يستمر الجدل حول المنافع الصحية المحتملة للكحول منذ فترة...
كشفت مجموعة من الدراسات أن استهلاك الكحول باعتدال يطيل الحياة ويحمي القلب، بينما نفت أبحاث أخرى هذه المنافع واعتبرت الدراسات السابقة شائبة ونسفت مفهوم "شرب الكحول الآمن".
ذكرت دراسات معينة مثلاً أن الشرب الخفيف أو المعتدل يحمي المرأة من الجلطات الدماغية، ونسبت أبحاث أخرى هذه المنفعة إلى عنصر الريسفيراترول الناشط في النبيذ الأحمر.
كذلك، يمكن أن يحمي الشرب المعتدل (بين كوبين و7 أكواب من النبيذ أسبوعياً) من الاكتئاب، وفق بحث معيّن، مع أن الدراسة نفسها اعتبرت أن الشرب المفرط يزيد خطر الإصابة باكتئاب.
في ما يخص منافع الكحول على مستوى القلب والأوعية الدموية، تبدو النتائج مختلطة. يشير بعضها إلى احتمال الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية عند شرب كميات معتدلة من النبيذ والبيرة، وليس المشروبات الروحية، بينما يذكر بعضها الآخر أن شرب الفودكا والنبيذ يعطي منافع واقية.
لكن تبنى عدد كبير من المشاركين في تلك الدراسات أسلوب حياة صحياً عموماً والتزم بحمية متوسطية صحية، لذا يصعب التأكيد على دور الكحول في هذه النتائج.
كذلك، تتغير عادات الشرب لدى الناس مع مرور الوقت، لذا يصعب تعقب آثار الكحول. حتى أن الباحثين اعتبروا البيانات المتاحة "غير كافية لدعوة الجميع إلى الشرب".
لكن ظهرت الآن نتائج دراسة جديدة وواسعة النطاق. تُعتبر "دراسة الصحة والتقاعد" من أكبر وأقوى الدراسات حول استهلاك الكحول وخطر الوفاة في الولايات المتحدة، وطرح تقرير جديد نتائجها المستخلصة من مراقبة امتدت على 16 سنة.
نُشرت النتائج في مجلة "شرب الكحول: الأبحاث العيادية والتجريبية". كانت كاثرين كيز، أستاذة مساعدة وحائزة شهادة دكتوراه في علم الأوبئة في جامعة "كولومبيا"، نيويورك، المشرفة الأولى على الدراسة.
حلل التقرير الجديد البيانات التي شملت حوالى 8 آلاف شخص من كبار السن، علماً أنهم وُلدوا بين العامين 1931 و1941 وتسجلوا في الدراسة في العام 1992.
منذ ذلك العام، جمع الباحثون معلومات حول عادات شرب المشاركين وأجروا معهم مقابلات مرتين في السنة، ثم مرة في السنة، بين العامين 1998 و2014.
في كل مرحلة من هذه المراحل، وزّع الباحثون المشاركين على إحدى الفئات الخمس التالية: الممتنعون عن الشرب طوال حياتهم، الممتنعون راهناً، مستهلكو كميات مفرطة أو معتدلة أو متقطعة.
استهلك الممتنعون عن الشرب أقل من 12 مشروباً كحولياً طوال عمرهم، في حال قرروا أن يشربوا. وكان الممتنعون راهناً يشربون في الماضي لكنهم توقفوا خلال فترة الدراسة، بينما شرب مستهلكو الكميات المفرطة أكثر من 3 أكواب يومياً للرجال وأكثر من كوبين للنساء.
كذلك، وضع الباحثون من يشرب كمية هائلة من الكحول خلال وقت قصير (أي 4 أكواب وما فوق يومياً للنساء و5 وما فوق للرجال) في خانة من يبالغون في الشرب.
شرب مستهلكو الكميات المعتدلة كوباً أو كوبين لدى النساء، وبين كوب وثلاثة أكواب لدى الرجال، خلال يوم أو أكثر أسبوعياً، لكنهم لم يشربوا كميات كبيرة في وقت قصير.
أخيراً، شرب مستهلكو الكميات المتقطعة الكحول بمعدل يَقِلّ عن يوم واحد أسبوعياً. لكن حين كانوا يشربون، راحوا يحتسون حتى ثلاثة أكواب يومياً للرجال وكوبين للنساء.الشرب المعتدل
أو المتقطع أكثر مفعة؟كشف التحليل أن الشرب المعتدل والمتقطع تزامن مع تراجع معدلات الوفاة مقارنةً بآثار الامتناع عن الشرب، وسجّل الممتنعون راهناً أعلى معدلات وفاة! لكن أوضح الباحثون أن هذه النتيجة قد تنجم عن سبب عكسي، ما يعني أن المشاركين أوقفوا الشرب بعد تدهور صحتهم.كان لافتاً أيضاً أن يتراجع احتمال الوفاة المبكرة لدى النساء حين شربن كميات معتدلة أو متقطعة، مقارنةً بمن امتنعن عن الشرب طوال حياتهن.
لفت الباحثون في النهاية إلى ضرورة تفسير النتائج بحذر، لأن "دراسة الصحة والتقاعد" قد تشمل بعض الانحيازات وأخطاءً في القياس. كذلك، يمكن أن تتأثر النتائج بعوامل مجهولة حتى الآن. لذا لا بد من إجراء أبحاث إضافية في هذا المجال.