواجهة.
لكن لهذه الغاية شروط لا بدّ من العمل للوصول إليها كي لا يبقى الكلام في إطار عدم التنفيذ. فما يجب الوصول إليه اليوم هو حيّز التنفيذ الذي لن يكون إلا من ضمن منظومة الدّولة لا من خارجها. فأهميّة وجود نوّاب في المجلس النيابي سياديّين وكيانيّين يمنعون سقوط الدّولة ويطالبون بإسقاط المنظومة الفاسدة هو الضمانة لعدم تحلّل الدّولة لصالح مَن يملك السلاح غير الشرعي. تماماً كما حصل في بداية السبعينات.
والعمل اليوم من داخل الدّولة يقضي بتشكيل جبهة سياسيّة معارضة متراصّة بما أنّ قوامها بات موجوداً في الشارع اللبناني السيادي الحرّ. فما على رؤساء الأحزاب إلا التجاوب مع مطالب شارعهم المعروفة اليوم. وإن لم يتجاوب هؤلاء مع ناسهم فالنّاس حتماً ستلفظهم وستستغني عنهم عند ظهور أوّل بديل قد يحمل مطالبهم. وهذا ما شهدناه في واقعة 17 تشرين 2019.
من هذا المنطلَق، المطلوب اليوم إسقاط المنظومة لا النّظام. لأنّ نظامنا ديموقراطيّ حرّ، شكله طوائفيّ لأنّ البنية المجتمعيّة في لبنان قائمة على التنوّع الحضاريّ. فالمناداة بتغيير النّظام تعني ضرب الفكر الدّيموقراطي الحرّ لصالح أنظمة أسقطها التّاريخ. أمّا الحقيقة فتكمن بتطبيق الدّستور اللبناني بالكامل، وهو الذي يلحظ تطوير شكل هذا النّظام وتحوّله نحو المواطنة الحقّة بعيداً من أيّ تأثيرات طوائفيّة فيه.
وهذا لن يتمّ إلا بإسقاط هذه المنظومة الحاكمة، ومن داخل النّظام، وبقدراته الفعالة قبل أن تنجح هذه المنظومة بتقويضها كما نجح الاحتلال السوري في انتخابات 1992 وما تلاها من قوانين شكليّة أنتجت المنظومة نفسها. والسبيل الوحيد لذلك في عمل مشترك يوائم بين مطالب القواعد السياسيّة، والمجتمعيّة، وقيادات الأحزاب، الرافضة لهذه المنظومة، للوصول إلى عمليّة انتخابات نيابيّة، تحت إشراف أمميّ مباشر، لأنّ الثقة معدومة بكلّ ما هو محليّ السلطة. وذلك لإنتاج طبقة سياسيّة جديدة نيو- ثورويّة تقوم على تطوير الحياة الحزبيّة في لبنان انطلاقاً من عمليّة احتواء إجتماعيّ لما طالبت به الناس. ولمنع أيّ انزلاقة جديدة يكرّر فيها الخطّ النيو- يساريّ المستحدث برعاية إيرانويّة اليوم الخطأ نفسه الذي ارتكبه اليسار الحقيقي في سبعينات القرن الماضي.
بذلك فقط، نستعيد لبنان الرسالة، ولبنان أكاديميّة الانسان للحوار والتلاقي، ولبنان شارل مالك الشرعة العالميّة لحقوق الانسان، ونسلّمه لأولادنا وأحفادنا من بعدنا وطناً يليق بأحلامهم، ويكون على قدر طموحات مَن سبقنا واستُشهِدَ ليبقى لبنان. وإلا الويل لنا إن سَلَّمْنَا مَا اسْتَلَمْنَا كمَا اسْتَلَمْنَا.